الصدر وخامنئي.. دم نهضت به الامة

محمود المفرجي الحسيني

ما يجري اليوم من حرب ضد الاسلام المحمدي الاصيل ليس حدثا عابرا او صراعا مرحليا، انما هو صراع كوني يراد منه القضاء على كل القيم الاسلامية التي تحفظ الانسان وتضمن الحياة السعيدة للبشرية.
واذا كنا نحن ابناء الامة قد شهدنا هذه الحرب التي بنيت على مشروع صهيوني قائم على التفوق العسكري، ومشروع اسلامي خالص قائم على الايمان بالله، فان الادراك المبكر لقيادات الامة لمواجهة هذا التفوق لم يكن وليد اللحظة، بل كان تحضيرا قديما ورؤية بعيدة.
فهذه الالة الحربية التي تفتك اليوم بارواح المسلمين الابرياء، سبقتها مرحلة تنظيرية استهدفت ضرب الاسلام في العمق، وتحويل المجتمعات الاسلامية الى كيانات فاقدة للارادة والوازع الديني.
وقد جرت هذه الخطة بمساعدة بعض حكام الدول الاسلامية، الذين عملوا على اضعاف القيم الدينية واشاعة قيم الانحلال الاخلاقي والميوعة.
ومن هنا تبرز تجربتا السيدين الشهيدين محمد صادق الصدر وعلي خامنئي رضوان الله عليهما، بوصفهما مسارين التقيا عند نقطة مفصلية، حيث امتزج الوعي بالبناء، والفكرة بالمؤسسة، لينتج عن ذلك واقع جديد لم تعد فيه الامة مجرد متلقية للضربات، بل طرفا فاعلا في معادلة الصراع.
وقد رصدت ذهنيتنا القاصرة مجموعة من المشتركات بين هذين العظيمين، ابرزها:

أولا: انطلق كلاهما من فهم عميق لطبيعة التغيير، فلم يراهن اي منهما على النخب الضيقة او التحولات الفوقية السريعة، بل توجها مباشرة الى المجتمع الحي، الى الناس البسطاء الذين يشكلون العمود الفقري لاي تحول حقيقي. فقد ادرك السيد الشهيد الصدر ان ازمة العراق لم تكن سياسية فقط، بل ازمة وعي وهوية، فعمل على اعادة ربط الناس بالدين بوصفه طاقة محرّكة للحياة، تعيد للانسان ثقته بنفسه وبقضيته، في المقابل، عمل السيد الشهيد علي خامنئي على ترسيخ وعي سياسي عقائدي عميق، لا يكتفي بالشعارات، بل يبني انسانا قادرا على الفهم والتحليل والمواجهة، ما جعل الجماهير تتحول من حالة الانفعال الى حالة الفعل والمبادرة، وهذا التأسيس للوعي هو الذي صنع لاحقا مجتمعات لا تُهزم بسهولة، لأنها تدرك لماذا تقاتل.

ثانيا: لم يكن الدين عندهما مجرد وعظ اخلاقي او شعائر منفصلة عن الواقع، بل كان مشروعا شاملا يعيد تنظيم الحياة بكل ابعادها، فقد استطاع السيد الصدر ان يُدخل الدين الى تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، في السوق والشارع والبيت، محولا اياه من حالة نخبوية الى حالة شعبية حية، بينما ذهب السيد الشهيد خامنئي ابعد من ذلك، فعمل على تحويل هذا الفهم الى نظام دولة، تُدار فيه السياسة والاقتصاد والاجتماع وفق رؤية عقائدية واضحة.
هذا التكامل بين الدين كفكرة والدين كمؤسسة هو ما منح المشروعين قوة استثنائية، وجعلهما قادرين على الصمود امام التحديات.

ثالثا: كان الرهان في التجربتين على الفئات التي طالها التهميش لعقود، تلك التي لم تكن تملك صوتا في المعادلات التقليدية، فالسيد الشهيد الصدر اعاد الاعتبار لهذه الطبقات، ومنحها شعورا بالقيمة والانتماء، فخرجت من حالة التهميش الى حالة الفاعلية. وفي الاتجاه نفسه، تبنى السيد خامنئي خطاب المستضعفين، ليس كشعار عاطفي، بل كخيار استراتيجي، ما جعل هذه الفئات ترى في هذا المشروع امتدادا لكرامتها وحقوقها، وعندما تشعر الطبقات المهمشة انها جزء من مشروع، فانها تتحول الى قوة لا يمكن كسرها.

رابعا: في ظل بيئة مليئة بالضغوط والتحديات، برزت سمة الثبات كواحدة من اهم المشتركات بين الشخصيتين، فلم يكن هذا الثبات مجرد موقف سياسي، بل تعبير عن رؤية عميقة لا تقبل المساومة على المبادئ.
السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه واجه واقعا داخليا معقدا ومليئا بالمخاطر، لكنه لم يتراجع عن خطابه الاصلاحي، فيما وقف السيد الشهيد علي خامنئي رضوان الله عليه في مواجهة مباشرة مع قوى الهيمنة، رافضا الانحناء للضغوط الدولية، فهذا الاصرار على الثوابت هو الذي منح المشروعين مصداقية عالية، وجعل الجماهير تثق بأن قيادتها لا تساوم على قضاياها.

