رياض سعد
مقدمة: في تأويل الطغيان بوصفه اغتراباً عن الهوية ؛ وسقوط النظام بوصفه حدثاً وجودياً
لا يمكن اختزال سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003 في كونه مجرد حدث عسكري أو تحول جيوسياسي فحسب؛ بل هو لحظة فارقة في المخيال الجمعي العراقي , وذو دلالة تاريخية مهمة في وجدان الاغلبية والامة العراقية … ؛ اذ يمثل سقوط قناع دولةٍ أُسست على مبدأ الإقصاء الممنهج والطائفية والعنصرية والمناطقية والعداء المستحكم للهوية الوطنية الأصيلة والاغلبية العراقية .
إن التحليل العميق لهذه الحقبة يكشف أن نظام صدام لم يكن تعبيراً عضوياً عن حالة وطنية عراقية متجذرة، بل كان شذوذاً محلياً، و كياناً طفيلياً و”مشروعاً غريباً” صُمم ونُفذ لإذلال أبناء الأغلبية والامة العراقية ونهب وتخريب ثرواتهم ومعاقبتهم على مقاومتهم التاريخية ضد المحتل البريطاني .
لقد مثّل سقوط النظام البعثي الصدامي الاجرامي الهجين في التاسع من نيسان 2003 نهاية حقبة دموية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، حكم خلالها حزب البعث بقيادة المجرم صدام البلاد بقبضة من حديد… ؛ بل نهاية لدولة هجينة طائفية فاشلة انشئت على يد الانكليز الخبثاء عام 1920 وسقطت عام 2003 على يد الامريكان … ؛ وكما سنرى في هذا التحليل، فإن صعود هذا النظام وسقوطه لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الاستعماري والماسوني والصهيوني الذي أنتج الدولة العراقية الحديثة، ولا بمعزل عن طبيعة النظام ذاته بوصفه أداة عقاب جماعي للشعب العراقي .
وهذا التحليل يسعى إلى تفكيك هذه البنية من منظور سياسي واجتماعي، متخذاً من العبارة المحورية “ألف مفخخة ولا صدام واحد” مفتاحاً لفهم الحسابات الوجودية والثقافية والدينية والفكرية والاجتماعية والنفسية للشعب العراقي .
بين زياد وصدام – أنساق الطغيان الهجين في التاريخ السياسي العراقي
تؤكد الشواهد التاريخية أن بلاد الرافدين عانت طويلاً من طغاة ارتبطت أسماؤهم بالدم والتنكيل والظلم والجور ، غير أن ثمة فارقاً نوعياً يميز بين طغيان “محلي” يمارس القهر في إطار صراع على السلطة، وطغيان “مستورد” يمارس الإبادة نيابة عن عدو خارجي.
ولو اجرينا مقارنة بين ابشع واسوء حكام حكموا العراق , ومنذ العهد الاسلامي الاول ؛ لتصدرت قائمة الاسماء التالية , المشهد السياسي : (زياد بن أبيه، الحجاج الثقفي، مصعب بن الزبير وغيرهم ) ولو وضعنا هؤلاء الطغاة في كفة، والسفاح صدام في الكفة الأخرى لكانت كفته “راجحة”… ؛ و هذا الترجيح ليس تقييماً كمياً لعدد القتلى فقط، بل تقييم كيفي لطبيعة المشروع السياسي الارهابي والاجرامي .
شخصية “زياد بن أبيه” بوصفها “لقيطاً غريبا ” استُخدم لضرب البنى القبلية العربية المعارضة والتجمعات العشائرية الأصيلة الشيعية في العراق ، وشخصية “الحجاج” بوصفه “غريباً” لا تربطه بالأرض رابطة سوى السيف والسوط …؛ وكذلك السفاح الغريب مصعب بن الزبير … ؛ تتكرر بامتياز في ظاهرة اللقيط الهجين مجهول الاصل والهوية صدام .
لقد كان صدام اللقيط ، بصفته “ابن صبحة” و”دوحي” كما كان يلقبه شقاوات بغداد، رمزاً للشخصية التي تمت هندستها لتكون عديمة الانتماء العضوي للنسيج الوطني وحاقدة على كل ما يمت للعراق والهوية الوطنية والاغلبية والامة العراقية بصلة .
