حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة وضرورة البناء وتجنب الخسائر

رياض سعد

مقدمة

تمر المجتمعات البشرية بمراحل تاريخية تتشكل فيها وعيها الجماعي من خلال تراكم التجارب والمعاناة… ؛ والعراق، بوصفه نموذجاً لبلد عريق عانى ويلات الحروب والديكتاتورية والقمع لعقود طويلة، يشهد اليوم ظاهرة تستحق الوقوف عندها بتأنٍ: ظاهرة كثرة العطل الرسمية والتعطيل المتكرر للحياة العامة، التي تحولت من متنفس طبيعي إلى عبء إضافي على المواطن والوطن.

يُعاني العراق اليوم من ظاهرة فريدة قلما يجود بها الزمان على بلد: إدمان التعطيل… ؛  ففي الوقت الذي تسعى فيه الأمم إلى مضاعفة ساعات العمل رفعاً للإنتاج، بات العراقي يتنقل بين عطلة وأخرى كمن يسير في متاهة من الفراغ… ؛ اذ تشير التقديرات إلى أن مجموع العطل الرسمية وغير الرسمية في العراق يصل إلى ما بين 130 و150 يوماً سنوياً، أي ما يعادل نحو ثلث العام، مما يجعله من بين الدول الأكثر تعطيلاً في العالم.

هذا العدد المهول من أيام التعطيل لم يعد مجرّد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تهدد الاقتصاد، وتُعمّق البيروقراطية، وتُربك التعليم، وتُرسخ ثقافة الكسل في المجتمع… ؛ و هذا التحليل يُقدّم قراءة موسّعة لهذه الظاهرة بأبعادها المتشابكة، مُعتمداً على الشواهد والإحصاءات الدقيقة.

أولاً: السياق التاريخي: العراقي بين التعب المزمن والأمل المؤجل

شكّل الإرهاق المزمن جزءاً أصيلاً من سيرة العراقيين طوال عقود ممتدة؛ فعلى امتداد ثلاثة وثمانين عاماً من الحكمين الملكي والجمهوري، لم يذق المواطن طعم الراحة ولا عرف معنى الاستجمام.

كان العراقي يركض كالوحوش في البراري بحثاً عن لقمة العيش، تحت مضايقات حكومية متواصلة ومطاردات أمنية خانقة وعسكرة شاملة للحياة اليومية… ؛  وقد تعددت صور القسوة: سجين يُحرَم سنواتٍ من رؤية أهله ولا يدري عنهم شيئاً، بل يُمنع حتى من النوم على غير “الصبّة” الكونكريتية الباردة؛ عسكري ينقطَع عن زيارة أسرته أشهراً طويلة أثناء الحروب والمعارك؛ جندي يُمنع من الوصول إلى بيته أياماً طويلة متصلة… ؛  أما الموظف العراقي فكان يكدح ساعات النهار الطوال، ولا ينال في نهاية الأسبوع سوى عطلة واحدة هي يوم الجمعة فقط… ؛  وفي قطاع التصنيع العسكري كانت الصورة أشد بؤساً؛ عمال يعملون ست عشرة ساعة يومياً في ظروف أقرب إلى العبودية، تضاف إليها حملات السخرة التي كانت تمارسها الأجهزة القمعية بحق المواطنين المساكين .

باختصار، كان العراقي يتوق إلى الراحة، إلى السكينة، إلى الطمأنينة… .

ثانياً: سقوط النظام وانبلاج الصباح: هل كان التعطيل هو الحل؟

سقط النظام الهجين عام 2003، وانبلج الصباح، وأشرقت الشمس على العراق والعراقيين من جديد. إلا أن شراذم البعث وأيتام النظام الصدامي وشذاذ الطائفية لم يغمض لهم جفن، فراحوا يشنون الحملات والصولات تلو الصولات ضد العراق والعراقيين… ؛  فقد فجروا آلاف السيارات والآليات، ونفذوا آلاف العمليات الانتحارية، حتى سقط مئات الآلاف من الضحايا لتلك الهجمات الإرهابية والجرائم التكفيرية والمجازر الإجرامية.

