د. فاضل حسن شريف
يُقصد بـ الصحافة الاستقصائية (وليس الإقصائية) Investigative Journalism، وهي نوع رفيع من الصحافة يسعى للكشف عن المعلومات المخفية، والجرائم، والفساد، وإساءة استخدام السلطة.فيما يلي توضيح شامل للمفهوم:1. تعريف الصحافة الاستقصائية:عمل صحفي عميق: لا تكتفي بالتغطية الخبرية البسيطة، بل تغوص بعمق في موضوع واحد أو قضايا محددة.كشف الأسرار: تهدف إلى إماطة اللثام عن حقائق مستترة، مخالفات شركات، أو قضايا رأي عام كانت مخفية عن العامة.توثيق مثبت: تعتمد على البحث المنهجي والموثق بالأدلة.2. عناصر الصحافة الاستقصائية الرئيسية:العمق والابتكار: التحقيق في موضوع يحتاج لبحث متصل قد يستمر لأشهر أو سنوات.المبادرة الفردية: يقوم الصحفي ببدء التحقيق بناءً على شكوك أو معلومات أولية حول وجود خطأ ما.المنهجية: استخدام أساليب جمع معلومات منظمة (مقابلات، وثائق، تحليل بيانات).3. أهداف ودور الصحافة الاستقصائية:المساءلة العامة: تسليط الضوء على الفساد وإساءة السلطة.خدمة المجتمع: توفير معلومات تدعم الحوار المجتمعي وتساعد في اتخاذ قرارات شخصية مبنية على حقائق.التغيير: تهدف غالباً إلى تحسين الواقع المعاش من خلال كشف الفساد.4. الفرق بينها وبين الصحافة التقليدية:بينما تنقل الصحافة التقليدية الأخبار اليومية، تقوم الصحافة الاستقصائية بالتحقيق في “خلفيات” هذه الأخبار والبحث عن القصة الحقيقية التي لا تظهر في التصريحات الرسمية.
شملت حقبة حكم صدام حسين في العراق (1979-2003) صحفاً رسمية سيطرت عليها الدولة وحزب البعث، أبرزها “الثورة” و”الجمهورية” و”بابل”. روجت هذه الصحف لفكر النظام، ونشرت خطاباته، وتوثقت في أرشيفات قديمة تتضمن أخباراً سياسية وعسكرية، بما في ذلك قصائد وأدبيات منسوبة له.أبرز الصحف والجرائد في عهد صدام:جريدة بابل: أسسها عدي صدام حسين في 31 آذار 1991.جريدة الثورة: الناطقة الرسمية باسم حزب البعث العربي الاشتراكي.جريدة الجمهورية: صحيفة يومية سياسية رئيسية.جرائد أخرى: الدستور، الروضة، القادسية، والصباح.مميزات الإعلام والصحافة في تلك الفترة:التوجه الحزبي: كانت جميع الصحف تتبنى الخطاب القومي والبعثي وتُمجد شخص صدام حسين.التوثيق التاريخي: توجد نسخ نادرة لهذه الجرائد توثق أحداثاً مفصلية مثل القبض عليه عام 2003.المحتوى الفكري: تضمنت أحياناً أدبيات سياسية، قصائد، وكتباً يُعتقد أن صدام حسين كتبها.تُعد هذه الجرائد حالياً جزءاً من المقتنيات التاريخية والتوثيقية لدى الهواة والمؤرخين.