إنه تجسيد لـ”عصارة عمل وتخطيط المخابرات والسفارات الأجنبية”، كما تشير الوثائق والاحداث … ؛ وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى: بينما كان أبناء العراق الأصيلون يُساقون إلى حروب العبث ومحارق معارك الوكالة … ؛ كان الغرباء والدخلاء والعملاء يديرون دفة الدولة العراقية …!!
المشروع البريطاني الماسوني-الإمبريالي ومنطق العقاب الجماعي للأمة العراقية*
كان الشعب العراقي الكريم ، ومنذ القدم، محاطًا بالأعداء، وفي بدايات القرن العشرين أضيف إلى قائمة أعدائه خصومٌ جدد، أكثر مكرًا وأشدّ بطشًا، وهم الإنجليز والقوى الغربية الأخرى والصهاينة وغيرهم … .
فبعد المعارك الضارية التي خاضها العراقيون ضدّ الإنجليز تحت راية الدولة العثمانية، وبعد اندلاع ثورة العشرين الشعبية التي كبّدتهم خسائر كبيرة في الأرواح والأموال والمعدات … ؛ أُهين التاج البريطاني في العراق، وانكسرت هيبة الجيش البريطاني، مما أورث في نفوسهم حقدًا دفينًا لا تزال آثاره ممتدة إلى اليوم .
لقد أضمر الإنجليز الشرّ، ومكروا بالعراقيين بحجّة تحقيق السيادة الوطنية، فجاؤوا بنخبٍ هجينة غريبة موالية، وسلّموا مقاليد الحكم لها ضمن شروطٍ أدّت إلى تهميش فئات واسعة من الشعب، وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة .
نعم , كان العراق ولا يزال ، وعبر تاريخه الحديث، ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية والصراعات الاقليمية … ؛ فبعد الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار الدولة العثمانية، دخلت القوات البريطانية إلى العراق … ؛ وواجهت مقاومة شرسة من جماهير الاغلبية العراقية تُوجت بثورة العشرين، والتي كبّدت البريطانيين خسائر كبيرة،وكسرت شوكة الجيش الذي كان يوصف بأنه لا يُقهر … ؛ وأظهرت إرادة وطنية رافضة للاحتلال… ؛ غير أن هذه الثورة، رغم أهميتها، لم تُنهِ النفوذ البريطاني، بل دفعت به إلى إعادة تشكيل أدواته، عبر إنشاء نظام سياسي جديد يعتمد على نخب هجينة وغريبة وعميلة ومرتبطة بالمصالح الاستعمارية … كما اسلفنا .
وتوعد احد الساسة الانكليز العراق والعراقيين بعد اندلاع ثورة العشرين الشعبية ؛ قائلا : (( يجب أن تذهب ثروات هذا البلد هدراً مع نهري دجلة والفرات إلى الماء المالح في الخليج )) كما لابد لنا من الربط بين حدثين مفصليين: ثورة العشرين وانعقاد المحفل الماسوني عام 1920… ؛ فقد اجتمع المحفل الماسوني عام 1920 وناقش ثلاث قضايا هي: قضية الأرمن وأرمينيا، وفلسطين واليهود، والعراق… ؛ وأما فيما يخص العراق، فقد خرج المجتمعون بقرار مفاده: “الشعب العراقي شعب شغب مشاغب ينبغي أن يؤدب”.
ووفقاً لهذا المنظور التحليلي، لم تغفر الإمبراطورية البريطانية إهانة كسر هيبة تاجها في العراق , بل أضمرت حقداً دفيناً لا مثيل له تجاه الأمة والأغلبية العراقية، لا تزال آثاره بادية إلى اليوم، فجاء الرد استراتيجياً طويل المدى وليس عسكرياً انيا وسياسيا مؤقتا فحسب… ؛ اذ تمثلت الاستراتيجية في تطبيق توصية “تأديب الشعب المشاغب” عبر ركيزتين أساسيتين:
1-إعدام الهوية الاقتصادية:
تجسيداً للوعيد البريطاني الشهير: “يجب أن تذهب ثروات هذا البلد هدراً مع نهري دجلة والفرات إلى الماء المالح في الخليج”… ؛ وهذا ما نراه بأم العين في حروب العبث الصدامية، والحصار الاقتصادي، وسرقة النفط، واستنزاف المقدرات في مشاريع لا تخدم سوى العملاء والاعداء .
