هدم الهيكل

هدم الهيكل
كتب رياض الفرطوسي
ثمة لحظة تاريخية فارقة تمر بها الأوطان، حين يتحول النظام السياسي من “خادم للمجتمع” إلى “ثقب أسود” يمتص مقدراته. ما يشهده الواقع اليوم ليس مجرد تعثر في الأداء، بل هو نتاج طبيعي لبنية تأسست على “التشظي الممنهج”. لقد غاب مفهوم “العقد الاجتماعي” الذي بشر به جان جاك روسو، ليحل محله “عقد غنيمة” يوزع الوطن كحصص مقتطعة، مما جعل الدولة تبدو في الظاهر كياناً متماسكاً، بينما هي في العمق جزر معزولة تديرها إرادات متقاطعة.
إن الفساد هنا لم يعد استثناءً يمكن معالجته بالعقاب الفردي، بل استحال إلى “فساد بنيوي” يشبه ما وصفه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لآليات السلطة، حيث تتغلغل الهيمنة في مفاصل المؤسسات حتى تصبح جزءاً من نظامها التنفسي. وفي هذه البيئة، يغدو الإصلاح الشكلي مجرد “طلاء تجميلي” لجسد يعاني من علل جوهرية؛ فالقضية ليست في تبديل الوجوه، بل في القواعد التي تفرض على كل وجه جديد أن يسلك ذات المسار المظلم كي يضمن بقاءه.
هنا، تبرز ظاهرة “الفاعلين من خلف الستار”، حيث تُدار المشاهد الكبرى عبر وجوه تفتقر للعمق الشعبي، لكنها تمتلك مهارة “التخفي” تحت شعارات الإصلاح والزهد. هؤلاء يمثلون “الجيل الثالث” من الأنظمة المتآكلة، ومهمتهم ليست التغيير، بل العمل كحراس لمصالح القوى التقليدية التي تخشى المساءلة. إنهم يجسدون مقولة ميكافيلي حول الحاكم الذي لا يحتاج للفضيلة بقدر حاجته لتبني مظهرها، ليصبح القناع هو الحقيقة الوحيدة المتاحة للجمهور.
ولكن، لا تكتمل فصول هذه التراجيديا دون وجود “وعي معطل”؛ فالمجتمع الذي يرتضي دور المتفرج أو المستفيد الصغير من فتات النظام، يتحول( بوعي أو بدونه) إلى شريك في إنتاج أزمته. إن التحذير من “الارتطام الأخير” ليس دعوة للسوداوية، بل هو صرخة تنبيه فلسفية تشبه ما طرحه تذكير أوزوالد شبينغلر (1880–1936) هو فيلسوف ومؤرخ ألماني مثير للجدل، اشتهر بكتابه الضخم “تدهور الغرب” (The Decline of the West). عن “أفول الحضارات” حين تفقد قيمها المركزية وتتحول إلى صراعات ريعية على الثروة. إن الخروج من هذا النفق لا يبدأ بالنصائح الموجهة لسلطة لا تقرأ، بل بإعادة إحياء “الدولة الوطنية” كفكرة ووجود، بعيداً عن الانتماءات الضيقة التي لم تنتج سوى وطن مثقل بالجراح وذاكرة محملة بالخيبات.