في ذلك الوقت، كان العراقي يتوق لأخذ قسط من الراحة بعد كل تلك السنين العجاف… ؛  وكان المنتظر والمأمول من العراقيين أن يُبنى الإنسان العراقي من جديد، وكان من عناصر البناء تلك خلوده إلى الراحة والاستجمام وإعادة تشكيل شخصيته ووعيه بما ينسجم مع معطيات الأجواء الديمقراطية والحرية والوفرة المالية.

نعم , في ذلك الوقت العصيب، كان المنتظر من بناء الدولة الجديدة أن يُعاد تشكيل الإنسان العراقي على أسس تنسجم مع أجواء العملية السياسية الجديدة، وكان الخلود إلى شيءٍ من الراحة والاستجمام جزءاً طبيعياً من عملية البناء تلك , كما اسلفنا .

ومن هنا بدأ المشرّع والمسؤول الحكومي في إقرار عطلات رسمية متلاحقة، بمناسبة وبدون مناسبة، حتى أضحت البلاد من أكثر دول العالم تعطيلاً… ؛  وتُوِّج ذلك بإقرار عطلة يومين أسبوعياً هما الجمعة والسبت، ليصل مجموع أيام التوقف الرسمي إلى ما يتجاوز مئة وخمسين يوماً سنوياً إذا حسبنا العطل الدينية والوطنية والموسمية والمحلية… الخ .

ثالثاً: تحول الراحة إلى إدمان تعطيل: قراءة نقدية

شرع المشرع العراقي والمسؤول الحكومي عطلات رسمية كثيرة كما مر انفا .

قد يكون هذا الإجراء مقبولاً بعد كل هذه المخاضات والصراعات والانتكاسات والحروب والأزمات… ؛  إلا أن الأمر الآن اختلف اختلافاً جذرياً؛ فكما أن العراقي يحتاج إلى الراحة، كذلك العراق يحتاج إلى التنمية والنهوض والازدهار… ؛  وهذا الأمر لا يتحقق إلا من خلال بذل الجهود الحثيثة، وسهر الليالي، والتضحية بالغالي والنفيس.

إلا أن البعض يصر، ولغايات منكوسة غير التي ذكرناها آنفاً، على التعطيل المستمر لدوائر الدولة ولحياة الناس، بحجة المناسبات الوطنية، أو بذريعة الشعائر والطقوس الدينية، وغيرهما من المناسبات الاجتماعية والرياضية.

رابعاً: شواهد التحول: نعطل للفرح وللحزن وللراحة وللتعب

لقد وصلنا إلى حالة هزلية مريرة: أصبحنا نعطل عندما نفرح بفوز المنتخب العراقي، ونعطل عندما نحزن، ونعطل عندما نتعب، ونعطل عندما نرتاح… ؛  أضحت العُطل تعكس واقعاً معقداً ومنكوساً نعيشه اليوم، حيث لم تعد العطل مجرد مناسبات للتعبير أو الراحة أو التعبد، بل تحولت إلى عامل إضافي يزيد من معاناة المواطنين وتأخر العراق وإضرار بمصالحه.

خامساً: التداعيات السلبية على المواطن والوطن

أولاً: على المستوى الاقتصادي:

كثرة التعطيل تعني تراجع الإنتاجية، وتباطؤ عجلة التنمية، وضياع فرص الاستثمار… ,  فالعراق اليوم بأمس الحاجة إلى أيام عمل منتجة تسهم في إعمار ما دمرته الحروب، وبناء ما هدمته الأزمات والحروب  والصراعات وعقود الاهمال .

وقد بلغ الأمر حداً أصبحت معه كثرة العطل سبباً مباشراً في تأخّر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ، وانجاز معاملات المواطنين ؛  لتتحول العطلة – في مفارقة مريرة – من متنفّس للأزمة إلى أداة لتعميقها.