2-إحلال نظام الوكالة:
حيث عمل البريطانيون على تسليم مفاصل الدولة والحكم والنفوذ لفئة “هجينة” و”شذاذ آفاق” من بقايا العثمنة والعجم ورعايا التاج البريطاني من الغرباء والدخلاء والعملاء، وكان شرط بقائهم في السلطة هو استمرارهم في إقصاء وتهميش أبناء الأغلبية العراقية الأصيلة والإساءة إلى الهوية الوطنية العريقة ومحاربة الاصوات العراقية الحرة .
وكل الاحداث والوقائع التاريخية والسياسية وكل الاجراءات الحكومية الغاشمة في العراق ؛ تؤكد وبما لا يدع مجالا للشك ؛ أن هؤلاء الاعداء الخبثاء لم ينكثوا بما قالوه , ولم يخلفوا ما توعدوا به العراق والاغلبية والامة العراقية … ؛ فقد تم تأديب ومعاقبة وتعذيب الشعب العراقي بشتى صنوف العذاب والهوان والتنكيل والاقصاء والتهميش ، وبلغ هذا التأديب ذروته على يد (ربيب الماسونية وعميل الصهيونية والخادم المطيع للمخابرات الأمريكية المدعو صدام ابن صبحة ) … .
ولا تزال هاتان الركيزتان المنكوستان تعملان في الشأن العراقي؛ فقد أكّد هؤلاء الأعداء على ضرورة نهب الثروات الوطنية وتبذيرها، وتخريب الممتلكات العامة بين الحين والآخر، وبشتى الذرائع، وممارسة سياسات الإفقار والتجويع بحق أبناء الأغلبية والأمة العراقية… ؛ كما أنهم لم يهملوا الركيزة الثانية، ألا وهي إيكال شؤون الحكم وقيادة العراق إلى الغرباء والدخلاء والأجانب، والعوائل ذات الجذور غير العراقية، والعملاء المرتبطين بالخارج، الذين لا علاقة لهم بالداخل العراقي؛ مما أسفر عن كل تلك النتائج السلبية والكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
ومنذ ذلك التاريخ – ومنذ عام 1920 وحتى عام 2003 – ؛ دخل العراق في سلسلة من الأزمات المتلاحقة والاضطرابات المستمرة : انقلابات عسكرية، وصراعات على السلطة، وحروب داخلية وخارجية… ؛ وانتفاضات وثورات , وانتكاسات ومجازر وجرائم وانتهاكات لحقوق الانسان … ؛ وتخلف وفقر وحرمان وانعدام للخدمات والبنى التحتية … ؛ ولم يتمكن من تحقيق استقرار سياسي أو تنمية اقتصادية متوازنة، رغم ما يمتلكه من ثروات طبيعية هائلة… ؛ بل على العكس، ظل يعاني من الفقر والحرمان والعوز والظلم ، وتكرّست فيه أنماط الحكم السلطوي والدكتاتوري والطائفي المقيت … ؛ حتى أصبح الجوع والحرمان رفيقين دائمين، وصارت السجون والاعتقالات والتعذيب والإعدام جزءًا من الواقع اليومي …!!
نعم , منذ تلك اللحظة المشؤومة وثروات العراق وخيرات العراقيين الاصلاء تُستنزف وتُهدر وتنهب وتسرق ؛ بشتى الذرائع والحجج ، مرة بسبب الحروب وعسكرة المجتمع , واخرى بسبب الاوضاع الامنية والاضطرابات الداخلية وتأسيس الاجهزة الامنية القمعية والصرف عليها وبناء السجون والمعتقلات واستيراد اجهزة التعذيب … ؛ وتارةً تُنسب إلى الفساد، وتارةً إلى تقديم المساعدات الخارجية للشعوب العربية وغيرها ، وأخرى إلى الحصار والعقوبات، فضلًا عن أعباء الديون والتعويضات، وهو ما جعل البلاد، رغم غناها، تعيش أزماتٍ متلاحقة …!!
المخابرات الامريكية والبريطانية ومجيء حزب البعث *
لقد كان نظام البعث الصدامي هو الذروة التطبيقية لهذا المخطط الشيطاني العدواني الحاقد … ؛ ففي عهده “تحول العراق إلى مصنع للموت الزؤام…؛ وصار سجناً كبيراً محاطاً بأسوار عالية”… ؛ والأهم من ذلك، هو قلب المعادلة الوطنية رأساً على عقب: اذ تحول العراقي الأصيل إلى غريب في وطنه، يموت جوعاً ومرضاً وفي جحيم الحروب بالنيابة، بينما تحول الغريب والدخيل – (مصري، أردني، فلسطيني، صومالي، سوداني … الخ ) – إلى سيد يغترف بمغرفة كبيرة من “جدر او قدر العراق الكبير ” وقت ما يشاء وبقدر ما يشاء، كما صرحت بذلك إحدى الاردنيات المنكوسات البعثيات الصداميات وهي تؤبن نظام صدام عند سقوطه …!!
