التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين .. رؤية تحليلية ؟

رياض سعد

مقدمة

يُعدُّ تشريع القوانين حجر الزاوية في بناء الدول العصرية، فهو الآلية التي تنظّم بها المجتمعات علاقاتها وتحقق بها أمنها واستقرارها.

غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في غياب القوانين بقدر ما تكمن في انفصالها عن الواقع واحتياجاته، فعندما لا تنسجم القوانين مع متطلبات الوطن والمواطن معًا، فإنها تتحول من أداة إصلاح إلى سبب من أسباب الأزمة.

وفي هذا المقال، نحاول تفكيك ظاهرة التشريع واستجلاء ضرورة توافقها مع مصالح الطرفين: الدولة والمجتمع.

لا يُسنُّ القانون في فراغ، ولا يتم تشريع القوانين عشوائياً  , ولا يخرج إلى الوجود لمجرد شهوة التنظيم أو إظهار هيبة الدولة أو لغيرهما من الاسباب والدوافع السطحية والشخصية والفئوية … ؛، بل يقوم على جملة من الأسباب الموضوعية المرتبطة بحاجات المجتمع واستقراره وتطوره …   , إن ظاهرة تشريع القوانين، إذا ما تأملناها بعين المحلل السياسي والخبير القانوني، تُعد من أرقى تجليات العقد الاجتماعي الذي يربط الفرد بالدولة.

غير أن العبرة ليست بوجود النصوص في الجريدة الرسمية، بل بقدرتها على استيعاب نبض الوطن وصون كرامة المواطن معًا، في معادلة متوازنة لا يطغى فيها طرف على آخر.

فلماذا تُشرَّع القوانين في الأصل؟

وكيف نضمن انسجامها مع متطلبات الدولة والمجتمع على السواء؟

ويمكن فهم هذه الأسباب ضمن أبعاد متعددة مترابطة:

أولاً: الأسس العميقة لظاهرة التشريع

لفهم ضرورة الانسجام، ينبغي تفكيك الأسباب الموضوعية التي تدفع إلى سن القوانين، وهي أسباب تكشف بطبيعتها عن تلازم عضوي بين حاجة الوطن وحقوق المواطن:

1. تنظيم الحياة الاجتماعية

الإنسان كائن اجتماعي، ومع تشابك وتعدد العلاقات الاقتصادية والأسرية والسياسية تبرز الحاجة إلى قواعد ضابطة تمنع الفوضى وتحدد الحقوق والواجبات… ؛  فالقانون هنا ليس قيدًا على الحرية، بل إطار ناظم يحول دون تصادم الحريات... ؛ وشاهد ذلك ما نراه في قوانين المرور: فبدونها تعم الفوضى الطرقات، ويصبح التنقل خطراً يهدد الجميع.

شاهد تاريخي: قانون «نابليون» المدني (1804) لم يكن مجرد تقنين، بل مشروعًا لضبط المجتمع الفرنسي بعد ثورة عاصفة، واضعًا قواعد موحدة للملكية والأسرة والعقد، فحقّق انسجامًا بين حاجة الدولة للاستقرار ورغبة المواطن في الأمان القانوني.

2. تحقيق العدالة وحماية الحقوق

من أسمى  و أهم دوافع التشريع ضمان الحد الأدنى من العدالة، عبر حماية حقوق الأفراد كالملكية والحرية والكرامة، ومنع التعدي عليها، وإيجاد آليات للإنصاف عند النزاع… ؛ فحين يغيب هذا البعد يتحول القانون إلى أداة قمع لا أداة ضبط... ؛ ومن الشواهد : أن القوانين التي تُجرم التمييز العنصري أو التحرش إنما تصون كرامة الإنسان وتحقق المساواة والعدالة .

شاهد تاريخي : وثيقة «الماغنا كارتا» (1215) شكلت نواة فكرة خضوع الحاكم للقانون، وكرست مبدأ ألا يُجرَّد أحد من حقوقه إلا بحكم قانوني، وهو ما صار لاحقًا حجر الزاوية في شرعنة حقوق الإنسان.

3. حفظ الأمن والاستقرار

تُشرَّع القوانين الجنائية والضبطية  لردع الجرائم وتقليل النزاعات، وبناء بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمان، وهو شرط أساسي لأي مجتمع مستقر… ؛ ولا تقوم التنمية الا به ؛  فالقوانين العقابية ليست انتقاماً، بل حماية للمجتمع من آفات الإجرام.

