د. فاضل حسن شريف
وردت كلمة “لكن” ومشتقاتها (وَلَكِنْ، وَلَكِنَّ، لَكِنِ) في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، تفيد غالباً الاستدراك (تثبيت الحكم لما بعدها أو نفيه عما قبلها) والتوكيد، وتُهمل حرفياً إذا خُففت (لكنْ) فلا تنصب، وتعمل إذا شُددت (لكنَّ).أبرز المعلومات عن “لكن” في القرآن: عدد المرات: ذكرت “لكن” ومشتقاتها في حوالي 171 آية.المعنى: تستخدم للإضراب أو الاستدراك، وهي حرف ابتداء غير عامل في القرآن الكريم (مثل “لَـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ”).(لكن) في بداية الآيات: بدأت ثلاث آيات بكلمة “لكن”.أمثلة من القرآن:(وَلَكِنَّهُمْ): “أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ” (البقرة 12).(وَلَكِنْ): “وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا” (البقرة 102). (لَـٰكِنِ): “لَـٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ” (آل عمران 198). كتابة الكلمة:تكتب “لكن” في المصحف الشريف بدون ألف (لكن) وليس (لاكن)، وهي من الحروف التي تنطق ولا تكتب.
عن تفسير الميسر: قوله جل جلاله “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد”ٌ ﴿الحج 2﴾ يوم ترون قيام الساعة تنسى الوالدةُ رضيعَها الذي ألقمته ثديها، لِمَا نزل بها من الكرب، وتُسْقط الحامل حملها من الرعب، وتغيب عقول للناس، فهم كالسكارى من شدة الهول والفزع، وليسوا بسكارى من الخمر، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وإدراكهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل جلاله “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد”ٌ (الحج 2) “يوم ترَوْنها تذُهَلُ” بسببها “كل مرضعة” بالفعل “عما أرضعت” أي تنساه “وتضع كل ذات حمل” أي حبلى “حملها وترى الناس سكارى” من شدة الخوف “وما هم بسكارى” من الشراب “ولكن عذاب الله شديد” فهم يخافونه.
“لكنْ” (بالسكون) أو “ولكنْ” في القرآن الكريم حرف استدراك بامتياز، تهدف إلى رفع توهم أو دفع فهم خاطئ لما قبلها. وردت بأكثر من 60 موضعاً، غالباً ما تفصل بين جملتين، حيث تُثبت حكماً لما بعدها نقيضاً لما قبلها، كما في قوله تعالى: “وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”.أبرز دلالات واستخدامات (لكن) في القرآن:الاستدراك: هو المعنى الأصلي، حيث يأتي ما بعدها لتصحيح أو إكمال ما قبلها.الإضراب (بمعنى بَلْ): قد تأتي لإفادة الإضراب عن الحكم السابق والبدء بحكم جديد، خاصة إذا وليتها جملة اسمية.حرف ابتداء: إذا جاءت مخففة (ساكنة النون) فإنها تكون حرف ابتداء لا يعمل، وما بعدها مبتدأ وخبر.أمثلة قرآنيّة: “لَـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ” (سورة النساء).”وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (سورة البقرة).ملاحظة نحوية: (لكنْ) الساكنة لا تعتبر حرف عطف عند كثير من النحاة، بل هي حرف ابتداء للاستدراك.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد”ٌ ﴿الحج 2﴾ قوله تعالى:” يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ” ﴿الحج 2﴾ الذهول الذهاب عن الشيء مع دهشة، والحمل بالفتح الثقل المحمول في الباطن كالولد في البطن وبالكسر الثقل المحمول في الظاهر كحمل بعير قاله الراغب. وقال في مجمع البيان،: الحمل بفتح الحاء ما كان في بطن أوعلى رأس شجرة، والحمل بكسر الحاء ما كان على ظهر أوعلى رأس. قال في الكشاف،: إن قيل: لم قيل: “مرضعة” دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، و المرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل: مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة. وقال: فإن قلت: لم قيل أولا: ترون ثم قيل: ترى على الإفراد؟ قلت: لأن الرؤية أولا علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا بكون الناس على حال السكر فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم انتهى. وقوله: “وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى” ﴿الحج 2﴾ نفى السكر بعد إثباته للدلالة على أن سكرهم وهو ذهاب العقول وسقوطها في مهبط الدهشة والبهت ليس معلولا للخمر بل شدة عذاب الله هي التي أوقعتها فيما وقعت وقد قال تعالى: “إن أخذه أليم شديد” (هود 102). وظاهر الآية أن هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى التي يخبر تعالى عنها بقوله:” وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ” (الزمر 68) وذلك لأن الآية تفرض الناس في حال عادية تفاجئهم فيها زلزلة الساعة فتنقلب حالهم من مشاهدتها إلى ما وصف، وهذا قبل النفخة التي تموت بها الأحياء قطعا. وقيل: إنها تمثيل شدة العذاب أي لو كان هناك راء يراها لكانت الحال هي الحال، ووقوع الآية في مقام الإنذار والتخويف لا يناسبه تلك المناسبة إذ الإنذار بعذاب لا يعلم به لا وجه له. تذكر الآيات أصنافا من الناس من مصر على الباطل مجادل في الحق أو متزلزل فيه وتصف حالهم وتبين ضلالهم وسوء مآلهم وتذكر المؤمنين وأنهم مهتدون في الدنيا منعمون في الآخرة.
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله “يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد”ٌ ﴿الحج 2﴾ هذا كناية عن هول الساعة وشدتها، حيث لا مرضع ولا حامل يومذاك أي لو كان ثمة مرضع لذهلت أو حامل لوضعت. والكل يمورون ويضطربون من الفزع والهلع، تماما كما يضطرب السكران.