نعم، أصبحت كثرة العطل تُعمّق الأزمات بدلاً من أن تكون متنفساً لها… ؛ فحين تتوقف دوائر الدولة أياماً طوالاً، تتعطل المعاملات، وتتأخر المستحقات، ويُحرَم المواطن من حقه المشروع في الخدمة الحكومية… ؛  فالاقتصاد الوطني يدفع ثمناً باهظاً لكل يوم تعطيل إضافي: مشاريع معلقة، عقود متوقفة، إنتاج متباطئ، وخسائر متراكمة لا تحمد عقباها.

إن التحديات الاقتصادية المتفاقمة والبطالة المرتفعة واهتراء البنى التحتية وتراجع الخدمات، كلها تستوجب العمل لا التوقف، وتفرض الإنجاز والبدء بالمشاريع لا الإجازات والتعطيل .

الأبعاد الاقتصادية: نزيف يومي بمئات الملايين

نعم , يكشف الجانب الاقتصادي عن الوجه الأكثر إيلاماً لهذه الظاهرة… ؛  فالعراق، الذي يعتمد بنسبة تصل إلى 90% على إيرادات النفط، يخسر يومياً بسبب التعطيل أموالاً طائلة دون أي مردود إنتاجي … .

 الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري يؤكد أن كل يوم عطلة يُكلف الدولة أكثر من 170 مليون دولار… ؛  أما الخبير نبيل المرسومي، فيقدر التكلفة السنوية الإجمالية للعطل (الرسمية وغير الرسمية) بما يصل إلى 34 تريليون دينار (نحو 26 مليار دولار)، وهو رقم يقترب من ثلث الموازنة العامة للدولة في بعض السنوات…!!

 هذه الأرقام ليست مجرّد تقديرات نظرية؛ فالخسائر تتوزع بين رواتب الموظفين التي تُدفع دون إنتاج فعلي، وتأخّر الحوالات المالية، وفقدان الإيرادات في الدوائر الخدمية.

وحين تُضاف العطل الطارئة التي تُقررها مجالس المحافظات لأسباب مختلفة -كالأحوال الجوية أو المناسبات- يزداد النزيف المالي… ؛ اذ يشير الخبير الاقتصادي عبدالرحمن المشهداني إلى أن العطل الأسبوعية وحدها (الجمعة والسبت) تصل إلى 104 أيام في السنة، أي ما نسبته 30% من العام، مع العلم أن عدد الموظفين الحكوميين يتجاوز 4.5 ملايين موظف، وتُدفع رواتبهم مقابل أيام لا يُنتجون فيها شيئاً… ؛ و هذه المعطيات تجعل الخسائر اليومية لا تقل عن 136 مليون دولار في أحسن التقديرات.

ثانياً: الأثر على الخدمات الحكومية: شلل بيروقراطي ومصالح معطلة

لا تقتصر الخسائر على الجانب المالي المحض؛ فالمواطن العراقي يدفع الثمن غالياً يومياً حين يحاول إنجاز معاملة رسمية… ؛ اذ يشكو العراقيون من “تأخير جنوني” في الدوائر الحكومية، نتيجة تراكم العطلات الرسمية والطارئة، إضافة إلى ظواهر مثل “التسرب” الوظيفي قبل العطل وبعدها، وعادة  “بين العطلتين عطلة” الذي يضاعف أيام التعطيل غير المحسوبة… ؛ و هذه التراكمات تجعل المعاملة التي قد تستغرق أياماً أو ساعات معدودة في أي بلد آخر، تمتد في العراق إلى أسابيع أو أشهر، مما يُثقل كاهل المواطن ويُضاعف من معاناته في الحصول على حقوقه الأساسية.

