إيهاب مقبل
منذ سنوات، اعتمدت ما يسمى “إسرائيل” على مفهوم “الحرب بين الحروب”، وهي استراتيجية تقوم على تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية مستمرة في العمق المعادي، دون الوصول إلى حرب شاملة. وفي قلب هذا التحول برز اسم اللواء الإسرائيلي تومر بار، قائد سلاح الجو الإسرائيلي بين عامي 2022 و2026، كأحد أبرز العقول العسكرية التي أعادت تشكيل العقيدة الجوية الإسرائيلية في المنطقة.
ولد تومر بار عام 1969، وبدأ مسيرته العسكرية كطيار مقاتل على طائرات F-16 وF-15، قبل أن يتدرج في المناصب حتى أصبح قائدًا للسرب 69، أحد أكثر الأسراب الإسرائيلية ارتباطًا بالعمليات الاستراتيجية والبعيدة المدى. وخلال قيادته لذلك السرب، شارك في التحضيرات لعملية قصف المفاعل النووي السوري عام 2007، وهي العملية التي كشفت مبكرًا عن توجه إسرائيلي يعتمد على الضربات الدقيقة والاختراق العميق دون إعلان رسمي.
لكن صعود بار الحقيقي بدأ عندما انتقل من عالم الطيران القتالي إلى التخطيط العملياتي. فقد تولى رئاسة العمليات الجوية وهيئة الأركان الجوية، ثم أصبح قائدًا لسلاح الجو الإسرائيلي في مرحلة كانت فيها تل أبيب تواجه خصومها في إيران وسوريا والعراق ولبنان واليمن وقطاع غزة.
خلال سنوات قيادته، توسعت العمليات الجوية الإسرائيلية بشكل غير مسبوق. فالغارات لم تعد تقتصر على سوريا، بل امتدت إلى مساحات أوسع في المنطقة، وسط حديث متزايد عن تنسيق استخباراتي معقد، وعمليات خاصة خلف خطوط الخصوم، واستخدام قواعد متقدمة ومؤقتة لدعم الهجمات بعيدة المدى.
وفي هذا السياق ظهر التقرير المثير الذي تحدث عن إقامة قاعدة إسرائيلية سرية في صحراء النجف العراقية، قرب الممرات الصحراوية الغربية، لتكون نقطة دعم لوجستي وارتكاز للقوات الخاصة الإسرائيلية خلال الحرب مع إيران. ووفق التسريبات، فإن القاعدة ضمت مقاتلون من الوحدات الخاصة التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وكانت جزءًا من منظومة تشغيل واسعة سمحت لسلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الإيرانية.
ورغم عدم وجود دليل رسمي يربط تومر بار شخصيًا بإدارة القاعدة، فإن طبيعة مسيرته العسكرية تجعل اسمه حاضرًا بقوة في أي نقاش حول تلك العملية. فالرجل لم يكن مجرد قائد إداري، بل أحد مهندسي مفهوم “العمق العملياتي المتحرك”، الذي يعتمد على الجمع بين التفوق الجوي والعمل السري والاستخبارات الميدانية.
وقد زادت الشبهات بعد تصريحه الشهير خلال الحرب في أوائل مارس آذار 2026، حين قال أمام حشد من الجنود: “مقاتلون من الوحدات الخاصة التابعة لسلاح الجو ينفذون هذه الأيام مهام خاصة قد تشعل الخيال”.
ولم تكن هذه الجملة مجرد تعبير بلاغي عابر، بل بدت وكأنها رسالة مشفرة متعددة الطبقات. فعندما تحدث بار عن “الوحدات الخاصة التابعة لسلاح الجو”، فإنه لم يكن يشير إلى الطيارين التقليديين، بل إلى عناصر تعمل في الظل: “فرق إنقاذ قتالي، وحدات توجيه أرضي، عناصر تخريبية، وعناصر استطلاع سري، وقوات تعمل داخل أراضٍ معادية لتأمين مسارات الضربات الجوية أو إنشاء نقاط ارتكاز مؤقتة خلف خطوط الخصوم”.