لكن الأمن الحقيقي لا يتحقق بسطوة النص وحده، بل بعدالة النص واتساقه مع الشعور الجمعي.

شاهد معاصر: إصلاحات القضاء الجزائي في عدة دول أوروبية لم تزد العقوبات فقط، بل استحدثت عقوبات بديلة وسياسات تأهيلية، مدركةً أن استقرار الوطن يمر عبر إعادة إدماج المواطن لا تهميشه.

4. الاستجابة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية

المجتمعات كائنات حية تتغير باستمرار تكنولوجياً واقتصادياً وثقافياً ، وتظهر معها وقائع جديدة تحتاج تنظيمًا قانونيا  (التجارة الإلكترونية، الجرائم الرقمية، الذكاء الاصطناعي)… ؛ واي تشريع يتجاهل هذا التطور يفقد صلته بالواقع.

شاهد معاصر : اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR) استجابت لحق المواطن الرقمي في خصوصيته، دون أن تخنق اقتصاد الابتكار، فجسّدت توازنًا بين متطلبات السوق وحقوق الفرد.

5. إدارة السلطة وتنظيمها

في إطار العلوم السياسية، تعد القوانين وسيلة لتنظيم عمل الدولة، و أداة لتحديد صلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، و الفصل بين السلطات ليس ترفًا فكريًا، بل ضمانة لئلا ينفرد جهاز واحد بمقدرات الوطن ومصائر المواطنين… ؛ ومنع التعسف والاستبداد ؛ والدستور في أي بلد هو خير شاهد على هذا البعد.

شاهد تاريخي : دستور الولايات المتحدة (1787) بنى نظام الضوابط والتوازنات، فجعل كل سلطة رقيبة على الأخرى، مما حمى الدولة من التغول وصان الحريات في آن واحد.

6. تحقيق المصلحة العامة

يهدف التشريع إلى تحقيق منفعة جماعية تتجاوز المصالح الضيقة ، كتنظيم الموارد وتحسين الخدمات وحماية البيئة ودعم التنمية… ؛ فالقوانين البيئية مثلاً تحمي الهواء والماء للأجيال القادمة، لا لمصلحة فرد بعينه .

و لكن المصلحة العامة ليست شعارًا لإلغاء المصالح الفردية المشروعة، بل وعاء يحتويها.

شاهد معاصر : قانون إدارة صندوق الثروة السيادية في النرويج حوّل عوائد النفط إلى مكسب للأجيال، رابطًا بين ازدهار الوطن ورفاه المواطن بشكل ملموس.

7. حل النزاعات بطرق سلمية

بدلاً من الاحتكام إلى القوة، يوفر القانون آليات مؤسسية كالمحاكم لحل الخلافات بطريقة منظمة وعادلة… ؛ ؛  ولا قيمة لهذه الآليات إن لم تكن في متناول المواطن العادي سهلةً غير مكلفة… ؛  وتُعَدُّ المحاكم التجارية والدولية نموذجاً على كيف يحل القانون النزاع دون عنف.

شاهد معاصر : أنظمة المساعدة القضائية في فرنسا وبريطانيا ترجمت شعار “المساواة أمام القانون” إلى واقع، حين ضمنت تمثيلًا قانونيًا لمن يعجز عن تحمل أتعاب المحاماة.

8. ترسيخ القيم والمعايير الأخلاقية

في كثير من الأحيان، يعكس القانون القيم السائدة في المجتمع، فيحولها إلى قواعد ملزمة، كتجريم الاعتداء والغش والرشوة… ؛  فالقوانين التي تجرم الكذب في الشهادة إنما تحول الأخلاق إلى التزام قانوني.

غير أن إملاء قيم لا تنبض بها ضمائر الناس يخلق فجوة بين النص والتطبيق.

شاهد معاصر : قوانين مكافحة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري استندت إلى تحول أخلاقي مجتمعي عميق، فجاءت متسقة مع يقظة ضمير الوطن والمواطن معًا.

9. توحيد المعايير داخل المجتمع

يخلق القانون نوعاً من الوحدة في التعامل، بحيث يخضع الجميع لنفس القواعد، مما يعزز مبدأ المساواة أمام القانون… ؛  ومبدأ “لا تمييز” في الدول الديمقراطية هو تجسيد لهذا التوحيد.

