لقمان البرزنجي .. المانيا
إن الذاكرة الكردية ليست مجرد سجل للاحداث، بل هي ملحمة مكتوبة بالدموع والدم، ترفض النسيان وتتحدى المحو. حين نتحدث عن الرابع والعشرين من نيسان، فنحن لا نستذكر مجرد تاريخ عابر، بل نستحضر جرحاً غائرا في وجدان الإنسانية، لتروي قصة مدينة ( قلعة دزة) المنکوبة المغدورة التي ارتکبها نظام العفلقي الصدامي المجرم المقبور حولت هذة المدينة في مثل هذا اليوم 24/ 4 من عام 1974 إلى ساحة لاختبار الوحشية للاسلحة الفتاکة محرمة دوليا ارادو بها وكسر إرادة شعبٍ آمن بحقه في الوجود.في مثل هذا اليوم، لم يكن القصف مجرد غارة جوية عسكرية، بل كان إعلاناً صريحاً عن “إبادة حضارية” استهدفت الحجر والبشر والشجر. لقد تجرأت آلة القمع التابعة للنظام البعثي البائد، بدمويتها المعهودة وعقليتها الفاشية، على استخدام أحدث ما جادت به الترسانة السوفيتية من طائرات، ولم تكتفِ بذلك، بل صبّت جام غضبها وحقدها عبر قنابل “النابالم” الحارقة والمحرمة دولياً، لتلتهم أجساد الأطفال والنساء وطلبة جامعة السليمانية الذين اتخذوا من المدينة ملاذاً للعلم والبحث.إن لجوء الأنظمة المتعاقبة في بغداد، وصولا إلى ذروة الإجرام في عهد صدام حسين، إلى استخدام الأسلحة الكيماوية والمحرمة، لم يكن دليلا على القوة، بل كان اعترافا ضمنيا بالعجز عن مواجهة الإرادة الفولاذية للشعب الكردي. إن سياسة (الأرض المحروقة) التي مورست ضد قلعة دزة، حلبجة، والأنفال، كانت تهدف إلى محو الشعب الکردي .بجعل المناطق الكردية غير قابلة للحياة كسر العنفوان القومي من خلال استهداف الرموز العلمية والأكاديمية (كما حدث في قصف الجامعة بقلعة دزة ذلک الصرح العلمي .يا لها من مفارقة موجعة، أن تقصف مراكز العلم بالات الموت، وأن تحرق الطموحات بنيران النابالم الغادرة. إن دماء شهداء قلعة دزة لم تذهب سدى، بل كانت الوقود الذي أشعل ثورات المظلومين، والصرخة التي دوت في أرجاء المعمورة لتفضح زيف الشعارات القوموية الضيقة التي تبناها البعث العفلقي المقبور. لقد أرادوا لقلعة دزة أن تكون نهاية القصة، فصارت هي الفصل الأول في رواية الصمود والبناء.إن استحضار هذه الذكرى اليوم ليس لفتح الجراح فحسب، بل هو تجديد للعهد السياسي والأخلاقي بضرورة الحفاظ على المكتسبات التي تحققت بتضحيات هؤلاء الشهداء. إن كردستان اليوم، التي نفضت عن كاهلها غبار الحروب والنابالم، تقف شامخة كشاهد حي على هزيمة الديكتاتورية وانتصار الحق.إن الشعوب التي تعمدت بالدم ونار النابالم، لا يمكن ان تهزم، وقلعة دزة ستبقى المنارة التي تضيء دروب الحرية لكل المظلومين.
ز