مفاوضات تحت الإحتلال:
هل يتحول القرار 1701 إلى أداة ابتزاز سياسي للبنان؟
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
تأتي جولة المفاوضات الجديدة بين لبنان و”إسرائيل” في ظل مشهد شديد الخطورة
– إحتلال مستمر لأراضٍ لبنانية
-تدمير ممنهج للقرى الجنوبية والبقاع الغربي
-ضغوط أمريكية متصاعدة على الدولة اللبنانية لتقديم “خطوات عملية” تضمن نجاح المفاوضات.
والأخطر أن السفير الأميركي ميشال عيسى، تجاوز حدود الدور الدبلوماسي وصلاحياته عندما نقل موقفًا إسرائيليًا واضحًا مفاده “أن “إسرائيل” لن تنسحب من القرى التي احتلتها حتى لو تم التوصل إلى اتفاق أمني أو سياسي مع لبنان” .
وهذا بحد ذاته ينسف أي معنى قانوني أو سياسي للمفاوضات.
فالقانون الدولي لا يعترف بشرعية أي اتفاق يُفرض تحت الإحتلال أو الإكراه.
وميثاق الأمم المتحدة واضح في رفض الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، كما أن القرار 1701 الصادر عام 2006 ألزم” إس.رائي.ل” بوقف الأعمال العدائية والإنسحاب خلف الخط الأزرق، وليس فرض وقائع جديدة أو إنشاء “منطقة عازلة” داخل الأراضي اللبنانية.
وبالتالي فإن أي محاولة لربط الإنسحاب بشروط سياسية أو أمنية إضافية تُعد انقلابًا على القرار الدولي نفسه.
والمفارقة أن الاحتلال الإس.رائي.لي يحاول تسويق بقائه العسكري بذريعة “حماية المستوطنات الشمالية” ، بينما الوقائع الميدانية وطوال 18 عامًا بعد حرب تموز 2006 أثبتت أن الحدود بقيت هادئة عندما إلتزمت “إس.رائي.ل” بوقف إعتداءاتها على لبنان. بمعنى آخر، الإستقرار لم يكن نتيجة إحتلال أو مناطق عازلة، بل نتيجة توازن الردع والإلتزام الكلي بالقرار 1701.
أما حين عادت “إس.رائي.ل” إلى سياسة الإغتيالات والقصف والإنتهاكات اليومية، إنفجر الوضع مجددًا.
فمن هنا، فإن الحديث عن “اتفاق جديد” يبدو أقرب إلى محاولة انتزاع مكاسب سياسية وأمنية بالقوة وفي ظل الإحتلال ، وهذا يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان.
فقوات الإحتلال تريد الإستفادة من اختلال موازين القوى، والغطاء الأمريكي الكامل.
فالولايات المتحدة لم تعد وسيطًا، بل شريكًا سياسيًا عسكريًا كاملًا في الضغط على لبنان، خصوصًا عندما يجري التعامل مع الإحتلال وكأنه “أمر واقع” يجب التفاوض على شروطه بدل المطالبة بإنهائه فورًا.
فقانونيًا، فإنَّ المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تمنح الدول والشعوب الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس ضد أي عدوان مسلح. وهذا الحق لا يسقط بعجز الدولة أو تقصيرها أو تعرضها لضغوط خارجية.
لذلك فإن مقاومة الاحتلال تبقى حقًا مشروعًا تكفله القوانين الدولية ما دام الاحتلال قائمًا، وما دام مجلس الأمن عاجزًا أو متواطئًا عن فرض تنفيذ قراراته.
وأما الصمت الدولي تجاه إستمرار الإحتلال وتدمير القرى اللبنانية، فهو يكشف أزمة عميقة في النظام الدولي نفسه؛ إذ كيف يمكن الحديث عن “قانون دولي”، بينما يُسمح لدولة محتلة بفرض شروطها بالقوة، ورفض الانسحاب من أراضٍ ذات سيادة؟
وكيف يصبح تنفيذ القرار 1701 مطلوبًا فقط من لبنان، فيما يُعفى الاحتلال من موجباته الأساسية؟
إن أي مفاوضات تجري فيما الدبابات الإسرائيلية لا تزال تحتل الأرض اللبنانية، والتهديدات مستمرة، والقرى تُدمَّر، فهي مفاوضات فاقدة للتوازن والشرعية السياسية والأخلاقية.
فالقاعدة القانونية المعروفة تؤكد أن ما يُؤخذ بالقوة لا يكتسب شرعية، وأن أي قرار أو اتفاق يُفرض تحت الاحتلال يبقى موضع طعن وبطلان.
فالمطلوب اليوم ليس اتفاقًا جديدًا، بل تنفيذ القرار 1701 بحذافيره:
-وقف الأعمال العدائية
-إنسحاب “إس.رائي.ل” الكامل من الأراضي اللبنانية -إحترام السيادة اللبنانية
-وقف الإنتهاكات الجوية والبرية والبحرية
وما دون ذلك يعني تكريس قانون الغاب بدل القانون الدولي، وتحويل الإحتلال إلى وسيلة تفاوض وابتزاز سياسي.
وما بُنِيَ على باطل فهو باطل
وإنَّ غدًا لناظره قريب
14 أيار/ مايو 2026