كتابات عن يوم غدير خم وتنصيب الامام علي عليه السلام (ح 33)

د. فاضل حسن شريف

قوله تعالى “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ” (المائدة 3) يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره لهذه الآية المباركة: واليأس يقابل الرجاء، والدين إنما نزل من عند الله تدريجا يدل على أن الكفار قد كان لهم مطمع في دين المسلمين وهو الإسلام، وكانوا يرجون زواله بنحو منذ عهد وزمان، وإن أمرهم ذلك كان يهدد الإسلام حينا بعد حين، وكان الدين منهم على خطر يوما بعد يوم، وإن ذلك كان من حقه أن يحذر منه ويخشاه المؤمنون. فقوله: “فَلا تَخْشَوْهُمْ” (المائدة 3)، تأمين منه سبحانه للمؤمنين مما كانوا منه على خطر، ومن تسر به على خشية، قال تعالى: « وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ” (آل عمران 69)، وقال تعالى: “وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (البقرة 109). والكفار لم يكونوا يتربصون الدوائر بالمسلمين إلا لدينهم، ولم يكن يضيق صدورهم وينصدع قلوبهم إلا من جهة أن الدين كان يذهب بسؤددهم وشرفهم واسترسالهم في اقتراف كل ما تهواه طباعهم، وتألفه وتعتاد به نفوسهم، ويختم على تمتعهم بكل ما يشتهون بلا قيد وشرط. فقد كان الدين هو المبغوض عندهم دون أهل الدين إلا من جهة دينهم الحق فلم يكن في قصدهم إبادة المسلمين وإفناء جمعهم بل إطفاء نور الله وتحكيم أركان الشرك المتزلزلة المضطربة به، ورد المؤمنين كفارا كما مر في قوله: “لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً” (البقرة 109) (الآية) قال تعالى: “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ” (الصف 9). وقال تعالى: “فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ” (غافر 14). ولذلك لم يكن لهم هم إلا أن يقطعوا هذه الشجرة الطيبة من أصلها، ويهدموا هذا البنيان الرفيع من أسه بتفتين المؤمنين وتسرية النفاق في جماعتهم وبث الشبه والخرافات بينهم لإفساد دينهم. وقد كانوا يأخذون بادئ الأمر يفترون عزيمة النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ويستمحقون همته في الدعوة الدينية بالمال والجاه، كما يشير إليه قوله تعالى: “وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ” (ص 6) أو بمخالطة أو مداهنة، كما يشير إليه قوله: “وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ” (القلم 9)، وقوله: “وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً” (الاسراء 74)، وقوله: “قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ” (الكافرون 3) على ما ورد في أسباب النزول. وكان آخر ما يرجونه في زوال الدين، وموت الدعوة المحقة، أنه سيموت بموت هذا القائم بأمره ولا عقب له، فإنهم كانوا يرون أنه ملك في صورة النبوة، وسلطنة في لباس الدعوة والرسالة، فلو مات أو قتل لانقطع أثره ومات ذكره وذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين والجبابرة أنهم مهما بلغ أمرهم من التعالي والتجبر وركوب رقاب الناس فإن ذكرهم يموت بموتهم، وسننهم وقوانينهم الحاكمة بين الناس وعليهم تدفن معهم في قبورهم، يشير إلى رجائهم هذا قوله تعالى: “إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ” (الكوثر 3) على ما ورد في أسباب النزول. فقد كان هذه وأمثالها أماني تمكن الرجاء من نفوسهم، وتطمعهم في إطفاء نور الدين، وتزين لأوهامهم أن هذه الدعوة الطاهرة ليست إلا أحدوثة ستكذبه المقادير ويقضي عليها ويعفو أثرها مرور الأيام والليالي، لكن ظهور الإسلام تدريجا على كل ما نازله من دين وأهله، وانتشار صيته، واعتلاء كلمته بالشوكة والقوة قضى على هذه الأماني فيئسوا من إفساد عزيمة النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله، وإيقاف همته عند بعض ما كان يريده، وتطميعه بمال أو جاه. قوة الإسلام وشوكته أيأستهم من جميع تلك الأسباب أسباب: ـ الرجاء ـ إلا واحدا، وهو أنه صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله مقطوع العقب لا ولد له تخلفه في أمره، ويقوم على ما قام عليه من الدعوة الدينية فسيموت دينه بموته، وذلك أن من البديهي أن كمال الدين من جهة أحكامه ومعارفه ـ وإن بلغ ما بلغ ـ لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه، وأن سنة من السنن المحدثة والأديان المتبعة لا تبقى على نضارتها وصفائها لا بنفسها ولا بانتشار صيتها ولا بكثرة المنتحلين بها، كما أنها لا تنمحي ولا تنطمس بقهر أو جبر أو تهديد أو فتنة أو عذاب أو غير ذلك إلا بموت حملتها وحفظتها والقائمين بتدبير أمرها.