أما استخدامه لعبارة “هذه الأيام” فحمل دلالة زمنية مهمة، إذ أوحى بأن العمليات كانت جارية لحظة التصريح، وأن تل أبيب لم تكن تنفذ مجرد غارات متفرقة، بل تدير حملة مفتوحة وعميقة ذات أبعاد استخباراتية وميدانية متواصلة.
لكن العبارة الأخطر كانت “قد تشعل الخيال”. فهنا خرج بار من اللغة العسكرية التقليدية إلى خطاب نفسي وإعلامي محسوب بدقة. لقد أراد أن يخلق صورة ذهنية لعمليات غير مألوفة، تتجاوز مفهوم الحرب الجوية التقليدية نحو عالم العمليات السرية، والتسللات العميقة، والقواعد المؤقتة، والعمل داخل دول بعيدة عن الحدود الإسرائيلية.
وبعد التسريبات المتعلقة بقاعدة صحراء النجف، بدأ كثيرون يعيدون قراءة ذلك التصريح باعتباره تلميحًا مبكرًا إلى وجود بنية عملياتية إسرائيلية سرية داخل العراق. فالجملة بدت وكأنها محاولة مدروسة لتهيئة الرأي العام الداخلي، وإرسال رسالة ردع نفسية للخصوم في الوقت نفسه، مفادها أن الكيان الصهيوني قادر على الوصول والعمل في أماكن لا يتوقعها أحد.
ومن زاوية الحرب النفسية، تعكس العبارة فلسفة تومر بار العسكرية بالكامل، فهو ينتمي إلى جيل من القادة الإسرائيليين الذين يؤمنون بأن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالغموض، والصدمة، والتفوق الاستخباراتي، وإبقاء الخصم في حالة ارتباك دائم حول حجم الاختراق الحقيقي لبيئته الأمنية.
في حينها اعتُبرت تصريحات بار مجرد كلمات غامضة لرفع المعنويات، لكن بعد ظهور التقارير حول القاعدة العراقية، تحولت تلك الكلمات إلى جزء من صورة أكبر، صورة تشير إلى أن ما يسمى إسرائيل ربما انتقلت خلال عهده من مرحلة “الضربات الجوية التقليدية” إلى نموذج أكثر جرأة وخطورة، يعتمد على التمركز المؤقت، والعمل العابر للحدود، والجاهزية لتنفيذ عمليات طويلة المدى داخل العمق العراقي والإيراني.
كما أن اختيار صحراء النجف لم يكن عشوائيًا. فالمنطقة الصحراوية الشاسعة قليلة السكان تمنح أي قوة عسكرية قدرة على إنشاء مواقع مؤقتة يصعب رصدها، وهي البيئة نفسها التي استخدمتها القوات الأمريكية سابقًا في عملياتها ضد الجيش العراقي عامي 1991 و2003.
ومع أن الحكومة الإسرائيلية لم تؤكد رسميًا وجود القاعدة، فإن مجمل المؤشرات توحي بأن تومر بار كان أحد أبرز مهندسي مرحلة جديدة من الحرب الإسرائيلية في المنطقة، مرحلة تختلط فيها القوة الجوية بالعمل السري، والتكنولوجيا بالحرب النفسية، والضربات المباشرة بالانتشار الخفي في عمق الخصوم.
انتهت ولاية تومر بار في 5 مايو أيار الجاري 2026، لكن الجدل حول دوره الحقيقي في إدارة الحرب السرية ضد إيران لا يزال مستمرًا. وبينما يراه العرب والمسلمين سافكًا للدماء ومهندسًا لأوسع حملة جوية إسرائيلية في تاريخ المنطقة، يعتبره الصهاينة رمزًا لمرحلة انتقلت فيها تل أبيب إلى أسلوب أكثر جرأة وغموضًا وخطورة في إدارة الصراع الإقليمي، عنوانه الأبرز: “الحرب من الظل”.
انتهى