بمناسبة ولادته شذرات عن الامام الرضا عليه السلام (ح 4)

د. فاضل حسن شريف

قال الله تبارك وتعالى “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” (آل عمران 7) يقول الامام الرضا عليه السلام (من رد متشابه القرآن الى محكمه هدي الى صراط مستقيم). عن كتاب حياة الامام الرضا عليه السلام للمؤلف باقر شريف القرشي: استدل الامام الرضا عليه السّلام بهذه الآية الكريمة حينما سأله المأمون هل فضّل اللّه العترة على سائر الأمة؟ فقال عليه السّلام: إن اللّه عزّ و جلّ أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه فقال المأمون: و أين ذلك من كتاب اللّه؟ فقال عليه السّلام: في قوله عزّ و جلّ: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ” (آل عمران 33-34) إن العترة داخلون في آل ابراهيم لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من ولد ابراهيم و هو دعوة ابراهيم و عترته منه‏ و كلام الامام عليه السّلام ليس من التفسير و انما هو من الاستدلال بظاهر الآية على ما ذكره. قال الله جل جلاله”إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (آل عمران 55) روي عن الإمام الرضا عليه السلام، أنه قال: (إنه ما شِّبه أمر أحد من أنبياء الله وحججه للناس إلا أمر عيسى وحده، لأنه رفع من الأرض حياً، وقبض روحه بين السماء والأرض، ثم رفع إلى السماء، ورد عليه روحه).

عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: (لقد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال اللّه عزَّ وجلّ: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: “الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ” (الفاتحة 3)،قال اللّه جلّ جلاله: شهد لي عبدي أني الرحمن الرحيم، أشهدكم لأوفرنّ من رحمتي حظه، ولأجزلن من عطائي نصيبه). روي عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم (إجعلوا لبيوتكم نصيباً من القرآن، فإن البيت إذا قُرء فيه تيَسَّرَ على أهله، و كَثُرَ خيره، و كان سُكانه في زيادة، و إذا لم يُقرأ فيه القرآن ضُيق على أهله و قَلَّ خيره و كان سُكانه في نُقصان).

وفي رواية عن الإمام الرضا عليه السلام لمحمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله ذكر المفاسد المترتبة على جملة من الأفعال الّتي حرمها الله تعالى، فقال: (حرّم الله قتل النفس لعلة فساد الخلق في تحليله لو أحلّ، وفنائهم، وفساد التدبير، وحرّم الله تعالى الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنّفس، وذهاب الأنساب، وترك التربية للأطفال، وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد. وحرّم الله عزّ وجلّ قذف المحصنات لما فيه من فساد الأنساب، ونفي الولد، وإبطال المواريث، وترك التربية، وذهاب المعارف، وما فيه من الكبائر والعلل الّتي تؤدي إلى فساد الخلق). عن الإمام الرضا عليه السّلام (إن علة الصلاة أنّها إقرار بالربوبية للّه عزّ و جلّ، و خلع الأنداد، و قيام بين يدي الجبار جل جلاله بالذل و المسكنة و الخضوع و الاعتراف، و الطلب للإقالة من سالف الذنوب، و وضع الوجه على الأرض كل يوم إعظاما للّه عزّ و جلّ و أن يكون ذاكرا غير ناس و لا بطر، و يكون خاشعا متذللا، راغبا طالبا للزيادة في الدين و الدنيا مع ما فيه من الإيجاب و المداومة على ذكر اللّه عزّ و جلّ بالليل و النهار، لئلا ينسى العبد سيده و مديره و خالقه فيبطر و يطغى، و يكون في ذكره لربّه و قيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي و مانعا له عن أنواع الفساد).

قال الإمام الرضا في مولد الامام الجواد عليهما السلام (قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق اليحار، وشبيه عيسى بن مريم) حيث كان معجزة وشيئا خارج القوانين الطبيعية. عن السيدة حكيمة أنها قالت لما ولد امامنا الجواد قال لها امامنا الرضا عليهما السلام يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلمّا كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقمت ذعرة فزعة فأتيت أبا الحسن عليه السلام، فقلت: سمعت من هذا الصبي عجباً. ولا غرابة ان يختار الله انبياء واولياء يتكلمون وهم أطفال وصبيان”إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا” (المائدة 110).

