لاهوتُ السلطة على تخوم الوكلاء: بين قداسةِ الحكم وتحولاتِ المجال الجيوسيادي
د. حسام البدري
لا يقف العراق اليوم عند أزمة تشكيل حكومة بقدر ما يقف عند عتبة إعادة تعريف الدولة نفسها: هل هي كيان سيادي يحتكر القرار، أم وسيط وظيفي في جغرافيا الصراعات؟ انتخاب رئيس الجمهورية فتح المهلة الدستورية، لكنه لم يفتح باب الحسم، لأن معضلة العراق لم تعد في “من يتولى” بل في “كيف تُنتج السلطة ولصالح من تعمل”. اسم رئيس الوزراء، أيًّا يكن، تحوّل إلى دالٍّ رمزي على طبيعة النظام: هل سيعيد تدوير سلطةٍ محكومة بسقوف الفاعلين المسلحين، أم يقترب—ولو جزئيًا—من منطق الدولة التي تحتكر العنف وتعيد تعريف السيادة؟
في هذا المستوى، يصبح “لاهوت السلطة” توصيفًا دقيقًا: السلطة تُعامل كقيمة شبه مقدّسة، تُحاط بشرعيات متقاطعة (انتخابية/فصائلية/طائفية)، وتُصان بوصفها غاية لا وسيلة. لذلك يتعثر الانتقال، لأن كل استحقاق يتحول إلى معركة وجود، وكل تسوية إلى هدنة مؤقتة. هنا لا يعود الصراع على المنصب، بل على المعنى الذي يمثله المنصب: هل هو أداة إدارة للدولة أم مظلة لتوازنات تتجاوز الدولة؟
إقليميًا، كشفت الحرب الأميركية–الإيرانية—بهدنتها الهشة—أن العراق لم يعد هامشًا، بل مسرح تشغيل. تعثر قنوات التفاوض أعاد الشك إلى صمود الهدنة، لأن البنية التي أنتجت التصعيد لم تُفكك: شبكات ردع متوازية، ثقة معدومة، واشتباك غير مباشر يُدار عبر وكلاء. في هذه المعادلة، يتحول العراق إلى حيّز ترانزيت للرسائل: ضربات على مصالح أميركية، ومسيّرات تنطلق نحو المجال الخليجي. استدعاء السفير العراقي ليس حدثًا بروتوكوليًا، بل مؤشر على انتقال العراق في الإدراك الخليجي من “ساحة توازن” إلى مسألة أمن قومي مباشر.
هذا التحول يعيد ترتيب أولويات الخليج: لم يعد السؤال من يربح بغداد سياسيًا، بل من يضبط قرار استخدام الأرض العراقية. فحين تصبح الجغرافيا منصةً لتهديد عابر للحدود، تتقدّم مسألة السيادة العملية على أي اعتبارات أخرى. ومع ذلك، لا يملك الخليج مصلحة في انهيار العراق؛ لأن الفوضى تُنتج تهديدًا حدوديًا وطاقويًا واستثماريًا أكبر. بين هذين القلقين، يتشكل ضغط مزدوج: طلب دولة ضابطة مع تجنّب انهيار الدولة.
اقتصاديًا، عرّى إغلاق هرمز هشاشة البنية العراقية: دولة نفطية بموارد ضخمة لكنها فقيرة في بدائل التصدير. الانكشاف هنا ليس ماليًا فقط، بل سيادي: عندما يرتبط التدفق المالي بممر واحد، تتحول السيادة الاقتصادية إلى متغير تابع للجغرافيا والصراع. هبوط الإيرادات ليس خسارة ظرفية، بل كشفٌ لخللٍ بنيوي في مفهوم الأمن الاقتصادي: ريعية بلا تحوّط، وفائض بلا تحويل إلى بنى حامية.
