جديد

أطياف في مرقد الامام الكاظم

رياض سعد

بعد قانون الإصلاح الزراعي الذي جرّد شيوخ العشائر من أراضيهم الشاسعة وعبيدهم الزنوج ، جاء الشيخ غضبان من جنوب العراق إلى بغداد، يحمل في قلبه جرحَين: جرح الأرض المسلوبة، وجرح الذاكرة المثقلة بالأمجاد … ؛ لم يكن قد خسر الأرض فقط، بل خسر المعنى الذي كان يمنحه لنفسه: سيدًا، مالكًا، مركزًا تدور حوله الحكايات والرجال… ؛ و في بغداد، صار رجلًا عاديًا يتوكأ على ذاكرةٍ أثقل من جسده…
كان يتردد كل يوم على المسجد في محلّته الشعبية، وفي كل جمعة يشدّ الرحال إلى مرقد الإمام الكاظم، كأنما يبحث في تلك القباب الذهبية عن ظلّ ماضٍ تآكل…
كان المسجد ملاذه الوحيد، ومرقد الإمام الكاظم وطنه البديل… ؛ هناك، كان يقف طويلًا، كأنه يحاول أن يقايض السماء بخساراته الأرضية…
وفي إحدى الجمع، بينما كان الشيخ راكعاً في صحن المرقد، وسط ضجيج الدعاء ووشوشات المتوسّلين، أُغمي عليه فجأة… ؛ وسقط في الصحن، بين دعاءٍ لم يكتمل ونَفَسٍ لم يعد.
حمله الناس واترابه مسرعين إلى المستشفى، وخلفهم حمدي الصغير، ذو العشر سنوات، يلهث بخطواته القصيرة وقلبه ينبض بالقلق…
كان جده يغمره بالدلال والحنان ؛ و لا يمنع عنه شيئاً، كأنما يعوّضه بحنانه عن شيء غامض لم يدركه الطفل حينها… ؛ وما إن وصل الشيخ إلى المستشفى حتى وافته المنيّة، تاركاً في روح حمدي شرخاً لم يلتئم منذ ذلك النهار.
منذ تلك اللحظة، تعلّق قلب حمدي بمرقد الإمام الكاظم… ؛ و صار يذهب إليه كلما استطاع، لا للزيارة وحدها، بل للقاء طيف جدّه الذي كان يراه بين الأعمدة الرخامية، ويسمع صدى صوته الشجيّ مختلطاً بأصوات الداعين والمسبّحين… ؛ كان يعرف أن هذا مجرد خيال، أو لعلّه لم يكن يريد أن يعرف غير ذلك…
صار يرتاد المرقد لا بدافع الحزن وحده، بل بدافع الفضول أيضًا… , جلس في الزاوية نفسها سنوات طويلة، يراقب الوجوه، يصغي للأصوات، يتأمل البشر كما لو كانوا نصوصًا مفتوحة… ؛ تعلّم أن يقرأ العيون: عينٌ جاءت تطلب الشفاء، وأخرى تهرب من ذنب، وثالثة تبحث عن معنى لا تعرف اسمه…
كان يرى في المرقد صورة مكثفة للعالم:
الفقراء والأغنياء، المؤمنون والمرتبكون، الباكون والصامتون…؛ كلهم يقفون في صفٍ واحد، أمام سؤالٍ واحد، وإن اختلفت الإجابات.
نعم , عبر سنوات طويلة وعقود متعاقبة، رأى كل شيء: رأى الأمهات يحملن أطفالهنّ على الأكتاف، والعجائز يجلسن على الكراسي المتحركة، والشباب يدفعون كراسي آبائهم المقعدين… ؛ رأى الدموع تسيل على خدود أنهكها السؤال، ورأى العيون تلمع بفرح غامض كمن وجد ضالّته…
اعتاد حمدي أن يجلس في إحدى زوايا الحضرة الكاظمية، حيث الشباك الفضي المذهّب أمامه، وفوقه تتدلى ثريات الكريستال مثل عناقيد من نور، ومن حوله تنبعث روائح العطر الممزوجة بخشوع المكان…
كان يجلس هناك ليتأمل في نفسه وفي الناس، وأحياناً ليتذكر طيف جده…
ذات مساء، بينما كان غارقاً في صمته المعتاد، دخلت مجموعة من الشباب…؛ كانوا يشبهون أطيافًا من زمنٍ آخر ؛ على جباههم أثر السجود على التربة، علامة داكنة كختم قديم… , عيونهم غائرة من كثرة البكاء والسهر وقراءة الأدعية، وجوههم شاحبة كأن الضوء الخارجي لم يلمسها منذ زمن بعيد… , كانوا جميعاً يرتدون ملابس بسيطة توحي بالزهد : الدشاديش العربية، وعلى رؤوسهم طاقيات جوزية اللون، تشبه طاقيات المتصوفة الأتراك والإيرانيين في القرون الغابرة…