انتظر حزب البعث الفرص السياسية في محطات الانتظار البريطانية وفي المقاعد المخصصة للخونة والعملاء ؛ حتى جاء القطار الامريكي وركبوا فيه , وسار بهم نحو مقاليد الحكم في بغداد عام 1968 … ؛ عندها تحول العراق إلى دولةٍ مغلقة،لقد أصبح العراق، في تلك الحقبة، أشبه بدولة مغلقة، حيث انتشرت السجون والمعتقلات، وتعرض آلاف المعارضين للاعتقال والتعذيب والإعدام… ؛ وتشير تقارير منظمات دولية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان خلال تلك الفترة، بما في ذلك حملات الإبادة الجماعية ضد بعض المكونات، واستخدام القوة المفرطة ضد الانتفاضات الشعبية … ؛كما شهدت تلك المرحلة حروبًا مدمّرة، أودت بحياة أعدادٍ كبيرة من العراقيين , مثل الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الكويت، وما تبعهما من انتفاضة شعبية كبرى وابادات جماعية وحملات تطهير عرقي وطائفي و من حصار اقتصادي خانق … ؛فقد تركت تلك السياسات الجائرة آثارًا عميقة، حيث فقدت أعداد كبيرة من العائلات أبناءها في الحروب أو السجون , وانتشرت حالات الترمل واليتم، حتى لم يخلُ بيت عراقي من فقدٍ أو مصيبة … ؛ وشاعت مظاهر الفقر والحرمان، وتراجعت البنية التعليمية والصحية بشكل ملحوظ، خاصة خلال سنوات الحصار في التسعينيات من القرن المنصرم .
وفي الوقت الذي كان فيه العراقي يُساق إلى جبهات القتال، أو يُزجّ به في السجون، كانت موارد الدولة تُدار بطريقة غير عادلة، حيث تُمنح فيها الامتيازات للقتلة والجلادين والمجرمين وفق الولاء السياسي ؛ و للاجانب والغرباء الذين كان يغدق عليهم النظام الصدامي ويكرمهم كرما حاتميا منقطع النظير … ؛ نعم , كان العراقي يقتل في حروب النيابة الخاسرة , ويذبح بسكين الغدر في غرف التعذيب , ويساق الى مقاصل الاعدامات , ويدفن في المقابر الجماعية ؛ بينما كان الغريب الفلسطيني يحقق مع العراقي الوطني في الاجهزة الامنية القمعية , والعامل المصري ينهب ثروات العراق نهبا , ويعتدي على العراقيين بسبب الحصانة التي حصل عليها من رأس نظام السمسرة والقوادة البعثية صدام بن صبحة , و صار الاردني ومن لف لفه من سقط المتاع وحثالة المجتمعات الناطقة بالعربية يتحرش بالعراقية التي تسير في شوارع بغداد الفارغة من الشباب والعراقيين الاصلاء والمكتضة بالاجانب والهنود والمصريين والاردنيين والفلسطنيين والصوماليين والسودانيين والافارقة والاسيويين … الخ .
وفي ظل هذه الظروف، أصبح المجتمع العراقي مثقلًا بالخسائر: ملايين الضحايا بين قتيل وجريح ومفقود، وأسر مفككة، وواقع اجتماعي واقتصادي متدهور… ؛ ولم يكن السجن أو الاعتقال أو الخوف من أجهزة الأمن أمرًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية .
نعم , قد خلّفت الحروب والسجون والاعدامات والمقابر الجماعية والاعتقالات والمطارادت والملاحقات الأمنية فراغًا إنسانيًا كبيرًا داخل المجتمع… ؛ آلاف العائلات فقدت معيلها، وانتشرت ظواهر الترمل واليُتم، وتراجع الاستقرار الأسري… ؛ و في مثل هذه الظروف، تتفكك البنى الاجتماعية التقليدية، وتظهر أنماط استغلال متعددة، بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي، وهو ما تشير إليه دراسات علم الاجتماع في المجتمعات التي تعيش تحت ضغط الحروب الطويلة والعقوبات والحصار والازمات والانتكاسات .