عن الامام محمد الباقر عليه السلام فخشى رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرقوا ويرجعوا إلى جاهلية لما عرف من عداوتهم ولما ينطوي عليه أنفسهم لعلي من العداوة والبغضاء وسأل جبرئيل أن يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة من الناس عن الله جل اسمه، فأخر ذلك إلى أن بلغ مسجد الخيف، فأتاه جبرئيل عليه السلام في مسجد الخيف فأمره بأن يعهد عهده ويقيم عليا علما للناس يهتدون به، ولم يأته بالعصمة من الله جل جلاله بالذي أراد حتى بلغ كراع الغميم بين مكة والمدينة، فأتاه جبرئيل وأمره بالذي أتاه فيه من قبل الله ولم يأته بالعصمة، فقال: جبرئيل إني أخشى قومي أن يكذبوني ولا يقبلوا قولي في علي عليه السلام فسأل جبرئيل كما سأل بنزول آية العصمة فأخره ذلك فرحل فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرئيل عليه السلام على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك”يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” (المائدة: 67) وكان أوائلهم قريب من الجحفة، فأمر بأن يرد من تقدم منهم ويحبس تأخر عنهم في ذلك المكان ليقيم عليا علماء للناس ويبلغهم ما أنزل الله تعالى في علي وأخبره بأن الله عز وجل قد عصمه من الناس، فأمر رسول الله عندما جاءته العصمة مناديا ينادي في الناس بالصلاة جامعة ويرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر وتنحى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير أمره بذلك جبرئيل عن الله عز وجل، وكان في الموضع سلمان فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقم ما تحتهن وينصب له حجارة كهيئة المنبر ليشرف على الناس، فتراجع الناس واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فوق تلك الأحجار.

في هذا اليوم 18 ذي الحجة انتصر موسى عليه السلام على السحرة الذي وصفه القرآن بيوم الزينة “قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى” (طه 59). وفصلت هذه الحادثة في سورة الاعراف الايات 104-120 منها”وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ” وهي احدى انتصارات موسى عليه السلام على فرعون. واستخلف في هذا اليوم سليمان عليه السلام اصف بن برخيا. والاستخلاف شريعة الانبياء كما جاء في سورة النور 55″وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ”. وفي مثل هذا اليوم اخى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين اصحابه فآخى بين نفسه وبين علي بن ابي طالب وآخى بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وآخى بين ابا بكر وعمر وغيرهم قبل الهجرة. وبعد الهجرة آخى بين المهاجرين والانصار كما جاء في سورة الحجرات اية 10″إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة “. وتأكدت المؤاخاة في يوم الغدير لذلك يعتبر هذا اليوم يوم الاخوة والمؤخاة. وجعل الله تعالى في هذا اليوم النار بردا وسلاما على ابراهيم عليه السلام كما جاء في سورة الانبياء اية 69″قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ” وهو انتصار ابراهيم عليه السلام على النمرود. واوصى عيسى عليه السلام في هذا اليوم ان يكون شمعون الصفا وصيا له، وقيل ان شمعون ويسمى سمعان او بطرس هو احد اجداد الامام المهدي لامه. وهكذا موسى عليه السلام اوصى يوشع بن نون كما جاء عن الطبراني عن سلمان عن النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم وقال بعدها: فان وصيي وموضع سري وخير من اترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن ابي طالب. وكما قال في خطبة يوم الغدير امام اكثر من مائة الف حاج من بقاع العالم انذاك (اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره) ونزلت الاية المباركة 3 من سورة المائدة ” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”. وقبلها نزلت اية التبليغ 67 من سورة المائدة “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ”، واية الولاية 55 من سورة المائدة “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ”. عن الإمام الرضا عليه السلام قال: (إذا كان يوم القيامة زفت أربعة أيام إلى الله كما تزف العروس إلى خدرها, قيل: ما هذه الأيام؟ قال: يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة ويوم الغدير، وإن يوم الغدير بين الأضحى والفطر والجمعة كالقمر بين الكواكب).

من صحابيي الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم الذين استشهدوا مع الحسين في واقعة الطف أنس بن كاهل الاسدي الذي شهد بدرا وحنينا وكربلاء، ومن الذين شهدوا يوم الغدير عبد الرحمن بن ربه الخزرجي وكان يردد من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وحبيب بن مظاهر الاسدي الذي خدم الرسول وأمير المؤمنين، بالاضافة الى الصحابيان مسلم بن عوسجة الاسدي وكنانة بن عتيق الثعلبي. اما الحرث بن نبهان فهو مولى حمزة بن عبد المطلب.