ثالثا : القطاع التعليمي: منهاج دراسي يضيع في زحمة الإجازات

يمثل التعليم أخطر ضحايا التعطيل المفرط… ؛  فكثرة العطل، لا سيما الطارئة منها التي تُعلن لظروف الطقس أو الأحداث الطارئة أو المناسبات الدينية ، تُحدث شرخاً حقيقياً في العملية التعليمية.

التربويون يحذرون من أن هذه العطل لا تؤدي فقط إلى تأخر المناهج الدراسية، بل تُسهم أيضاً في خلق حالة من التراخي والكسل لدى الطلبة، وتفقد المدرسين خططهم اليومية وتُربك الطلبة الذين يجدون أنفسهم مضطرين لاستيعاب كميات كبيرة من المنهج في فترات زمنية قصيرة.

الخبير التربوي يوسف الكروي يلفت إلى أن ملف العطل أثّر بشكل كبير على العملية التعليمية في اتجاهات متعددة، وأخذ أبعاداً مهمة تتطلب تدخلاً عاجلاً… ؛  فيما توصف المدرسة لمى سلمان هذه القرارات بأنها “غير ضرورية” وتؤثر سلباً على انتظام الدوام، حيث يُفاجأ المدرسون والطلبة بقرارات منتصف الأسبوع تعلن تعطيل الدوام بشكل فجائي.

الأسوأ أن هذه العطل قد تأتي في سياق متسارع: ففي مارس 2025 وحده، منحت الحكومة العراقية نحو 20 يوماً عطلة رسمية لأسباب مختلفة، مما يعني أن الطالب العراقي خسر شهر كامل من الدراسة في فترة حساسة.

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسه أشار إلى ضرورة الالتزام بالتقويم الأكاديمي المقرر وتوفير الوقت الكافي لإكمال المناهج، داعياً المحافظين إلى تقديم مبررات مشروعة لقرارات التعطيل.

فالمدارس والجامعات العراقية تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية ونقص المناهج والتكدس الطلابي، ثم تأتي العطل المتكررة لتضاعف الأزمة.

إذ تضيع مئات الحصص الدراسية سنويًا بسبب التعطيل المستمر، ما يخلق فجوة تعليمية حقيقية تؤثر في مستوى الطلبة والتحصيل العلمي. وأصبح العام الدراسي في بعض الأحيان أقرب إلى “عام متقطع” منه إلى سنة تعليمية مستقرة.

وقد انعكس هذا الواقع على مخرجات التعليم وسوق العمل، في وقت يحتاج فيه العراق إلى بناء جيل قادر على المنافسة والتكنولوجيا والإبداع… ؛  وتشير دراسات أكاديمية إلى أن تطوير الاقتصاد العراقي بات مرتبطًا بصورة كبيرة بالمعرفة والتكنولوجيا والاستثمار في الكفاءات البشرية.

رابعا : على المستوى الاجتماعي:

تكريس ثقافة التعطيل المتكرر يرسخ دوافع الكسل والفتور والاستهلاك لدى الأجيال الشابة، بدلاً من ترسيخ قيم الجد والاجتهاد والعمل والانتاج… ؛  وعندما يرى الشباب أن الدولة ذاتها تكرس فترات الراحة أكثر من فترات العمل، فإن رسالة غير مباشرة تصل إليهم بأن الإنجاز ليس قيمة عليا.

خامساً: على المستوى السياسي:

ومما زاد الطين بلة أن المسؤول السياسي لم يكتف باستغلال موارد الدولة في خوض غمار الانتخابات، بل راح يشرّع العطل ويكرّسها لأغراض انتخابية ضيقة، متوسّلاً بذلك كسباً شعبوياً رخيصاً… ؛  وبدلاً من أن يُربّي أبناء الشعب على الجد والاجتهاد والعمل والإنتاج، غدا يدرّبهم على الكسل والفتور والاستهلاك… ؛  إنها رسالة خطيرة تُوجّه إلى الأجيال الصاعدة بأن لا قيمة للسعي ولا وزن للإنجاز والانتاج .