كما أن الانغلاق السياسي والإعلامي في تلك المرحلة حال دون وجود رقابة حقيقية على ممارسات السلطة أو شبكاتها، ما سمح بانتشار الفساد وسوء استخدام الموارد دون مساءلة… ؛ وقد انعكس ذلك في فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع: دولة تملك الثروة والقرار، ومجتمع يتحمّل الكلفة البشرية والاقتصادية .
*صدام بن صبحة: صنيعة المخابرات الدولية
تشير الدلائل والشهادات الى حقيقة جوهرية كثيراً ما يتم التغاضي عنها، وهي أن المجرم صدام بن صبحة لم يكن ظاهرة سياسية عراقية أصيلة، بل كان يمثل “عصارة عمل وتخطيط المخابرات والسفارات الأجنبية الحاقدة”، فقد تم إعداده للشعب العراقي خصيصاً، وتم تزويده بكافة مقومات القمع والعذاب والنفوذ والسيطرة… ؛ وتؤكد الوثائق والشهادات التاريخية أن صدام كان على اتصال بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) منذ أوائل الستينات، عندما كان مقيماً في القاهرة، حيث تلقى دعماً مالياً وتدريبياً .
لقد عملت أكثر من أربعة أجهزة مخابرات دولية كبرى مع نظامه من أجل بسط نفوذه على العراق والقضاء على كل صوت وطني معارض… ؛ وكانت أجهزة الأمن القمعية لبعض الدول العربية والاوربية وغيرها تدعم زبانيته وجلاديه ، وترسل عناصر الأمن إلى دول خارجية لتلقي التدريب الكامل المتعلق بكيفية تعذيب العراقيين واستيراد واستخدام أحدث وأبشع أجهزة التعذيب… ؛ كما أن السجون والمعتقلات وغرف التعذيب في العراق كانت محط اهتمام وزيارة خبراء التعذيب والحلادين الأجانب …!!
نعم ؛ مع صعود المجرم صدام إلى سدة الحكم، تحولت الدولة إلى جهاز مركزي شديد القسوة، يعتمد على أجهزة أمنية معقدة، وشبكات مراقبة واسعة، وسياسات قمع ممنهجة… ؛ انعكست بشكل كارثي مروع على حياة العراقيين في الداخل والخارج .
حصاد الطغيان – ملايين الضحايا وبلد تحول إلى سجن كبير ***
*حرب الخليج الأولى: اكثر من مليون قتيل في ثماني سنوات
في 22 سبتمبر 1980، أقدم المجرم العميل صدام على قراره الكارثي بغزو إيران، لتبدأ بذلك واحدة من أطول الحروب وأكثرها دموية في القرن العشرين… ؛ فقد استمرت الحرب ثماني سنوات كاملة (1980-1988)، وخلفت نحو أكثر من مليون قتيل وجيوش جرارة من المعاقين والجرحى والاسرى والمفقودين … ؛ فضلا عن الضحايا المدنيين والذين يقدرون بعشرات الالاف … ,
أما اقتصادياً، فقد كلفت هذه الحرب مبلغ 600 مليار دولار أمريكي من الخزينة العراقية … .
لقد كانت هذه الحرب، التي أسماها النظام البعثي الصدامي الهجين “قادسية صدام”، أولى حلقات سلسلة الدم التي استنزفت طاقات العراق وأبناء شعبه، حيث سيق مئات الآلاف من الشباب العراقي إلى محارق الموت على الجبهات، بينما كان النظام يمعن في قمع الداخل وتكميم الأفواه .
*حملة الأنفال وجريمة حلبجة: إبادة جماعية موثقة
في عام 1988، أطلق النظام العراقي حملة الأنفال، وهي إحدى عمليات الإبادة الجماعية التي قام بها ضد الأكراد في إقليم كردستان شمالي العراق… ؛ وقد أوكلت قيادة الحملة إلى المجرم علي حسن المجيد، الذي كان يشغل منصب أمين سر مكتب الشمال لحزب البعث .
كانت ذروة هذه الحملة الوحشية في الهجوم الكيميائي على مدينة حلبجة في 16 مارس 1988… ؛ اذ يُعتبر هذا الهجوم أكبر هجوم بالأسلحة الكيماوية في التاريخ موجّه ضد منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، وقد أسفر عن مقتل ما بين 3200 و5000 شخص وإصابة 7000 إلى 10000 آخرين، معظمهم من المدنيين.