داخليًا، يتوزع الحقل السياسي بين تصورين: دولة تحت سقف الفواعل المسلحة، ودولة أقوى بلا صدام شامل. الأول يثبّت ازدواجية السلطة، والثاني يطمح إلى تقليصها دون القدرة على كسرها. بينهما يتحدد شكل الحكومة: مهادنة تفقد الثقة الخارجية، أو محاولة ضبطٍ قد تُستنزف داخليًا. أما حقل الأطراف، فيواصل تنافسه البنيوي حول تمثيل الأقاليم ووزنها التفاوضي؛ انتخاب الرئيس فتح نافذة، لكنه لم ينهِ معادلة التوازن. وفي المقابل، يتحرك حقل المراكز المتعددة بين زعامات متباينة، باحثًا عن كتلة تفاوضية أكثر تماسكًا، ومدفوعًا بهاجس الانكشاف إذا انزلقت البلاد إلى صراع أوسع.
في المقابل، أعادت واشنطن تعريف الملف العراقي من “شراكة مُدارة” إلى منع انزلاق ومنع تمكين. ليس المقصود إسقاط العراق، بل إعادة هندسة سلوكه: رفع كلفة بقاء السلاح المنفلت داخل المعادلة الرسمية، وتقييد هوامش الحكومة التي تسمح بتوظيف الجغرافيا ضد المصالح الأميركية والخليجية. أدوات ذلك ليست بالضرورة صادمة فورًا، بل تراكمية: تقييد التعاون، إبطاء التدفقات، تعقيد الوصول إلى المنظومات المالية، وصناعة بيئة إقليمية أقل تساهلًا. الهدف: دفع النخب إلى تعديل الحسابات دون تفجير الكيان.
بهذا المعنى، تتعدد تعريفات “الاستقرار”: طهران تريده بما يحفظ نفوذها البنيوي؛ واشنطن تريده بما يمنع استخدام العراق ضدها؛ الخليج يريده بما يوقف التهديد العابر ويفتح الشراكة؛ والقوى الداخلية تريده بما يصون حصصها. تعارض التعريفات هو جوهر الأزمة، لا غياب الرغبة المجرّدة بالاستقرار.
استشرافيًا، تتبدى ثلاثة مسارات:
(1) تسوية اضطرارية بغطاء هش: رئيس وزراء توافقي نسبيًا، يخفّف الضغط ويؤجل الانفجار؛ نجاح إداري بلا تحول بنيوي.
(2) إعادة إنتاج معادلة تقليدية تحت ضغط خارجي: احتكاك أعلى، ثقة أقل، تآكل تدريجي في الموارد والشرعية الدولية.
(3) انسداد متفجر: فشل التوافق أو انهيار الهدنة، انتقال العراق إلى منصة اشتباك أوسع، وتعطل مؤسساتي مع مخاطر أمنية متعددة.
ويظل مسار رابع، أبطأ وأصعب، هو التحول التراكمي نحو دولة وظيفية سيادية: تقليص قدرة الفعل المسلح خارج الدولة، ضبط استخدام الأرض، بناء منافذ اقتصادية بديلة، وفصل الشرعية الانتخابية عن الحماية المسلحة. ليس صدامًا شاملًا، بل إعادة ترسيم تدريجية لحدود السلطة.
في العمق، يعيش العراق منطقة رمادية بين الدولة واللادولة: دستور بلا حسم، مؤسسات بلا احتكار كامل للعنف، انتخابات بلا استقرار نهائي، وثروة بلا استقلال اقتصادي. هذه الرمادية هي منفذ النفوذ الخارجي. لذلك، فإن أي ورقة عمل جادة لا تُبنى على ثنائية “مع/ضد”، بل على مشروع تقاطع مصالح: استقرار عراقي سيادي، أمن خليجي غير مهدَّد، وتوازن دولي يحدّ من فوضى السلاح.
الخلاصة: لم يعد السؤال “من يحكم؟” بل “بأي منطق تُمارَس السلطة؟”. ما لم يُفك الارتباط بين قداسة الحكم ووظيفة الدولة، سيبقى العراق يدور بين هدنة وأزمة. الانتقال المطلوب هو من لاهوت السلطة إلى عقل الدولة: من تعدد السقوف إلى وحدة القرار، ومن جغرافيا الاستخدام إلى سيادة الموقع. دون ذلك، ستظل التخوم مفتوحة للوكلاء، وتظل السيادة مؤجّلة.