لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .المانيا
يقول المفکر والفيلسوف الالماني شوبنهاور ( لن يستطيع أحد إفساد مزاجك، ما دمت مكتئبا طوال الوقت) عندما نسقط مقولة الفيلسوف الالماني آرثر شوبنهاور على مسرح العبث الذي نسميه (الواقع السياسي المعاصر)، نكتشف أن الاكتئاب السياسي ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو درع استراتيجي وحصانة فكرية متينة. ففي عالم تحكمه البراغماتية المتوحشة وتتصارع فيه الإرادات على ركام الأوطان، يصبح التوقع الدائم للأسوأ هو الشكل الأرقى من أشكال الوعي الراديكالي.إن الساسة اليوم لا يصنعون الحلول،بل يهندسون الأزمات ببراعة فائقة لضمان ديمومة بقائهم علی الکراسي . المواطن الذي يعتنق التشاؤم السياسي المنظم يمتلك مناعة مطلقة ضد صدمات الخيانة السياسية. لن يستطيع اي مسؤول فاسد، او حكومة فاشلة، او قرار جائر أن يفسد مزاجك السياسي، لأنك ببساطة قد اسقطت مسبقا شرعية الوهم، وتوقفت عن استجداء النزاهة من مؤسسات بنيت في جوهرها على الفساد البنيوي. سقوط تجارة الأمل الكاذب ،تروج الأنظمة الديماغوجية والكيانات الواهمة على تجارة الأمل. يضخون الوعود الزائفة في اوردة الجماهير لامتصاص غضبهم وإبقائهم في حالة تخدير مستمر. هنا، يبرز الاكتئاب السياسي كفعل تمرد صامت، فرفضك للتفاول الساذج هو في حقيقته إفشال لمشروع السلطة في التلاعب بوعيك. المتشائم سياسيا هو الوحيد الذي لا يمكن ابتزازه بشعارات الغد المشرق، لانه يرى الحاضر المظلم بوضوح جارح. في أوقات الانتخابات، أو عند اندلاع الأزمات المفتعلة، تساق الجماهير بهستيريا عاطفية نحو صناديق الاقتراع أو ساحات الهتاف، ظناً منهم أن تغيير الوجوه سيؤدي إلى تغيير المنظومة. اما العقل السياسي المتشبع بالكابة الشوبنهاورية، فيراقب هذا المشهد ببرود أرستقراطي. هو يعلم يقينا ان تبديل احجار الشطرنج لا يغير قواعد اللعبة، وأن النظام العالمي والمحلي مصمم لسحق الفرد لصالح الآلة الرأسمالية أو السلطوية الأكبر.قد يبدو اليأس تهمة، لكنه في السياسة لحظة تنوير. عندما تدرك أن القوانين الدولية مجرد حبر على ورق تمسح به جرائم الأقوياء، وان العدالة مجرد مفهوم رومانسي لا مكان له في قواميس الجيوبوليتيك (الجغرافيا السياسية)، فإنك تتحرر من عبء الانتظار. هذا التحرر يجعلك مراقبا حصيفا، لا تكسرك الهزائم الوطنية المتتالية، لأنها ببساطة تتوافق مع تحليلك المسبق للواقع، خلاصة القول إن الاكتئاب السياسي المستمر ليس استسلاما ولا انهزاما، بل هو موقف معرفي صارم يرفض التجميل المستمر للقبح. طالما أنك تدرك عمق الخراب في الهيكل السياسي، فلن تنجح أي مسرحية ديمقراطية هزلية، ولا أي خطاب شعبوي رنان، في إحباطك أو إفساد مزاجك. أنت محصن بالحقيقة المطلقة: الأنظمة لا تتغير طوعا، والعدالة لا تمنح، والخراب هو القاعدة وما دونه استثناء.