إيهاب مقبل
في العراق، لم تعد الأرجيلة مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار، خصوصًا بين فئة الشباب. في المقاهي، الجامعات، وحتى داخل المنازل، يتصاعد “دخان بلا نار” يُسوَّق على أنه أقل ضررًا من السجائر، بينما يخفي في حقيقته مخاطر صحية قد تكون أشد. الأخطر أن الأرجيلة لا يُنظر إليها كعادة ضارة، بل كجزء من الحياة اليومية ووسيلة للتسلية والتواصل الاجتماعي، وهو ما يمنحها قبولًا واسعًا يصعّب مواجهتها.
وهم الأمان: الخدعة الكبرى
يعتقد كثيرون أن مرور الدخان عبر الماء في الأرجيلة يجعله “أنظف” وأقل ضررًا، لكن هذا الاعتقاد لا يستند إلى أساس علمي. فالدخان لا يفقد سميته، بل يظل محمّلًا بالمواد المسرطنة وأول أكسيد الكربون والمعادن الثقيلة. وتشير الأدلة العلمية إلى أن أمراضًا معروفة بأنها من عواقب تدخين السجائر، مثل سرطان الرئة، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، وأمراض القلب والأوعية الدموية، قد تنجم أيضًا عن تدخين الأرجيلة، ما ينفي تمامًا فكرة أنها “بديل آمن”.
السجائر أم الأرجيلة: أيهما أخطر؟
كلاهما يشكّل خطرًا كبيرًا وقد يكون مميتًا، لكن المقارنة بينهما تكشف مفارقة مهمة. فالأرجيلة غالبًا ما تكون أكثر ضررًا في الجلسة الواحدة، إذ إن جلسة تستمر من 45 إلى 60 دقيقة قد تعادل، وفق تقديرات صحية، تدخين عشرات إلى أكثر من 100 سيجارة من حيث كمية الدخان المستنشق. وخلال هذه الجلسة، يتعرض المستخدم لكميات كبيرة من السموم، بما في ذلك القطران والمعادن الثقيلة وأول أكسيد الكربون، الذي يكون تركيزه أعلى بسبب احتراق الفحم المستخدم.
وتشير البيانات إلى أن دخان الأرجيلة قد يحتوي على نحو 11 جزءًا في المليون من أول أكسيد الكربون، مقارنةً بحوالي 1.9 جزء في المليون في دخان السجائر، ما يزيد من خطر التسمم، حتى عند الاستخدام المعتدل.
في المقابل، تُستهلك السجائر عادة بشكل يومي ومتكرر، ما يجعل ضررها تراكميًا ومستمرًا على المدى الطويل. وبذلك، يمكن القول إن السجائر تمثّل خطرًا مزمنًا، بينما تمثّل الأرجيلة خطرًا مكثفًا في فترة زمنية قصيرة، وفي الحالتين تبقى النتيجة واحدة: تهديد مباشر لصحة الإنسان.
كيف يتضاعف الضرر؟
لا يقتصر الخطر على طبيعة الدخان فقط، بل يمتد إلى طريقة الاستنشاق. فمدخن الأرجيلة يستنشق كميات أكبر من الدخان، ويصل هذا الدخان إلى عمق أكبر في الرئتين مقارنة بالسجائر، ما يؤدي إلى امتصاص أعلى للمواد السامة.
كما أن مشاركة فوهة الأرجيلة بين عدة أشخاص تفتح الباب أمام انتقال الأمراض المعدية، مثل التهابات الجهاز التنفسي، والمكورات العقدية، وحتى أمراض أكثر خطورة، وهو جانب غالبًا ما يتم تجاهله في الاستخدام الجماعي.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
لا تقف المخاطر عند حدود التقديرات العامة، بل تؤكدها دراسات علمية مباشرة. فقد أُجريت دراسة على 13 متطوعًا (ثمانية رجال وخمس نساء) ممن اعتادوا تدخين كل من الأرجيلة والسجائر. طُلب من المشاركين تدخين الأرجيلة لمدة أربعة أيام، ثم السجائر لأربعة أيام أخرى، مع فاصل زمني أسبوعي بين الفترتين، وتم تحليل عينات من الدم والبول والهواء الزفيري.
أظهرت النتائج أن تدخين الأرجيلة ينتج مستويات نيكوتين أقل نسبيًا من السجائر، حوالي النصف، لكنها تظل كافية لإحداث الإدمان. في المقابل، كانت مستويات أول أكسيد الكربون أعلى بنحو 2.5 مرة لدى مدخني الأرجيلة، ما يزيد من خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية، وقد يؤدي إلى الوفاة المفاجئة لدى المصابين بأمراض القلب أو الرئة.
كما بيّنت الدراسة أن مستويات مادة البنزين في البول كانت أعلى بشكل ملحوظ بعد تدخين الأرجيلة مقارنة بالسجائر، وهي مادة مسرطنة ترتبط بأمراض خطيرة مثل سرطان الدم (اللوكيميا). وأشار الباحثون إلى أن نمط التعرض المختلف للمواد المسرطنة قد يؤدي إلى اختلاف في طبيعة المخاطر الصحية، مع قلق خاص من زيادة خطر الإصابة بسرطان الدم لدى مستخدمي الأرجيلة تحديدًا.