عن كتاب حياة الامام الرضا عليه السلام للمؤلف باقر شريف القرشي: أدلى الامام عليه السّلام بتفسير هذه الآيات فقد روى أحمد بن أبي نصر البزنطي قال: سمعت أبا الحسن الرضا يقول: ان رجلا من بني اسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه و طرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني اسرائيل ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى عليه السّلام إن سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبرنا من قتله؟ قال: ايتوني ببقرة “قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (البقرة 67) ‏ و لو انهم عمدوا الى بقرة أجزأتهم و لكن شددوا فشدد اللّه عليهم‏”قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ” (البقرة 68) ‏ يعني لا صغيرة و لا “كبيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ‏” و لو انهم عمدوا الى أي بقرة اجزأتهم و لكن شددوا فشدد اللّه عليهم‏”قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ” (البقرة 69) ‏و لو أنهم عمدوا الى بقرة اجزأتهم و لكن شددوا فشدد اللّه عليهم‏ “قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ” (البقرة 70-71) فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني اسرائيل فقال: لا ابيع إلّا بمل‏ء مسك ذهبا فجاؤوا الى موسى عليه السّلام و قالوا له ذلك فقال اشتروها فاشتروها و جاءوا بها فأمر بذبحها ثم أمر ان يضربوا الميت بذنبها فلما فعلوا ذلك حيي المقتول و قال: يا رسول اللّه ان ابن عمي قتلني دون من يدعي عليه قتلي فعلموا بذلك قاتله فقال لرسول اللّه موسى بعض أصحابه: إن هذه البقرة لها نبأ فقال موسى: ما هو؟ قالوا إن فتى من بني اسرائيل كان بارا بأبيه و انه اشترى بيعا فجاؤوا الى أبيه و الاقاليد (مقاليد) تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره فقال له: أحسنت هذه البقرة فهي لك عوضا لما فاتك قال: فقال له رسول اللّه موسى: انظر الى البر ما بلغ اهله.

جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم ‌السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام: وقتها نهى الإمام الرضا عليه السلام أن يُوصف الأنبياء بصفات شنيعة تقل من مكانتهم وأن يُفسّر القرآن بالرأي، وبدأ بتفسير كل من الآيات التي سأل عنها ابن جهم. جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم ‌السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام: مفسروا القرآن الكريم أخضعوا جميع الآيات القرآنية التي تنفي العصمة للبحث والمناقشة، وردّوا على الشبهات الواردة بشأنها، وقد وردت أجوبة كلية في هذا المجال: الآيات الواردة في عصمة الأنبياء هي من محكمات القرآن والآيات النافية من المتشابهات، وينبغي إرجاعها إلى محكمات الآيات لتخضع للتفسير وبيان المعنى. إذا وجد دليل بخلاف مقتضى الأدلة القطعية القائمة، فإمّا أن نَدَعه ونُهمِله، وإمّا أن يخضع للتأويل، وعلى هذا فإنّ الآيات التي لا تتضارب في الظاهر مع عصمة الأنبياء، يلزم تأويلها. إذا أخذنا بنظر الاعتبار جواز ترك الأولى للأنبياء، فيمكن أن نحمل جميع الآيات التي لا تتوافق مع عصمة الأنبياء والرّسل، على أنها ترك الأولى، لكن إذا لم نقل بجواز ترك الأولى لهم عليه السلام، فنقول أنّ تلك القضايا قد كمنت في نفسها مصلحة، لا ندركها نحن، كقصة النبي موسى عليه السلام والنبي خضر عليه السلام. وأشارت بعض الروايات إلى الآيات التي تُوهِم بنفي العصمة وردّت عليها، منها رواية عن الإمام الرضا عليه السلام عندما كان في مجلس المأمون، وقد حضره علماء دين من شتى الفرق والمذاهب، فسأل شخص اسمه علي بن جهم الإمام عليه السلام، هل أنّكم تعتقدون بعصمة الأنبياء؟ أجاب الإمام عليه السلام: نعم. ثم سأل ابن جهم عن تفسير الآيات 121 من سورة طه”فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى”، و87 من سورة الأنبياء”وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” (الانبياء 87)، والآية 24 من سورة يوسف”وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ”. في وقتها نهى الإمام الرضا عليه السلام أن يُوصف الأنبياء بصفات شنيعة تقل من مكانتهم وأن يُفسّر القرآن بالرأي، وبدأ بتفسير كل من الآيات التي سأل عنها ابن جهم.