د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ” ﴿الطور 21﴾ قيل: الفرق بين الاتباع واللحوق مع اعتبار التقدم والتأخر فيهما جميعاً أنه يعتبر في الاتباع اشتراك بين التابع والمتبوع في مورد الاتباع بخلاف اللحوق فاللاحق لا يشارك الملحوق في ما لحق به فيه. ولات وألات بمعنى نقص فمعنى ما ألتناهم ما نقصناهم شيئاً من عملهم بالإلحاق. وظاهر الآية أنها في مقام الامتنان فهو سبحانه يمتنّ على الذين آمنوا أنه سيلحق بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان فتقرّ بذلك أعينهم، وهذا هو القرينة على أن التنوين في “إيمان” للتنكير دون التعظيم. والمعنى: اتبعوهم بنوع من الإيمان وإن قصر عن درجة إيمان آبائهم إذ لا امتنان لو كان إيمانهم أكمل من إيمان آبائهم أو مساوياً له. وإطلاق الاتباع في الإيمان منصرف إلى اتباع من يصح منه في نفسه بالإيمان ببلوغه حداً يكلف به فالمراد بالذرية الأولاد الكبار المكلفون بالإيمان فالآية لا تشمل الأولاد الصغار الذين ماتوا قبل البلوغ، ولا ينافي ذلك كون صغار أولاد المؤمنين محكومين بالإيمان شرعاً. اللهم إلا أن يستفاد العموم من تنكير الإيمان ويكون المعنى: واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ مّا سواء كان إيماناً في نفسه أو إيماناً بحسب حكم الشرع. وكذا الامتنان قرينة على أن الضمير في قوله: “وما ألتناهم من عملهم من شيء” للذين آمنوا كالضميرين في قوله: “واتبعتهم ذريتهم” إذ قوله: “وما ألتناهم من عملهم من شيء” مسوق حينئذ لدفع توهم ورود النقص في الثواب على تقرير الإلحاق وهو ينافي الامتنان ومن المعلوم أن الذي ينافي الامتنان هو النقص في ثواب الآباء الملحق بهم دون الذرية. فتحصّل أن قوله: “والذين آمنوا” الخ، استئناف يمتن تعالى فيه على الذين آمنوا بأنه سيلحق بهم أولادهم الذين اتبعوهم بنوع من الإيمان وإن كان قاصراً عن درجة إيمانهم لتقرّ به أعينهم، ولا ينقص مع ذلك من ثواب عمل الآباء بالإلحاق شيء بل يؤتيهم مثل ما آتاهم أو بنحو لا تزاحم فيه على ما هو أعلم به. وفي معنى الآية أقوال أُخر لا تخلو من سخافة كقول بعضهم إن قوله: “والذين آمنوا” معطوف على “حور عين” والمعنى: وزوجناهم بحور عين وبالذين آمنوا يتمتعون من الحور العين بالنكاح وبالذين آمنوا بالرفاقة والصحبة، وقول بعضهم: إن المراد بالذرية صغار الأولاد فقط، وقول بعضهم: إن الضميرين في “وما ألتناهم من عملهم من شيء” للذرية والمعنى: وما نقصنا الذرية من عملهم شيئاً بسبب إلحاقهم بآبائهم بل نوفيهم أعمالهم من خير أو شر ثم نلحقهم بآبائهم.
وقوله تعالى: “كل امرئ بما كسب رهين” ﴿الطور 21﴾ تعليل لقوله: “وما ألتناهم من عملهم من شيء” على ما يفيده السياق، والرهن والرهين والمرهون ما يوضع وثيقة للدين على ما ذكره الراغب قال: ولما كان الرهن يتصوَّر منه حبسه استعير ذلك لحبس أي شيء كان. انتهى. ولعل هذا المعنى الاستعاري هو المراد في الآية والمرء رهن مقبوض ومحفوظ عند الله سبحانه بما كسبه من خير أو شر حتى يوفيه جزاء ما عمله من ثواب أو عقاب فلو نقص شيئاً من عمله ولم يوفه ذلك لم يكن رهين ما كسب بل رهين بعض ما عمل وامتلك بعضه الآخر غيره كذريته الملحقين به. وأما قوله تعالى: “كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين” (المدثر 38-39)، فالمراد كونها رهينة العذاب يوم القيامة كما يشهد به سياق ما بعده من قوله: “في جنات يتساءلون عن المجرمين” (المدثر 40-41). وقيل: المراد كون المرء رهين عمله السيء كما تدل عليه آية سورة المدثر المذكورة آنفاً بشهادة استثناء أصحاب اليمين، والآية أعني قوله: “كل امرئ بما كسب رهين” ﴿الطور 21﴾ جملة معترضة من صفات أهل النار اعترضت في صفات أهل الجنة. وحمل صاحب الكشاف الآية على نوع من الاستعارة فرفع به التنافي بين الآيتين قال: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها. انتهى. وأنت خبير بأن مجرد ما ذكره لا يوجه اتصال الجملة أعنى قوله: “كل امرئ بما كسب رهين” ﴿الطور 21﴾ بما قبلها.