بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
٢٤ آذار ٢٠٢٦
في عالمٍ ضجّت فيه الأضواء واختُصرت فيه قيمة الإنسان بعدد المتابعين وحجم الظهور باتت الشهرة هي العملة الصعبة التي يتهافت الجميع على حياتها حتى لو كان الثمن هو الجوهر لكننا وفي خضم هذا الزحام الرقمي والبهرجة الزائفة نغفل عن حقيقة كونية كبرى وهي أن موازين الأرض ليست بالضرورة هي موازين السماء وأن هناك تراتبية اجتماعية وروحية لا تخضع لمنطق (الترند) أو بريق المنصات.
إن ثنائية الظهور والخفاء تمثل صراعاً أزلياً في النفس البشرية فبينما يلهث الكثيرون خلف اعتراف الناس بهم يلوذ صنف آخر من البشر بالصمت والعمل بصمت ليس عجزاً عن الظهور بل استغناءً عنه هؤلاء هم (الأتقياء الأخفياء) الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا هم مجهولون في أزقة المدن لا تلتفت إليهم الكاميرات ولا تُكتب عنهم عناوين الأخبار لكن أسماءهم تتردد في ملكوت السماوات بتبجيل لا يحظى به ملوك الأرض.
التحليل المنطقي لهذه الظاهرة يقودنا إلى التفريق بين (السمعة) و(المنزلة)
السمعة هي ما يظنه الناس فيك وهي بناء هش يعتمد على تصورات الآخرين وتقلب أهوائهم.
أما المنزلة فهي حقيقتك المجردة عند الخالق وهي بناء راسخ لا يتأثر بمدح المادحين أو قدح القادحين
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد تجد شخصاً تضج الأرض بذكره وتُفتح له الأبواب الموصدة ويُشار إليه بالبنان لكنه في ميزان الحقيقة يفتقر إلى القبول الروحي لأن بوصلته كانت موجهة نحو ( الأنا) وتضخيم الذات بينما نجد في المقابل وجهاً شاحباً أو عاملاً بسيطاً أو أماً تربي أيتامها في ظل عوز شديد يملكون من الإخلاص ما يهتز له عرش الجمال والسكينة.
إن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في (البيئة) تلك الطاعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى وذلك الأثر الذي يُترك في القلوب دون ضجيج هؤلاء الذين نطلق عليهم (ملوك السماء) هم الذين استطاعوا تحطيم صنم الشهرة في نفوسهم وأدركوا أن عين الله أوسع من عدسات المصورين إنهم يمارسون البطولة الصامتة في الصبر على الشدائد وفي العطاء من قلة، وفي جلب النفع للناس دون انتظار شكر أو ثناء وعملهم يكون خالص لله تعالى
عندما نتأمل في هذا المشهد السردي للحياة نكتشف أن الشهرة الحقيقية ليست في عدد العيون التي تراك الأخفياء بل في رصيد النور الذي تحمله في قلبك ويفيض على من حولك فكم من عظيمٍ في الأرض هو عند الله نكرة وكم من بسيطٍ في عيون الناس هو عند الله عظيم. إنها دعوة لإعادة ترتيب الأولويات والبحث عن مكان في قائمة المعروفين في السماء حيث لا زيف ولا خداع، بل صدقٌ يرفع صاحبه إلى مراتب الملوك، وإن عاش ومات وهو يسير في مناكب الأرض كعابر سبيل لا يعرفه أحد.