وقد اعتُبر هجوم حلبجة رسمياً من قبل المحكمة الجنائية العراقية العليا بأنه إبادة جماعية بحق الشعب الكردي في العراق في عهد المجرم صدام .
وتشير التقديرات إلى أن حملة الأنفال بأكملها أسفرت عن مقتل ما بين 50,000 و100,000 كردي على يد القوات العراقية… ؛ وقد أظهرت النتائج الأولية من الدراسات الاستقصائية للمنطقة المنكوبة زيادة في معدل الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في السنوات التي تلت الهجوم .
*الانتفاضة العراقية الخالدة 1991: قمع دموي وابادة جماعية وتجفيف للاهوار
بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية عام 1991، اندلعت الانتفاضة الشعبانية في جنوب العراق وشماله، حيث انتفض الشعب العراقي ضد نظام البعث… ؛ وكانت هذه الانتفاضة تعبيراً عن غضب متراكم عبر سنوات من القهر والاستبداد… ؛ لكن النظام البعثي، بقيادة صدام ، رد بقمع وحشي غير مسبوق … ؛ اذ قُتل في هذه الانتفاضة مئات الآلاف من العراقيين، حيث استهدف النظام البعثي المدنيين العزل بعمليات انتقام جماعية واسعة النطاق… .
وقد نزح ما يقرب من مليوني لاجئ، وتم تجفيف وتدمير أهوار العراق، وهي واحدة من أقدم الحضارات البيئية في العالم، في عملية إبادة بيئية وبشرية متعمدة …!!
لقد وثّقت التقارير الدولية كيف استخدمت قوات النظام الدبابات والطائرات والصواريخ والمدفعية الثقيلة لقصف المدن والمراقد الدينية، بما في ذلك قصف مرقدي الحسين والعباس في كربلاء …!!
الحصار الاقتصادي: موت بطيء لأطفال العراق*
بعد حرب الكويت في آب 1990، فُرض حصار اقتصادي شامل على العراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم 661… ؛ واستمر هذا الحصار الجائر ثلاثة عشر عاماً (1990-2003)، وكانت حصيلته كارثة إنسانية مروعة .
اذ تشير التقارير إلى وفاة 1.6 مليون عراقي بسبب الحصار، من بينهم 667,773 طفلاً دون الخامسة من العمر، بسبب النقص في الأدوية والغذاء… ؛ وقد تضاعفت نسبة وفيات الأطفال الرضع من 37 بالألف عام 1989 إلى 120 بالألف عام 1991… ؛ كما تشير تقديرات أخرى إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي في الفترة ما بين 1991 و1995 وحدهما، بمعدل 4000 طفل شهرياً …!!
المقابر الجماعية: شاهد صامت على الجرائم*
بعد سقوط النظام الاجرامي عام 2003، بدأ اكتشاف المقابر الجماعية في مختلف أنحاء العراق… ؛ اذ تضم هذه المقابر جثث ضحايا النزاعات المتعاقبة، بما في ذلك الإبادة الجماعية التي ارتكبها المجرم صدام ضد الأكراد والشيعة.
وقد اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك عمرو موسى أن اكتشاف هذه المقابر “يشكل دليل إدانة للنظام السابق برئاسة صدام .”
وفي عام 2011، تم الكشف عن مقبرة جماعية تحتوي على جثث 800 شخص يعتقد أنهم أعدموا خلال حكم صدام .
وقد شرعت الحكومة العراقية بعد عام 2003 بإقامة أكبر جلسات لمحاكمة كبار رموز حقبة المجرم السفاح صدام بشأن الجرائم التي اقترفت طوال فترة حكم حزب البعث .
لقد تحول العراق في عهد “السفاح الخسيس صدام” إلى “مصنع للموت الزؤام”، وأصبحت بلاد الرافدين سجناً كبيراً محاطاً بأسوار عالية لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها أو اكتشاف ما يدور بداخلها… ؛ اذ مات في عهده ملايين العراقيين، وأثكلت المرأة العراقية، فما من عراقية إلا وقد فقدت حبيبها أو زوجها أو أخاها أو أباها أو ابنها في حروب صدام ومعتقلاته، وما من بيت عراقي إلا وفيه نائحة ومصيبة … .
*سوسيولوجيا الجلاد والمجني عليه – لماذا بكى عليه الغرباء والاعداء ؟
لا نستطيع الفصل بين امرين ؛ بين حب صدام وبغض العراق , وعشق العراقيين الاصلاء وكراهية المجرم صدام ؛ كما لا نستطيع الفصل بين الشمس والضياء والليل والظلام ؛ اذ لا يجتمع حب العراق وحب صدام في قلب مواطن اصيل او إنسان شريف قط.
