العراقُ أمانةُ الإمام علي بن أبي طالب عند أهله

كامل الدلفي

لم يكن العراقُ عند الإمام عليٍّ أرضًا تُدار، ولا مدينةً تُتَّخذ مقرًّا للحكم، بل كان معنىً كبيرًا أودعه قلبَ التاريخ، ثم مضى إليه كما يمضي العارفُ إلى موضع حكمته.
اختاره، وفي الأرض متّسعٌ لغيره، لأنّه رأى فيه ما لم يره الناس؛ رأى وطنًا قادرًا أن يحمل أثقال الرسالة، وأهلاً في طباعهم بقيةٌ من نار البطولة، وذاكرةً لا تموت مهما تعاقبت عليها العصور والخرائب.
فما كان انتقالُه إلى العراق انتقالَ سلطان، بل انتقالَ يقين.
ولا كانت الكوفةُ عنده دارَ مُلك، بل منبرَ عدالة، ومهبطَ رؤية، وميدانًا أراد له أن يكون قلبَ الدنيا النابض بالحق.
ومنذ أن وطئتْه خُطاه، ارتفع العراقُ في ميزان المعنى، وصار اسمه مقرونًا بصوت الإمام، وسيفه، وعدله، ودمعته، وصلاته في ظلمة الليل.
فأيُّ منزلةٍ بعد هذه المنزلة؟
وأيُّ شهادةٍ للعراق أعظم من أن يختاره عليٌّ موضعًا لروحه، وثقلِه، وآخرَ ميادين جهاده؟
لكنّا ـ نحن أبناؤه ـ أضعنا الأمانة.
تركنا العراقَ يتآكل تحت أقدام الطامعين، وفتحنا أبوابه للخراب حتى صار وحيدًا بين الأمم، يجرُّ مجده القديم كشيخٍ مثخنٍ بالتعب.
أحببنا كلَّ شيءٍ إلا هو، ووهبنا قلوبنا لغيره، حتى غدا الوطنُ غريبًا في صدور أهله.
أيظنُّ الذين يرفعون رايةَ الولاء لعليٍّ أنّ الولاءَ كلمات؟
إنّ عليًّا لا يُحبُّ الخراب، ولا يرضى بالذلّ، ولا يبارك أمةً تُقصي وطنها إلى الهامش ثم تزعم أنّها على عهده.
فالعراقُ عند عليٍّ لم يكن تفصيلًا عابرًا في سيرته، بل كان بعضَ رؤيته الكبرى للعدل والإنسان.
وسيأتي يومٌ نقف فيه بين يديه، عراةً من الشعارات، خفافًا من المبررات، لا يحمل أحدُنا إلا عمله وما اقترفت يداه بحق هذه الأمانة الثقيلة.
وحين يرفع الإمامُ بصره إلينا، ويسألنا عمّا فعلنا بالعراق…
أيُّ جوابٍ سنملك؟