و بهذا المعنى، القانون هو أقوى تعبير عن أن الدولة للأمة جمعاء لا لفئة دون أخرى.

شاهد تاريخي : مبدأ سيادة القانون في بريطانيا، الذي أخضع التاج ذاته للمحاكم منذ قضية «إعلان بروكلاميشن» (1611)، جسّد فكرة أن لا أحد فوق القانون، وهي ركيزة الثقة بين الوطن وأبنائه.

ثانيًا: لماذا يشترط الانسجام بين متطلبات الوطن والمواطن عند تشريع القوانين ؟

تلك الأسباب التسعة توضح أن القانون يولد من رحم حاجة مزدوجة: حاجة الوطن إلى الاستقرار والتنظيم والتطور، وحاجة المواطن إلى العدالة والأمان والكرامة… ؛  أي خلل في هذه المعادلة يُنتج أحد مرضين:

• مرض الدولة البوليسية: حين يُسن القانون لخدمة السلطة فقط، متجاهلًا حقوق الأفراد، فيصير المواطن تابعًا خائفًا لا شريكًا فاعلًا… ؛  تفقد الدولة شرعيتها الأخلاقية، وتتحول القوانين إلى أدوات إكراه تخنق الإبداع وتزرع السخط… ؛  وقد رأينا في أنظمة استبدادية عديدة كيف أدى اغتراب القانون عن المواطن إلى انهيارات كبرى.

• مرض التفكك وانهيار العقد الاجتماعي الجامع : حين تُشرع القوانين استجابة لضغوط فئوية مؤقتة دون رؤية وطنية جامعة، تسود الفوضى وتضيع المصلحة العامة… ؛  فالمواطن قد ينتفع آنيًا، لكنه يخسر وطنًا متماسكًا قادرًا على حمايته وتأمين مستقبله.

الانسجام إذن ليس رفاهية بل هو روح القانون ذاته. .. ؛ فالوطن ليس كيانًا مجردًا فوق رؤوس الناس، بل هو الحاضنة التي لا تقوم إلا بسواعد أبنائها المطمئنين… ؛  والمواطن ليس فردًا منعزلًا، بل خلية في جسد لا يحيا إلا بصلاح الكل… ؛ و من هنا يصير التشريع فنًا للموازنة: أي قانون لا يشعر المواطن أنه يحمي كرامته ويفتح له أبواب العيش الكريم، سيفقد احترامه ولو سُطر بأفخم الصياغات… ؛  وأي قانون يغفل عن أمن الدولة واستقرارها وقدرتها على الاستمرار، يخون الأمانة تجاه الأجيال القادمة.

نعم , أي خلل في هذا الميزان يؤدي إلى إحدى الكارثتين: إما قوانين قمعية تخدم الدولة على حساب الفرد، وإما قوانين فوضوية تخدم الفرد على حساب الدولة , كما اسلفنا .

الشواهد على ذلك كثيرة: فالدول التي أهملت قوانين حماية البيئة دفعت ثمنها صحياً واقتصادياً… ؛  والدول التي شددت القوانين الأمنية على حساب الحريات خسرت شرعيتها… ؛  والدول التي وازنت بين متطلبات التنمية وحقوق الإنسان نهضت وازدهرت.

خلاصة الفكرة :

خلاصة ما تقدم أن القوانين تُشرَّع استجابةً لحاجات واقعية تتعلق بتنظيم المجتمع، وتحقيق العدالة، وحفظ الأمن، ومواكبة التغير، وضبط السلطة، وتحقيق المصلحة العامة، وفض النزاعات، وترسيخ الأخلاق، وتوحيد المعايير. وهذه الأسباب جميعها، في جوهرها، نداء مزدوج من الوطن والمواطن معًا.

لا مجرد تنظير… ؛  فهي نتاج تفاعل بين المجتمع والدولة، ووسيلة لضبط هذا التفاعل بما يحقق الاستقرار والعدالة والتقدم… ؛ وكلما اقترب التشريع من هموم الناس الحقيقية، وانسجم مع متطلبات الوطن والمواطن معًا، أصبح القانون مصدر قوة للدولة، وضمانةً لكرامة الإنسان، وطريقًا لبناء مجتمعٍ أكثر استقرارًا وتقدمًا.