إن هذه الازدواجية تفضح طبيعة النظام بوصفه نظام “قوادة وسمسرة”، بمعنى أنه توسط في بيع الوطن وسيادته وكرامة نسائه لصالح الآخرين والاعداء … ؛ نعم , لقد كان نظام صدام “عبارة عن ملهى ليلي لكل الاجانب والغرباء والدخلاء والاعراب ، إنه نظام القوادة والعار والسمسرة، إنه نظام التبعية والذيالة والخيانة والعمالة”… ؛ ففي الوقت الذي كان يساق فيه العراقيون إلى معارك النار وجحيم الحروب الخاسرة وإلى مقاصل الإعدامات في المعتقلات، كان الأجانب والغرباء والدخلاء – كالمصريين والأردنيين والفلسطينيين والأفارقة والهنود والصوماليين والسودانيين – ينهبون ثروات العراق ويتمتعون بخيراته ويعتدون على نسائه… ؛ بل إن بعض هؤلاء كانوا يعملون مع أجهزة النظام البعثي الصدامي القمعية، حيث كانوا يحققون مع العراقيين الأصلاء ويسومونهم سوء العذاب، وكان أغلبهم جواسيس وعيوناً للنظام ضد الشعب العراقي …!!
لذلك، فإن البكائيات العربية التي سُمعت عقب سقوط صدام لم تكن بكاءً على فقدان قائد عربي شريف، بل كانت نواحاً على سقوط ” القدر والمغرفة ” التي كانت تدر عليهم خيرات بلاد الرافدين دون كلفة … ؛وهذا ما تؤكده شهادة احدى “المنكوسات الاعلاميات العربيات ” التي صرحت بها في احدى الفضائيات ؛ دون خجل ولا حياء وهي تؤبن سقوط النظام: العراق كان في عهد صدام قدر كبير، ولكل عربي فيه مغرفة… يغرف منه وقت ما يشاء وبقدر ما يشاء …!!
وهذا يفسر لماذا تحول أيتام النظام وجلاوزته، بالتحالف مع تيارات الجهاد العابر للحدود، إلى آلة قتل ممنهجة بعد 2003… ؛ إن الإرهاب الذي ضرب الأسواق والمساجد لم يكن يستهدف “الاحتلال” بقدر ما كان يستهدف “العراقيين الأصيلين” الذين تجرأوا على الحياة بعد موت الصنم.
إنها جريمة استمرار للعقاب البريطاني الماسوني والصهيوني ولكن بأدوات جديدة…. ؛ ولعل مشهد التفجيرات وجرائم قطع الاعناق والمفخخات والعمليات الانتحارية والصولات الارهابية ؛ هو المشهد التأسيسي لمعادلة ما بعد 2003… ؛ ففي هذا المشهد، تختلط الدماء الطاهرة وتتناثر اجساد الاطفال الطرية .
*ما بعد 2003 – الإرهاب بوصفه استمراراً للمشروع العقابي
لم يكتف أعداء العراق والأمة العراقية بتأبين صدام وإقامة مجالس العزاء على روحه الشريرة الهالكة، بل راحوا يشنون الهجمات الإرهابية والإعلامية ويألبون الرأي العام المحلي والعربي والإسلامي والدولي ضد العراق والعراقيين الأصلاء والتجربة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة .
إن الضحايا الذين سقطوا بعد عام 2003 – أو جلهم – إنما سقطوا على أيدي القتلة الذباحين والمجرمين من أيتام النظام البعثي وجلاوزة البعث والأجهزة الأمنية القمعية، وشذاذ الآفاق من الأجانب والغرباء والدخلاء الذين يعشقون صدام ونظامه ويحقدون على الأغلبية والأمة العراقية حقداً لا نظير له .
ومن الشهادات المؤثرة التي تعكس هذا الواقع المأساوي ، ما يُروى عن مشهد انفجار سيارة مفخخة قادها انتحاري عربي , وفجرها في احد اسواق بغداد , وقد تناثرت اجساد الاطفال الطرية واختلطت باجساد النساء والشيوخ , وسالت الدماء في الشارع كالماء المنهمر … ؛ عندها قال أحد الآباء لابنه، متألمًا من هول المشهد: “ألف مفخخة ولا صدام واحد”… ؛ هذه العبارة، رغم قسوتها، تعبّر عن صدمة اجتماعية عميقة، وتكشف عن حجم المعاناة التي عاشها العراقيون في مرحلة ما بعد السقوط ومرحلة صدام .