خامسا: جمع كلاهما بين العمق الفكري والحضور العملي، فلم يكونا مجرد منظرين يعيشون في عالم الافكار، ولا قادة ميدانيين بلا رؤية. فالسيد الصدر نزل الى الشارع، وخاطب الناس مباشرة، وقاد حركة اجتماعية دينية اعادت تشكيل المجتمع من الداخل، في المقابل، ادار السيد خامنئي دولة بكل تعقيداتها، لكنه حافظ على البعد الفكري الذي يؤطر هذا العمل، فلم تنفصل السياسة عن الفكرة، وهذا الجمع بين الفكر والحركة هو ما جعل التجربتين متماسكتين وقادرتين على الاستمرار.

سادسا: من خلال هذا التراكم، تشكلت بيئة حاضنة لفكرة المقاومة، حيث لم تعد المواجهة مجرد رد فعل على اعتداء، بل تحولت الى ثقافة راسخة داخل المجتمع. فالوعي الذي اسسه السيد الصدر خلق استعدادا نفسيا وفكريا لقبول فكرة المقاومة، بينما وفّر مشروع السيد خامنئي الإطار السياسي والدعم الذي حوّل هذا الاستعداد الى قوة فعلية على الأرض، وبهذا، لم تعد المقاومة حالة مؤقتة، بل اصبحت جزءا من هوية المجتمع.

سابعا: لم ينحصر هذا المشروع داخل حدود جغرافية، بل اتخذ بعدا اوسع يرتبط بقضايا الامة الكبرى، فتم ربط المجتمعات بقضية فلسطين وغيرها من القضايا المركزية، ليس بكونها ملفات سياسية بعيدة، بل كجزء من الهوية والانتماء، وهذا الامتداد منح المشروع بعدا استراتيجيا، وجعل من المواجهة حالة عابرة للحدود، تتجاوز الحسابات الضيقة نحو رؤية اوسع تعيد تعريف الصراع في المنطقة.

ثامنا: في العمق العقائدي، يلتقي المشروعان عند فكرة التمهيد لمرحلة العدالة الالهية، حيث يتم الربط بين الحاضر والمستقبل، فالسيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه ركّز على بناء الانسان الواعي القادر على حمل هذه المسؤولية، بينما عمل السيد الشهيد علي خامنئي رضوان الله عليه على بناء دولة يمكن ان يشكل قاعدة لهذا الامتداد، وهذا الجمع بين بناء الفرد وبناء المؤسسة منح المشروع بعدا تاريخيا يتجاوز اللحظة الراهنة، ويضعه ضمن مسار طويل من التحول.
ان ما نشهده اليوم ليس حدثا عابرا، بل نتيجة مسار طويل من العمل العميق الذي بدأ من داخل المجتمع وانتهى بتشكيل قوى قادرة على فرض حضورها، وعندما يلتقي وعيٌ متجذر مع بناءٍ سياسي صلب، فان النتيجة لا تكون مجرد مقاومة ظرفية، بل تحولا يعيد رسم موازين القوة.
وبين تجربة السيد الشهيد محمد صادق الصدر والسيد الشهيد علي خامنئي رضوان الله عليهما في بناء الوعي وبناء الدولة، تتضح معالم هذا المسار الذي يعيد تعريف معنى القوة والانتصار في هذه المنطقة.
وفي ختام هذا المسار، لا يمكن فصل التجربة عن نهاياتها التي منحتها معناها الاكمل، حيث تحوّلت الشهادة من حدثٍ مؤلم الى تتويجٍ لمسيرةٍ كاملة.
لقد دفع السيد محمد صادق الصدر دمه ثمنا لموقفه، فكانت شهادته امتدادا طبيعيا لخطٍ لم يعرف المساومة، ورسالةً عميقة بأن الكلمة حين تتحول الى موقف، لا بد ان تُختبر بالتضحية.
اما السيد علي خامنئي، فرغم اختلاف الظروف، فقد عاش مشروعه بروحٍ تحمل معنى الفداء والاستعداد الدائم لدفع كلفة المواجهة، فكان حضوره تجسيدا لفكرة القائد الذي يذوب في قضيته.
وبين الدم الذي سُفك، والموقف الذي ثبت، يتشكل معنى الخلود، خلودٌ لا يرتبط بالجسد، بل بما يتركه الانسان من اثر في وعي الامة ومسارها، فهؤلاء لا يرحلون حين يغيبون، بل يتحولون الى معايير تقاس بها المواقف، والى رموزٍ تستمد منها الاجيال قدرتها على الاستمرار في الطريق.