هذا التسييس للعطل، وتحويلها إلى أدوات لكسب التأييد الشعبي الرخيص، يمثل خيانة لمصالح الوطن والمواطن.

البرلمان الذي يفترض أن يكون مؤسسة لتقنين العمل وتحفيز الإنتاج، حوّل نقاشاته حول العطل إلى حلبة صراع سياسي… ؛ فالبعض من النواب أكد  على أهمية مراجعة هذا القانون، قائلا: “هدفنا هو إنهاء تلك العطل المتواصلة التي تضر بالإنتاج ومصالح المواطنين في الدوائر الحكومية”… ؛  لكن في ظل التطوّرات الحالية، يبدو الحلم بعراق بلا تعطيل مفرط أمراً صعب التحقيق، ما لم يتحقق إجماع وطني على أولوية الإنتاج والتعمير.

الجذور السياسية: عندما يصبح التعطيل سلعة انتخابية

لكل هذه الأرقام والتداعيات عميقة  الجذور في البنية السياسية العراقية… ؛  فالعراق المجزأ على أسس طائفية وعرقية خلق لنفسه آلة تعطيل سياسية بحتة… ؛  فكل مكوّن يطالب بعطل خاصة به، متناسياً أن الدولة ليست ساحة انتزاع مكاسب بقدر ما هي مشروع وطني يحتاج إلى عمل دؤوب.

ومن بين أبرز المطالب: المسيحيون يطلبون 7 أيام عطل، الأيزيديون يطلبون 15 يوماً، واستقر الأمر على تشريع 11 عطلة رسمية سنوياً مضافاً إليها يومي الجمعة والسبت كعطلة أسبوعية، لكن الممارسة خالفت التشريع.

نعم , المشكلة الأعمق أن العطل في العراق لم تعد دائمًا مرتبطة بالحاجة الاجتماعية أو الدينية فقط، بل أصبحت أحيانًا جزءًا من أدوات الاسترضاء السياسي والشعبوية الانتخابية.

فبعض القوى السياسية تلجأ إلى إعلان العطل لكسب التعاطف الشعبي أو لمغازلة جمهور معين، حتى تحولت العطلة إلى وسيلة شعبوية سهلة بدل معالجة الأزمات الحقيقية كالبطالة والفقر والخدمات كما اسلفنا .

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: بدل أن تُربّي الدولة المجتمع على قيمة العمل والإنتاج واحترام الوقت، أصبحت ـ بصورة غير مباشرة ـ تعزز ثقافة الاتكالية والانتظار والاستهلاك.

وقد انعكس هذا الأمر حتى على المزاج الشعبي، حيث تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي حالة من “التطبيع” مع التعطيل المستمر، بل إن بعض الشباب باتوا ينظرون إلى العطلة المفاجئة بوصفها أمرًا اعتياديًا ومحببًا أكثر من انتظام الدراسة والعمل والانتاج …!!

سادسا : تداعيات أوسع وثقافة التعطيل

قبل كل هذه الأرقام التقديرية، ثمّة تداعيات لا تُحصى، أكثرها خطراً هو ترسيخ ثقافة التعطيل في المجتمع… ؛  فالمواطن الذي يعتاد على غياب الخدمات الحكومية، وتأخر إنجاز معاملاته، وفقدان أيام الدراسة لكرم عين المسؤولين؛ سيفقد تدريجياً حافز الإنتاج، وسيكتسب مع الوقت عادة سيئة تتمثل في الاتكالية والتراخي… .

 وفق تقرير لمنظمة تابعة للأمم المتحدة، فإن معدل عمل الموظف العراقي لا يتجاوز ساعة ونصف يومياً من أصل 8 ساعات، مما يضع العراق في صدارة دول العالم من حيث “البطالة المقنعة” وقلة الإنتاجية… ؛ و هو اختراق خطير لقيم المجتمع التي كانت تقوم على الجد والكد وطلب الرزق… ؛  وهكذا، يتحوّل التعطيل من مجرد استراحة محارب إلى أداة لهدم البنى التحتية المعنوية للدولة والمجتمع.