غير أن التحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة الاستبداد التي اتسمت بالقمع المنهجي وغياب الحريات، ومرحلة ما بعد 2003 التي، رغم ما شابها من فوضى وعنف، فتحت المجال أمام التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وظهور مؤسسات ديمقراطية، وإن كانت لا تزال في طور التشكّل .
إن سقوط النظام البعثي لم يكن مجرد نهاية لحقبة سياسية، بل كان بداية لمسار معقد من إعادة بناء الدولة والمجتمع والهوية الوطنية … ؛ وقد تداخلت في هذا المسار عوامل داخلية وخارجية، من بينها الصراعات الإقليمية، والتدخلات الدولية، والانقسامات الداخلية .
*خاتمة: جدلية الثمن والتطهير
إن عبارة “ألف مفخخة ولا صدام واحد” ليست تهويناً من أمر الدم، بل هي ميزان للعدالة التاريخية بمنطق المظلومين والمحرومين والمهمشين … ؛ إنها شهادة بأن التكلفة الباهظة التي دفعها العراقيون بعد 2003 من دمائهم في حرب أهلية مفروضة من الخارج وبأيادٍ صدامية/إرهابية، تبقى أهون وأقل ضراوة من استمرار دولة “جمهورية الخوف والرعب ” التي كانت تطحن الأرواح ببطء وتصادر المستقبل العراقي وإلى الأبد .
لقد كان سقوط النظام البعثي الصدامي الإجرامي ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من كرامة الإنسان العراقي… ؛ إنه شرط أساسي لعودة الهوية الوطنية من غياهب التهميش والغربة والاغتراب والتغييب … ؛ فمنذ عام 1920 وحتى عام 2003 – ثلاثة وثمانون عاماً – لم ير العراق والعراقيون الأصلاء خيراً قط، فمن أزمة إلى أخرى، ومن حرب بالوكالة إلى حرب بالنيابة تارة أخرى، ومن انقلاب إلى آخر، ومن ثورة إلى انتفاضة… ؛ وطوال عقود الاضطرابات السياسية تلك، لم يفارق الجوع والحرمان والعوز حياة العراقيين، وأصبح السجن والاعتقال والتعذيب والإعدام رفيقاً ملازماً لهم .
في المشهد العراقي المعاصر، قد يختلط الحابل بالنابل، وقد يتجدد الألم بفعل التدخلات الإقليمية وأدوات الإرهاب، لكن ثمة حقيقة راسخة أضاءها التاريخ المعاصر بوضوح: بسقوط الصنم الصدامي، عاد العراق إلى أهله، وتنفس العراقيون الأصلاء الصعداء، ولو وسط الركام والدخان… ؛ ولعلها الحسنة الوحيدة التي فعلها الأمريكيون في القرن الواحد والعشرين …!!
إن إعدام السفاح اللقيط الشاذ صدام بن صبحة شنقاً في 30 ديسمبر 2006، بعد إدانته من قبل المحكمة الجنائية العراقية المختصة بجرائم الدجيل ؛ مثل لحظة انتصار رمزية للضحايا وللعدالة وللهوية الوطنية وللاغلبية والامة العراقية ، وإن كانت المحاكمة لم تشمل كل جرائمه ومجازره … ؛ لقد بذل العراقيون النفوس والأرواح في سبيل حرية الوطن وكرامته، ونحن اليوم نعيش بفضل تلك التضحيات العظيمة، كما قال رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني: في اليوم الوطني للمقابر الجماعية نستذكر بفخر واعتزاز تضحيات مئات الآلاف من أبناء شعبنا في مختلف أنحاء الوطن، حين واجهوا أسوأ دكتاتورية مارست كل أشكال العنف والوحشية والقتل .
إن ذاكرة الدم العراقي يجب أن تبقى حية في وجدان الأجيال، ليس للثأر أو الانتقام، بل لمنع تكرار المأساة، ولتذكير العالم بأن الشعب الذي دفع هذا الثمن الباهظ من دمائه وأرواحه يستحق أن يعيش بكرامة وحرية في وطن يسوده العدل والقانون، بعيداً عن شبح الطغيان والاستبداد الذي جسده النظام الصدامي الإجرامي .