جاء في الموسوعة الحرة عن صحيفة بابل جريدة سياسية عراقية أسّسها عدي صدام حسين يوم 31 آذار سنة 1991، كانت واحدة من سبع جرائد يومية عراقية، منها خمس جرائد سياسية هي (الثورة) و(الجمهورية) و(القادسية) و(العراق) و(العراق ديلي) باللغة الإنكليزية، و(البعث الرياضي)، امتازت الجريدة بنمط صحافي جديد، ينقد بعض المسؤولين كما ينقد المعارضين نقداً حادّاً، وفي يوم 10 آب سنة 1996م، أُوقفت الجريدة 4 أيام، ثم أوقفت الجريدة شهراً، من يوم 20 تشرين الثاني سنة 2002م، وكان ذلك يُعدّ شيئاً نادراً، إذ كانت الصحيفة يملكها عدي ابن الرئيس صدام، وبعد انقضاء الشهر، عاودت الصحيفة للنشر، ونشرت في عددها وصفاً لمحتوى الجريدة وشعبيتها، ونقلت الصحيفة تقييماً لها، منقولاً من جريدة الشرق الأوسط التي وصفت جريدة بابل أنها (دأبت منذ فترة صدورها الأولى على إغناء القارئ العراقي بما لم يعتد عليه من أخبار في صحافته اليومية الرسمية ومن خلال العديد من الأبواب المقروءة مثل ركن (على ذمة الوكالات). وفقاً لجليل عطية، فإن جريدة بابل لم تصدر بموافقة رسمية، وظلّت كذلك 4 أشهر، حتى عٌدت جلسة للمجلس الوني العراقي، للتصويت عليها، فوافقوا بالإجماع، ولذلك يذكر عديّ أن جريدته صدرت باسم الشعب.
جاء في الشبكة العالمية العربية عن كانت الصّحافة الاستقصائية في العراق أيام صدام صعبة، أمّا الآن فتكادُ تكون مستحيلة: الربيع العربي، وما جاء بعده: إذا قارنّا العراق بدول مثل مصر التي شهدتْ وصولَ الحرية هيئة الرّبيع العربي، يمكننا أن نرى أوجه تشابه ملحوظة. بعد عقود من حكم حزبٍ واحد بقيادة الزعيم حسني مبارك لفترة طويلة، نالت مصر حرّيتها في ثورة 2011. لكن ذلك لم يَدُم. وفقًا لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، تحتلّ مصر حاليا المرتبة 166 في قائمة تضم 180 دولة في التصنيف العالمي السنوي لحرّية الصّحافة. ووفقًا لمنظّمة العفو الدّولية، شهدت الصحافة في مصر “حملة قمع لا هوادة فيها” مع وجود ما لا يقل عن 37 صحفيًا في السجن، 20 منهم ارتبط سجنهم ارتباطًا مباشرًا بعملهم. الصّحافة بشكلٍ عام، والصّحافة الاستقصائيّة على وجه الخصوص، عانت من نكسات هائلة. وينطبق الشيء نفسه على سوريا واليمن وليبيا والعراق. تونس وحدها هي التي تحافظ على التزامٍ مستقرٍّ نسبيًا بحرّية الصّحافة بين بلدان الربيع العربي. في العراق، ما تزال الصورة معقدة. أدّت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عام 2019 إلى مقتل مئات المتظاهرين،في حين تعرّض العديد من الصحفيين الذين غطّوا الاحتجاجات للاضطهاد والتّهديدات من الميليشيات الخارجة عن القانون وحملة قمع من قِبل الحكومة. وقد حدثت تغييرات في القمّة منذ ذلك الحين – منها استقالة رئيس الوزراء. كانت هناك آمال كبيرة في أن رئيس الوزراء الجديد، “مصطفى الكاظمي” – وهو رجلٌ أمضى عقودًا في العمل كصحفيٍّ وناشط يوثّق انتهاكات حقوق الإنسان – قد يُحدث تغييرًا، لكن الأمور لم تتحسن حتى الآن. على سبيل المثال لا الحصر، قام مسلّحون مجهولون في مارس/آذار 2020 باختطاف الصحفي “توفيق التّميمي” في العاصمة بغداد بينما كان في طريقه إلى العمل. وهو مفقود منذ ذلك الحين. وبعد بضعة أشهر، في يوليو/تموز، اغتال مسلّحون مجهولون هشام الهاشمي،الباحث