بين مسرح القوة وفلسفة النفوذ
كتب رياض الفرطوسي
في السياسة، لا تُقاس الأحداث بسطحها المباشر، بل بما تخلّفه من ارتجاجات في خلفية المشهد. فالمشهد العام ليس صفحة واحدة تُقرأ، بل طبقات متراكبة، تتداخل فيها الإشارات مع الرموز، وتتحرك فيها الوقائع أحياناً كأنها جزء من نصّ مكتوب مسبقاً، حتى لو بدا في ظاهره ارتجالاً خالصاً.
حين تتقاطع حركة أمنية لافتة مع لحظة سياسية حساسة، لا يعود السؤال عن “هل حدثت مصادفة؟” كافياً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة إنتاج المعنى نفسه: من الذي يحدد ما يصبح خبراً مركزياً، وما يُترك في الهامش، وما الذي يُقدَّم للجمهور كـ”قضية”، وما يُخفى كـ”بنية”؟
في تجارب سياسية متعددة، خصوصاً في الدول التي مرت بتحولات عنيفة، يظهر نمط متكرر: إعادة تنظيم الانتباه العام عبر إبراز أحداث أمنية أو جنائية بعينها، بحيث تتحول إلى مركز الجدل، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالبنية السياسية والاقتصادية الأعمق. ليست المسألة هنا اختراعاً لحدث، بل إعادة توظيفه داخل سياق أوسع من إدارة الوعي العام.
ماكس فيبر حين تحدث عن الدولة بوصفها الجهة التي تحتكر العنف المشروع، كان يشير إلى فكرة معيارية، لكن الواقع في حالات كثيرة أكثر تعقيداً، إذ تتعدد مراكز القوة داخل الدولة نفسها، وتتداخل الرسميات مع شبكات غير مرئية من النفوذ، بحيث يصبح “المشروع” نفسه موضع تفاوض دائم، لا تعريف ثابت.
في هذا السياق، لا تبدو بعض الشخصيات بوصفها أفراداً معزولين، بل كعُقد داخل شبكة أكبر من العلاقات. ليست أهميتها في ذاتها فقط، بل في موقعها داخل توازنات تتشكل وتُعاد صياغتها باستمرار. هنا يصبح الحدث الأمني أو السياسي جزءاً من حركة أوسع، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هندسة المشهد كله.
في الحالة العراقية، تزداد هذه التعقيدات وضوحاً. فالدولة التي خرجت من تحولات عنيفة لم تعد بنية صلبة واحدة، بل فضاءً تتقاطع فيه مستويات متعددة من السلطة والنفوذ. هذا التشظي لم يُنتج فراغاً فقط، بل أنتج أيضاً قدرة مستمرة على إعادة إنتاج التوازنات داخل الفوضى نفسها، بحيث لا تنتهي لعبة النفوذ، بل تُعاد صياغتها بأدوات مختلفة في كل مرة.
من هنا يمكن فهم ما يشبه “منطق التدوير” داخل المشهد السياسي والأمني، حيث لا تُلغى البُنى القديمة بالكامل، بل تُعاد إعادة توزيعها داخل صيغ جديدة. تتبدل الأسماء، وتتغير المواقع، لكن شبكات التأثير تبقى قادرة على إعادة ترتيب نفسها، وكأنها تمتلك ذاكرة طويلة تتجاوز الأشخاص.
هذا ما أشار إليه أنطونيو غرامشي حين تحدث عن استمرار الهيمنة بوصفها قدرة على إنتاج القبول، لا عبر القوة وحدها، بل عبر تشكيل الوعي العام بحيث يبدو الواقع الطبيعي نتيجة وحيدة ممكنة. وفي مثل هذا السياق، لا يكون الصراع فقط على السلطة، بل على تعريف ما هو “طبيعي” في نظر المجتمع.
في هذا الإطار، يصبح “مسرح القوة” ليس مجرد استعارة بل توصيفاً لآلية عمل. فالمشهد العام يُدار أحياناً كتركيب دقيق للانتباه، حيث تتقدم أحداث وتنسحب أخرى، ليس وفق أهميتها الموضوعية فقط، بل وفق دورها في إعادة ترتيب المزاج العام، وتوجيه الأسئلة نحو مناطق محددة، وإبعادها عن مناطق أخرى أكثر حساسية.
وفي قلب هذا المشهد، تتشكل فلسفة نفوذ لا تُعلن نفسها صراحة، لكنها تُقرأ من خلال أثرها: كيفية توزيع الضوء، كيفية إدارة الضجيج، وكيفية تحويل بعض الأحداث إلى مرآة كبيرة تعكس جزءاً صغيراً من الصورة، بينما تترك البقية خارج الإطار.
التجارب المقارنة في دول ما بعد الصراع، من أمريكا اللاتينية إلى بعض دول شرق أوروبا، تُظهر نمطاً مشابهاً، حيث تُستخدم لحظات “الضبط الأمني” أو “استعراض القانون” كوسيلة لإعادة تثبيت شرعية سياسية، أو على الأقل لتجديد صورتها أمام الجمهور، حتى في ظل بقاء الإشكالات البنيوية على حالها.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بطريقة اشتغال النظام نفسه. فالسياسة هنا ليست سلسلة قرارات منفصلة، بل حركة مستمرة لإعادة إنتاج التوازن بين القوة والنفوذ، بين المعلن والمخفي، بين ما يُقال وما يُدار في الخلفية.
وبينما ينشغل الجمهور بتفاصيل المشهد الظاهر، تستمر البنية الأعمق في عملها الهادئ، كآلة لا تتوقف، تعيد ترتيب عناصرها باستمرار، بحيث يبقى المشهد في حركة دائمة، حتى حين يبدو أنه استقر.
بين مسرح القوة وفلسفة النفوذ