وهذا الأمر ينعكس بصورة خطيرة على ثقة المواطن بالدولة، لأن الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على تقديم الخدمات واستمرار عمل المؤسسات، لا بكثرة توقفها.

سادساً: الجذور النفسية والاجتماعية لثقافة التعطيل

لفهم هذه الظاهرة لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها… ؛  فالعراقي عاش لعقود طويلة تحت وطأة الحروب والحصار والقمع السياسي والعسكرة والإرهاق النفسي… ؛  لقد عاش المجتمع العراقي في حالة استنزاف دائم، سواء خلال الحروب الطويلة، أم في ظل العقوبات الاقتصادية، أم في سنوات العنف والإرهاب بعد 2003.

ومن الطبيعي أن يبحث الإنسان المرهق عن الراحة بعد عقود من الخوف والتعب والقلق والتوتر … ؛  لذلك، جاء التوسع في العطل بعد 2003 بوصفه محاولة غير مباشرة لتعويض المجتمع نفسيًا واجتماعيًا… ؛  فالدولة الجديدة أرادت أن تُظهر وجهًا مختلفًا عن الدولة الصارمة السابقة، فمالت إلى التوسع في الإجازات والعطل والمناسبات.

لكن المشكلة بدأت عندما تحولت هذه السياسة من “استثناء مرحلي” إلى “ثقافة دائمة”، ومن إجراء اجتماعي إلى نهج إداري وسياسي متكرر.

سابعا : نحو ثقافة جديدة للعمل

إن المطلوب اليوم ليس إلغاء المناسبات أو تجاهل الخصوصيات الدينية والاجتماعية، بل تنظيمها بصورة عقلانية تحقق التوازن بين حق المواطن في الراحة وحق الوطن في البناء.

العراق بحاجة إلى:

تقنين العطل غير الضرورية.

منع التعطيل العشوائي من الجهات المحلية.

تعويض ساعات العمل المفقودة.

اعتماد الحوكمة الإلكترونية لتقليل توقف الخدمات.

إعادة بناء ثقافة احترام الوقت.

تعزيز قيم العمل والإنتاج في المدارس والإعلام.

فالأوطان لا تنهض بكثرة التوقف، بل باستمرار الحركة والعمل… ؛  والعراق، الذي أضاع عقودًا طويلة في الحروب والأزمات، لا يملك رفاهية إضاعة المزيد من الزمن.

إن أخطر ما في “إدمان التعطيل” ليس عدد الأيام الضائعة فقط، بل تحوّله إلى عقلية عامة تبرر التراجع وتؤجل الإنجاز وتعتاد الكسل المؤسسي… ؛ وحين تصل الأمم إلى مرحلة يصبح فيها التعطيل أكثر حضورًا من العمل، فإن الأزمة لا تعود أزمة عطل فحسب، بل أزمة وعي وثقافة وإدارة دولة.

ثامناً: بين حق الراحة وواجب البناء

لا يمكن إنكار أن الإنسان يحتاج إلى الراحة، وأن المناسبات الدينية والوطنية تمثل جزءًا مهمًا من هوية المجتمع ووجدانه… ؛  لكن الفرق كبير بين احترام المناسبات وبين تحويل الدولة إلى مؤسسة كثيرة التوقف قليلة الإنتاج.

فاليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية خرجت من حروب مدمرة، لكنها لم تبنِ نهضتها عبر التوسع في العطل، بل عبر ترسيخ ثقافة الانضباط والعمل الجماعي واحترام الوقت.

أما العراق، فهو اليوم في مرحلة حرجة اقتصاديًا وتنمويًا، ويواجه تحديات البطالة والفساد وضعف الخدمات والاعتماد المفرط على النفط… ؛  وتشير نقاشات اقتصادية واسعة داخل المجتمع العراقي إلى خطورة استمرار هذا النمط الريعي والاستهلاكي دون بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.