الخبير في الجماعات المسلّحة. وقد قُتِل عائدًا من مقابلة مع قناة تلفزيونية محليّة. وفي عام 2020 أيضا، قتل مسلّحون مجهولون المراسل “أحمد عبد الصمد” والمصوّر “صفاء غالي”، بينما كانا يغطّيان المظاهرات في البصرة. بعد الكشف عن قضايا فساد مختلفة في محافظة المثنى، تعرّض الصّحفي “حيدر الحمداني” للتهديد، ففرّ هو وعائلته من بلدته. في بدايات هذا الشهر، حاول مسلّحون اغتيال مراسل القناة الفضائية أحمد حسن، وأصابوه برصاصة في رأسه ؛ وهو الآن في العناية المركزة متمسّكًا بالحياة. مايزال جميع مرتكبي هذه الجرائم طليقين، على الرغم من تعهُّد الحكومة بالقبض على المسؤولين عنها. الوضع مزرٍ للغاية لدرجة أن لجنة حماية الصحفيين تصنّف العراق في المرتبة الثالثة في مؤشرها العالمي للإفلات من العقاب، خلف الصومال وسوريا فقط. هذا التصنيف يسلّط الضوء على البلدان التي يُستهدف فيها الصحفيون ليُقتلوا ولا يُعاقب قَتَلتهم. أدرج التصنيف 21 جريمة قتل للصحفيين لم تُحلّ في العراق. كما كتبتُ هذا المقال، اعتقلت قوات الأمن العراقيّة المحامي والمحلل السياسي “إبراهيم الصميدعي“ بسبب تصريحات له زُعم أنه أهان فيها السلطات العامة. يفرض القانون العراقي بصيغته الحالية عقوبات صارمة: السّجن المؤبّد أو عقوبة الإعدام لمن يدان بإهانة الرّئيس أو البرلمان أو الحكومة، والسجن لمدّة سبع سنوات لمن يهين المحاكم أو القوّات المسلحة أو السّلطات العامة أو الوكالات الحكوميّة. وعلى الرغم من أن معظم الذين قُتلوا أو تعرضوا للترهيب في العراق اليوم ليسوا صحفيين، إلا أن هذه الهجمات لا تزال تتطلب إجابات. ولكن في هذا العصر من الترهيب المجتمعي العام، أصبح من الصّعب، إن لم يكن من المستحيل، على الصحفيين الاستقصائيين العمل تحت هذه الضغوط. الإفلات من العقاب في الحالات المذكورة أعلاه له آثاره المثبّطة على الصحافة. وبات الصّمت السبيل الوحيد لكي لا يخسر المرء حياته.
عن المرجع الألكتروني للمعلوماتية: الصحافة الاستقصائية: ظهرت الصحافة الاستقصائية مع بداية تطور مفهوم الصحافة ودورها في المجتمع واتجاهها إلى الإبراز والتركيز والتحري عن قضايا معينة تحدث في المجتمع، خاصة جوانب الانحراف والفساد ونتيجة لذلك سمي محرروها بالمنقبين عن الفساد. يشير الباحث العراقي “حسن علي الدنيف” في كتابه “دور الصحافة الاستقصائية في مكافحة الفساد المالي والإداري والحد من الجريمة المنظمة”، بأن هؤلاء الصحفيين اعتمدوا في حركتهم الصحفية على نشر التحقيقات الصحفية الكاشفة المبنية على وثائق رسمية وخاضعة لمراقبة الخبراء، وبرزت حركة المنقبين عن الفساد كقوة مهمة عام 1906، يعود الفضل إليها في العديد من الإصلاحات التي تمت في المجتمع الغربي. انتشرت الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة الأميركية خلال فترة السبعينيات من القرن العشرين، وتُستخدم الصحافة الاستقصائية الآن بشكل متسع في مجالات كشف الفساد في المجتمع وتقديم الرؤية الاستقصائية الشاملة، التي لا تستطيع أن تقدمها وسائل الإعلام الأخرى، وقد صاحب هذا نمو متزايد في توظيف الحاسبات الإلكترونية لأغراض تصنيف المعلومات والبيانات الكثيرة التي يحصل المحررون الإستقصائيون عليها، وتحليلها بشكل يساعدهم على الوصول إلى خلاصات كمية دقيقة.