وتشير دراسة حديثة أخرى تُعد من أكبر الدراسات في هذا المجال، شملت تحليل بيانات نحو 10,000 مشارك، إلى أن مدخني الأرجيلة قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالسمنة ومرض السكري من النوع الثاني مقارنة بغير المدخنين وحتى مدخني السجائر.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة “علم السكري ومتلازمة التمثيل الغذائي”، وأظهرت زيادة واضحة في احتمالات الإصابة بهذه الأمراض، رغم أن السبب الدقيق لا يزال غير محسوم. ويرجّح الباحثون أن المواد السامة في دخان الأرجيلة قد تسبب التهابات مزمنة تؤثر على مقاومة الجسم للأنسولين، ما يرفع خطر الإصابة بالسكري. كما لا يُستبعد أن تلعب عوامل سلوكية مصاحبة، مثل نمط الحياة غير الصحي، دورًا إضافيًا لدى المدخنين.
وتشير الدراسة أيضًا إلى أن جلسة الأرجيلة قد تعادل من حيث الضرر تدخين أكثر من علبة سجائر واحدة، بسبب طول مدة الاستنشاق وكثافة الدخان. لذلك يؤكد الباحثون وجود حاجة ملحّة إلى تنظيم الأرجيلة بنفس صرامة تنظيم السجائر، خصوصًا مع انتشارها بين الشباب بفعل النكهات والعوامل الاجتماعية.
خرافات شائعة تزيد من انتشارها
تنتشر عدة معتقدات خاطئة تساهم في تطبيع الأرجيلة داخل المجتمع العراقي، مثل الاعتقاد بأنها تحتوي على نيكوتين أقل، أو أن الماء يصفّي السموم، أو أن نكهة الفاكهة تجعلها “أخف” أو أقل ضررًا. هذه الأفكار، رغم شيوعها، لا تستند إلى أدلة علمية، بل تسهم في تضليل المستخدمين ودفعهم إلى الاستمرار دون وعي بالمخاطر.
انتشار صامت بين الشباب
تشير مؤشرات إقليمية إلى ارتفاع استخدام الأرجيلة بين طلاب المدارس والجامعات، والعراق ليس استثناءً من هذا الاتجاه. بل إن الأرجيلة غالبًا ما تكون المدخل الأول إلى التدخين، حيث يبدأ بها الشباب قبل الانتقال إلى السجائر. كما أن انتشارها بين الإناث أعلى نسبيًا مقارنة بالسجائر، بسبب الصورة الاجتماعية الأقل وصمًا، ما يوسّع دائرة المتأثرين بها داخل المجتمع.
المقاهي: بيئة خصبة للانتشار
ساهم التوسع الكبير في المقاهي داخل المدن العراقية في ترسيخ ثقافة الأرجيلة. فهي لا تُقدَّم كمجرد منتج، بل كتجربة اجتماعية متكاملة تجمع بين الأصدقاء والترفيه. غير أن هذه البيئة تتحول في الواقع إلى فضاءات مغلقة مليئة بالدخان، ما يعرض حتى غير المدخنين لخطر التدخين السلبي، ويزيد من حجم المشكلة الصحية.
القانون بين النص والتطبيق
رغم وجود قوانين تحد من التدخين في الأماكن العامة، إلا أن الأرجيلة تُستثنى فعليًا من التطبيق. فضعف الرقابة وغياب الالتزام يجعل هذه القوانين أقرب إلى النصوص النظرية، مع سهولة وصول المراهقين إلى الأرجيلة دون قيود حقيقية. ومن الجدير بالذكر أن دولًا مثل السويد تفرض حدًا أدنى لسن شراء منتجات التبغ يبلغ 18 عامًا، وتشمل هذه القوانين جميع أشكال التدخين دون استثناء.
لماذا تنتشر الأرجيلة؟
لا يرتبط انتشار الأرجيلة فقط بضعف القوانين، بل يتصل بعوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية متداخلة. فالرغبة في الانتماء، والفراغ الذي يعاني منه بعض الشباب، إضافة إلى التسويق غير المباشر عبر وسائل التواصل، كلها عوامل تدفع نحو تبني هذه العادة. كما أن انخفاض تكلفتها مقارنة بوسائل الترفيه الأخرى يجعلها خيارًا سهلًا ومتاحًا.
مقارنة تكشف الفارق
في دول مثل السويد، تُعامل جميع أشكال التدخين، بما فيها الأرجيلة، باعتبارها منتجات ضارة تخضع لقيود صارمة، تشمل الحظر في الأماكن العامة، وفرض ضرائب مرتفعة على منتجات التبغ، وتطبيق رقابة فعّالة. والأهم أن الوعي المجتمعي لا يفرّق بين سيجارة وأرجيلة، إذ يُنظر إلى كليهما على أنهما خطر صحي يجب تجنّبه.