تاسعا : الخلاصة: نحو مراجعة جذرية لثقافة العطل في العراق

ظاهرة كثرة العطل في العراق لم تعد مجرد إزعاج موسمي، بل تحولت إلى نزيف مالي وإداري واجتماعي وتعليمي يهدد أسس الدولة… ؛  فالاقتصاد يخسر مليارات الدولارات سنوياً دون أي مردود، المؤسسات الحكومية تشهد شللاً متصاعداً، التعليم يتردى نتيجة ضياع المناهج، والثقافة العامة تتجه نحو الكسل والاستهلاك بدل الإنتاج والبناء.

إذا كان العراقيون قد عانوا لعقود طويلة من بطش الأنظمة الديكتاتورية وقسوة الحياة، فإن “إدمان التعطيل” اليوم يشكل شكلاً آخر من أشكال القهر: قهر الفقر الناتج عن توقف الإنتاج، وقهر التخلف الناتج عن تعطل التعليم.

الخلاص أن حل هذه المشكلة لا يكمن فقط في إلغاء بعض العطل أو إعادة توزيعها، بل في إعادة بناء ثقافة وطنية جديدة أساسها: العمل قيمة، والإنتاج غاية، والراحة وسيلة لا هدفاً. على البرلمان والحكومة أن يضعوا حداً فورياً لهذه المهازل، وأن يشرّعوا قوانين صارمة تخفف من التعطيل، وتفرض رقابة صارمة على قرارات التعطيل المحلية… ؛  كما يجب على مؤسسات التربية والتعليم أن تعمل على إعادة تأهيل الطلاب وتذكيرهم بقيمة الوقت والجد، فالمستقبل لا يُبنى بالتعطيل، بل بالسهر والكدح وليس بالركون إلى الإجازات.

لا العراق في وضعه الراهن، ولا العراقي الغيور، يرضى بعد اليوم بهذا الكم الكبير من التعطيل المتعمد؛ لأن مصالح الوطن والمواطن لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل أو التعطيل ؛ وأعجز من أن تصبر على مزيد من الإرجاء… .

نحن بحاجة إلى مراجعة جذرية لقائمة العطل الرسمية، وتقليصها إلى الحدود المعقولة التي لا تضر بالإنتاج، ولا تتناقض مع متطلبات النهضة… ؛  نحتاج إلى ثقافة جديدة تقول: إن الراحة حق، لكن العمل واجب… ؛  وإن التعبير عن الفرح أو الحزن لا يحتاج بالضرورة إلى تعطيل مصالح الناس… ؛  وإن الديمقراطية الحقيقية تنتجها المجتمعات العاملة، لا المتعطلة.

العراق اليوم على مفترق طرق: إما أن نختار طريق التعطيل الذي يزيدنا تخلفاً وإحباطاً، أو نختار طريق العمل الذي يوصلنا إلى البناء والازدهار… ؛  والخيار لنا جميعاً: حكومةً ومواطنين وسياسيين ونخب وطنية .

ختاماً، فإن إعادة هيكلة منظومة العطل الرسمية لم تعد رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية ملحّة… ؛ و لا بد من نظرة عقلانية تقلّص العطل غير المبررة، وتحصر العطل الدينية والوطنية في نطاقها الأدنى، وتستثمر كل يوم عمل في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل العراق وأبنائه… ؛  فالراحة الحقيقية لن تتحقق في وطن لا ينتج، ولن تكتمل السكينة في مجتمع اعتاد التوقف عن الحراك.

وذكرى الماضي الأليم يجب أن تكون حافزاً للعمل لا عذراً للتعطيل. فكما صبر العراقيون على الجوع والخوف والقمع، فليصبروا اليوم على الجد والكد من أجل غدٍ أفضل.