يوم 18 ذي الحجة اخى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بين أصحابه فآخى بين نفسه وبين علي بن ابي طالب وآخى بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وآخى بين ابا بكر وعمر وغيرهم قبل الهجرة. وبعد الهجرة آخى بين المهاجرين والانصار كما جاء في سورة الحجرات اية 10″إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة “. وتأكدت المؤاخاة في يوم الغدير لذلك يعتبر هذا اليوم يوم الاخوة والمؤاخاة. عن الطبراني عن سلمان عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال بعدها: فان وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن ابي طالب. وكما قال في خطبة يوم الغدير امام اكثر من مائة ألف حاج من بقاع العالم آنذاك (اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره) ونزلت الآية المباركة 3 من سورة المائدة ” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”. وقبلها نزلت آية التبليغ 67 من سورة المائدة “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ”، وآية الولاية 55 من سورة المائدة “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ”.

جاء في كتاب رحاب العقيدة للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: نزول آية إكمال الدين في واقعة الغدير: نزول قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” (المائدة 3) في غدير خمّ بعد التبليغ بولاية أمير المؤمنين عليه السلام. وقد ذهب إلى ذلك الشيعة الإمامية ورووه هم وغيرهم عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم. وروي أيضاً عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، ومجاهد. وقد أطال الشيخ الأميني في ذكر من تعرض لذلك من محدثي السنة ومفسريهم. ومن ذلك ما حكاه عن أبي نعيم الأصفهاني في كتابه (ما نزل من القرآن في علي) من أنه روى بسنده عن أبي سعيد الخدري: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الناس إلى عليّ في غدير خم، أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقمّ، وذلك يوم الخميس. فدعا علياً فأخذ بضبعيه، فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وبالولاية لعلي عليه السلام من بعدي، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقال حسان: ائذن لي يا رسول لله أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن. فقال: قل على بركة الله. فقام حسان فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية). ويأتي حديث أبي هريرة أيضاً في ذلك عند الكلام في صوم يوم الغدير. لكن قال ابن كثير: (وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم حين قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني مرجعه عليه السلام من حجة الوداع. ولا يصح لا هذا ولا هذ، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة. روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية ابن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب رضي الله عنه. وقال السيوطي: (وأخرج ابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً يوم غدير خم، فنادى له بالولاية هبط جبرئيل عليه بهذه الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3). وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم، وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3)). وقد عقب الشيخ الأميني عليه السلام على ما ذكراه، وردّ عليهم. وحاول إثبات صحة الحديث على مقاييس جمهور السنة. كما أنه يأتي عند الكلام في صوم يوم الغدير من الخطيب البغدادي ما قد يظهر منه الميل لقوة حديث أبي هريرة. ولا يسعنا التعرض لذلك، لأنا لسنا بصدد الاحتجاج، بل بصدد الاستعراض للمهمّ مما يذكر في المقام، من أجل بيان أن السنة قد ذكروا واقعة الغدير ورووه.

وحول عليٌّ في حجة الوداع وبيعة الغدير يقول مؤلف كتاب الامام علي عليه السلام سيرته وقيادته في ضوء المنهج التحليلي: علي يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، و (عليٌّ أقضاكم) و (أنا مدينة العلم وعلي بابها) و (علي مع الحق والحق مع علي) و (اللهم أدر الحق معه حيثما دار) سمعنا كل هذا غيضاً من فيض إطراء النبي له وثنائه عليه، ونموذجاً من نماذج إعداده إعداداً رسالياً خاصاً، وشاهدنا إلى جنب ذلك كلّه ملازمته للنبي ملازمة الظل للشاخص، واختصاصه به على انفراد في أغلب لياليه وأيامه، وتفرده بمناجاته وحده في شتى الظروف، واتحاد المنزل ما بين الديار، ولمسنا صلة الرحم الشديدة بين الرجلين، وأواصر القرب ما بينهما، لا يكاد يفترق أجدهما عن الآخر، ولا يملّ أحدهما حديث الآخر،حتى كان علي منه وهو من علي لم يكن كل هذا امراً اعتباطياً، ولا مناخاً اعتيادياً، وإنما للأمر ما بعده عند النبي. حتى إذا كانت حجة الوداع، وإذا بالوحي يفجأ النبي”يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” (المائدة 67). ونزلت سورة النصر”إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)” (النصر 1-3) فسماها المسلمون سورة التوديع. وتنتهي حجة الوداع، ويتجه النبي نحو المدينة حتى يصل إلى غدير خم في قيظ لافح، وحرارة محرقة، وهجير ملتهب، فيتوقف الركب النبوي في المنطقة التي سيفترق فيها الحاج، ويتجه كلٌّ إلى قصده، ثم نادى بأعلى صوته: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا اللهم بلى. فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي علي عليه‌ السلام فرفعهما حتى بان بياض أبطيهما (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله). وحينما صدع النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم بهذا الأمر في استخلاف علي عليه‌ السلام نزلت الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا” (المائدة 3)