النتيجة: خطر يتسلل بهدوء
بعكس السجائر التي أصبحت محاطة بوعي صحي نسبي، تتحرك الأرجيلة في منطقة رمادية، حيث تُمارس دون إدراك كامل بحجم المخاطر، وهذا ما يجعلها أكثر قدرة على الانتشار، خصوصًا بين فئات لم تكن مدخنة من قبل.
حين تُطبَّق القوانين: نموذج من السويد
في المقابل، تُظهر التجربة السويدية كيف يمكن للقانون أن يكون أداة حقيقية للتغيير. ففي يونيو حزيران 2025، أعلنت بلدية أوربرو عن إيقاف نشاط داخل مبنى مكاتب في منطقة صناعية بعد اكتشاف استخدامه كمكان لتدخين الأرجيلة. وجاء ذلك عقب مداهمة نفذها مفتشو البيئة بالتعاون مع الشرطة، حيث تم العثور على عشر أراجيل وعبوات تبغ غير موسومة، إضافة إلى تجهيز المكان كصالة اجتماعية تحتوي على أرائك وطاولة بلياردو.
وتُعد هذه الممارسة مخالفة صريحة للقانون، إذ إن التدخين داخل الأماكن العامة المغلقة، خاصة تلك التي تُستخدم للتجمع أو تقديم الطعام والشراب، محظور في السويد منذ أكثر من عشرين عامًا. ويعكس هذا المثال مستوى الصرامة في تطبيق القوانين، بغض النظر عن طبيعة النشاط أو الخلفية الثقافية المرتبطة به، حتى مع انتشار هذه العادة بين بعض الجاليات القادمة من العراق وسوريا.
الخلاصة: حين تتحول العادة إلى تهديد
الأرجيلة ليست مجرد بديل للسجائر، بل مثال واضح على كيف يمكن لسلوك ضار أن يتحول إلى عادة مقبولة اجتماعيًا عندما يُغلّف بالترفيه والتطبيع. في العراق، لا تكمن المشكلة فقط في انتشار الأرجيلة، بل في الاعتقاد بأنها آمنة، وهو اعتقاد يشكّل بحد ذاته خطرًا مضاعفًا.
التجارب العالمية تثبت أن المواجهة تبدأ عندما يُكسر هذا الوهم، ويُعاد تعريف الأرجيلة ليس كجلسة بريئة، بل كتهديد حقيقي للصحة العامة.
المراجع
التسمم الحاد بأول أكسيد الكربون، بنغت ويدغرين، مستشفى جامعة لينشوبينغ السويدية، 7 يناير كانون الثاني 2026
https://www.internetmedicin.se/akutsjukvard/kolmonoxidforgiftning
تدخين الأرجيلة داخل مكتب – البلدية توقف النشاط، الراديو السويدي، 26 يونيو حزيران 2025
https://www.sverigesradio.se/artikel/rokte-vattenpipa-inomhus-kontor-anvandes-som-sallskapsrum
التدخين بالأرجيلة مرتبط بمرض السكري والسمنة، وفقًا لدراسة، ديلي تلغراف، 2 يناير كانون الثاني 2019
https://www.telegraph.co.uk/news/2019/01/02/smoking-shisha-linked-diabetes-obesity-study-finds/
مقارنة التعرّض للنيكوتين والمواد المسرطنة بين تدخين الأرجيلة والسجائر، مجلة علم وبائيات السرطان والوقاية منه، 2013، المجلد 22 (العدد 5): الصفحات 765–772
https://aacrjournals.org/cebp/article/22/5/765/282950/Comparison-of-Nicotine-and-Carcinogen-Exposure?__cf_chl_tk=Kvba74qf.nMeUHXSUmhjA..MMpqgbMzOEImLJ1Ci5zQ-1777579269-1.0.1.1-gyCMJ1DgPCjeGthkfNVCy_Cz5J.2SGQxGie8Iy5gC.w#aff-1
الشيشة – تدخين بلا مخاطر؟! الآثار الصحية، العادات، المواقف، والإشراف، المعهد الحكومي للصحة العامة السويدية، 2010
https://assets.v3.snowfirehub.com/files/120776/43_vattenpipa-rapport-2010.pdf
انتشار تدخين الشيشة بين الشباب: ظاهرة خطيرة، فورد فوكس، 30 نوفبمر تشرين الثاني 2007
https://www.vardfokus.se/barn-och-ungdom/vattenpipa-farlig-trend-bland-unga/
الحانات الخالية من التدخين مفيدة للصحة، صحيفة داغنس نيهتر السويدية، 24 أكتوبر تشرين الأول 2007
https://www.dn.se/nyheter/sverige/rokfritt-pa-krogen-en-halsovinst/
الأرجيلة ضارة كغيرها من أنواع التدخين، نيلز لوندين، طبيب أول، قسم صحة الأم والطفل والشباب، مستشفى هيلسينغبورغ السويدي، 2006
https://media.arto.se/app/uploads/sites/11/OldWebArticlePdf/5/5545/3802_3804.pdf
انتهى