 ولكن يبقى السؤال الجوهري: كيف نضمن انسجام هذه القوانين مع متطلبات الوطن والمواطن معاً؟

نعم , ليست القوانين نصوصًا جامدة تُكتب في دفاتر الدولة وتُحفظ في الأرشيفات، بل هي انعكاس حيٌّ لوعي المجتمع، وصورةٌ لطبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن، ومرآةٌ لمستوى النضج السياسي والقانوني لأي دولة… ؛  فكل قانون يُشرَّع إنما يحمل في جوهره فلسفةً معينة، ويستهدف معالجة واقعٍ محدد، أو حماية حقٍّ مهدد، أو تنظيم علاقةٍ اختلّ توازنها. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تُشرَّع القوانين؟ بل: لأي غاية تُشرَّع؟ ولخدمة من تُصاغ؟

إن تشريع القوانين لا يتم عشوائيًا، ولا ينبغي أن يكون استجابةً لرغبات سياسية مؤقتة، أو ضغوط فئوية ضيقة، بل يقوم على أسباب موضوعية ترتبط بحاجات المجتمع واستقراره وتطوره… ؛  فالقانون وُجد أساسًا لتنظيم الحياة الاجتماعية، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وتعدد العلاقات الإنسانية والاقتصادية والسياسية يفرض وجود قواعد تنظم السلوك، وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنع الفوضى والتصادم كما اسلفنا .

 إن الدول الناجحة ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من القوانين، بل تلك التي تمتلك قوانين عادلة وواقعية ومنسجمة مع حاجات المجتمع. فالإفراط في التشريع دون دراسة قد يخلق تعقيدًا إداريًا وفسادًا وبيروقراطيةً خانقة، بينما يظل المواطن يبحث عن أبسط حقوقه وخدماته.

إن أفضل شاهد على انسجام القانون مع متطلباتهما ليس في كمال النص من الناحية الشكلية، بل في قدرة القانون على أن يكون ظلًا للوطن وسندًا للمواطن، بحيث إذا سُئل المواطن: «هل هذا القانون لي أم عليَّ؟» أجاب بثقة: «هو لي لأنه مني وإليَّ، وهو علينا جميعًا كي يبقى لنا وطنًا»… ؛  تلك هي الصيغة البليغة التي لا تخطئها لغة التشريع حين تصغي لصوت العقل والوجدان معًا.

خاتمة

القانون الجيد هو ذلك الجسر الذي يصل بين طموحات الوطن وحاجات المواطن… ؛  فإذا كان القانون قاسياً بلا رحمة، أو مرناً بلا ضوابط، فإنه يفشل في أداء رسالته… ؛  ولذلك، ينبغي أن تخضع القوانين إلى مراجعة دورية، ومشاركة مجتمعية، وتقييم للأثر، كي تظل نابضة بالحياة، معبرة عن العدالة، محققة للاستقرار.

لكن الإشكالية الكبرى التي تعاني منها كثير من الدول، ولا سيما في العالم النامي، تتمثل في وجود فجوة بين القانون وواقع المجتمع… ؛  فكم من قوانين كُتبت بلغةٍ مثالية، لكنها فشلت لأنها لم تنطلق من احتياجات الناس الحقيقية … ؛  وكم من تشريعات وُلدت بدوافع سياسية أو انتخابية أو أيديولوجية، فتحولت إلى عبءٍ على الدولة والمجتمع بدل أن تكون وسيلة إصلاح .

وأخيراً: لا يكفي أن يكون القانون موجوداً، بل يجب أن يكون عادلاً، منسجماً مع الواقع، مفهوماً لأفراده، قابلاً للتطبيق… ؛  عندها فقط يصبح القانون روحاً تحيا به الأمم، لا نصوصاً جامدة تئن تحت وطأتها الشعوب.

إن القانون الناجح هو الذي يحقق الانسجام بين مصلحة الوطن واحتياجات المواطن معًا… ؛  فالوطن ليس مفهومًا مجردًا منفصلًا عن الإنسان، والمواطن ليس رقمًا ثانويًا في معادلة الدولة… ؛  وكل تشريع لا يراعي كرامة المواطن وحقوقه وحاجاته الاقتصادية والاجتماعية، لن ينجح في تحقيق الاستقرار، مهما امتلك من قوةٍ شكلية أو دعمٍ سياسي.