منظرهم كان يوحي بأنهم كومبارس في مسرحية تاريخية قديمة، أو بأنهم تسرّبوا من شقّ في الزمن، قادمين من عصر لا يمتّ إلى هذا العصر بأي صلة…
حتى إيماءاتهم كانت غريبة: خفض الرأس عند التحية، وضع اليد على الصدر بانحناءة تذكّرك برهبان منسيين في دير مهجور… ؛ كانوا يتحدثون همساً عن الكرامات وخوارق العادات، عن الغيبيات والميتافيزيقيات، عن عوالم لا يراها غيرهم، لكنهم كانوا صفر الأيدي من كل ما يمتّ إلى العلوم الحديثة بصلة: لا يفقهون في علم النفس شيئاً، ولا في علم الاجتماع، ولا في الاقتصاد ولا السياسة… ؛ فضلاً عن جهل مطبق بكل معارف وتقنيات الحاسوب والذكاء الاصطناعي… ؛ كانوا منصهرين معاً كمعادن صدئة في بوتقة عتيقة، لا همّ لهم في قضايا الوطن، ولا علاقة لهم بهموم المواطن، ولا اكتراث بما يثقل كاهل الناس من أزمات…
تأملهم حمدي طويلاً، ثم فكر وقال : “إنها حريات شخصية”…
لكن فكرة أخرى، أعمق وأشدّ قتامة، تسللت إلى ذهنه كدخان خفي: ماذا لو تحوّل الشعب كلّه، أو أغلبيّته، إلى نسخ طوباوية شبيهة بهذه النسخة؟!
ماذا لو انسحب الجميع من الحاضر إلى أقبية الغنوصية المغلقة وزوايا التاريخ المهملة والرؤى الطوباوية ؟ !
ماذا لو صار الوطن كلّه مرقداً كبيراً، وخلت الشوارع من الساعين، والمصانع من العاملين، والمدارس من المتعلمين؟!
ماذا لو توقف الزمن في عقول الناس، بينما يمضي الزمن الحقيقي دونهم، ساحقاً إياهم تحت عجلات أمم أخرى تجيد فن الحياة والعلم معاً؟!
وهل يمكن للإنسان أن ينجو بروحه إذا أهمل عقله؟
وهل يكفي الإيمان وحده لبناء حياة، أم أنه يصبح، حين ينفصل عن الواقع، نوعًا آخر من الهروب؟
نظر إلى الشباك الفضي مرة أخرى، فرأى فيه انعكاساً باهتاً لوجهه هو نفسه… ؛ سأل نفسه: هل أنا منهم؟ هل صرت واحداً من تلك الأطياف التي تعيش في الماضي لأن الحاضر يؤلمها، والمستقبل يخيفها؟!
في تلك اللحظة، اختلط طيف جده في ذاكرته بوجوه هؤلاء الشبان، وتساءل: هل كان جدي هارباً أيضاً حين كان يأتي إلى هنا؟!
هل كان الفرق بينه وبينهم أنه كان يحمل جرحاً حقيقياً، أرضاً مسلوبة فعلاً، بينما هم يحملون… ماذا؟!
خوفاً من العصر؟ هروباً من المسؤولية؟ زهداً في دنيا لم يتعلموا كيف يعيشونها؟
نهض حمدي من مكانه وهو يشعر بشيء ثقيل في صدره، ليس حزناً ولا خوفاً، بل سؤال وجودي عارٍ: كيف نكون في الدنيا ونحن على وشك مغادرتها…؛ دون أن ننسى أننا فيها؟!
وكيف نعمر الروح على حساب خراب الوطن ؟!
في تلك اللحظة، أدرك أن الإنسان لا يعيش بجانبٍ واحد…
فكما أن الروح تحتاج إلى معنى، فإن الحياة تحتاج إلى وعي…
وكما أن الإيمان يمنح الطمأنينة، فإن الفهم يمنح القدرة…
ابتسم ابتسامة خفيفة، كمن وصل إلى نصف الحقيقة فقط…
ثم نهض، ومشى ببطء، تاركًا خلفه الأصوات تختلط:
دعاءٌ، وبكاءٌ، وأسئلة…
لا تنتهي…
خرج إلى الشارع المكتظ بالسيارات والبشر، وإذا بطفل صغير يبيع المناديل الورقية عند إشارة المرور… ؛ نظر إليه حمدي، فرأى في عينيه بريق الحياة التي تستحق أن تُعاش… ؛ اشترى منه كل المناديل، دون أن يدري لماذا، ومضى في طريقه، تاركاً خلفه أطياف الماضي، وحاملاً معه سؤال المستقبل…