
أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة
يعتبر اتفاق سايكس بيكو- الذي تم توقيعه في 16 مايو 1916- إحدى المحطات الرئيسية في تاريخ المنطقة العربية والشرق الأوسط الحديث. فقد مثّل حلقة مبكرة في سعي القوى الغربية الكبرى وتحديداً بريطانيا وفرنسا – إلى تقسيم مناطق النفوذ فيها. وزاد من أهميته ممارسات الخديعة التي قامت بها بريطانيا. ففي الوقت الذي أجرت فيه هذا الاتفاق، حثّت العرب على الوقوف إلى جانبها والثورة ضد الحكم العثماني وذلك في مراسلات الشريف حسين بن علي، حاكم مكة، مع هنري مكماهون، المندوب السامي في مصر، مقابل وعده بالحصول على الاستقلال. وكانت في ذات الوقت تتفاوض مع اللورد روك روتشيلد وقادة الحركة الصهيونية بشأن إعلان بلفور الذي التزمت فيه بريطانيا بإنشاء “وطن قومي لليهود” في فلسطين. ولذلك، ترسخ “اتفاق سايكس بيكو” في الوعي العربي كعنوان لسعى القوى الغربية الاستعمارية إلى تجزئة البلاد العربية، واقتسام النفوذ فيها، والتدخل في شئونها.
وتتناول هذه الورقة التعريف بهذا الاتفاق وظروفه، ونظرة الفكر الأوروبي (والغربي عموماً) إلى المنطقة كفضاء أقليات، ونماذج من مشروعات تقسيم البلاد العربية وإعادة رسم حدودها، ومفهومى الشرق الأوسط الجديد وإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
أولاً: التعريف باتفاق سايكس بيكو وظروفه
يحمل الاتفاق اسم رجلين، الأول هو اللورد مارك سايكس، الدبلوماسي والبرلماني الذي كلفته حكومته بمهمة بحث التصورات المختلفة بشأن مستقبل الولايات العربية الخاضعة للدولة العثمانية، وذلك في إطار توقع انهيارها بعد الحرب العالمية الأولى. أما الثاني فهو فرانسوا جورج بيكو، المستشار بالسفارة الفرنسية في بيروت، والذي مثّل بلاده في المفاوضات مع بريطانيا. ووصل الرجلان إلى صيغة لاقتسام تلك الولايات بين بلديهما، ووقعا هذا الاتفاق بشكل سري، وكانت روسيا القيصرية هي الدولة الوحيدة التي أبلغتها لندن وباريس بهذا الاتفاق، والتي حصلت على نصيبها من الغنيمة العثمانية المتوقعة.
وحسب هذا الاتفاق، تم تقسيم العراق وبلاد الشام إلى خمس مناطق، تم التمييز بينها بلونين: اللون الأزرق يعني خضوعها لفرنسا، واللون الأحمر لبريطانيا. تضم المنطقة الفرنسية الساحل السوري من الإسكندرونة حتى رأس الناقورة وجبل لبنان، وكيليكيا وجزءاً من الجنوب الشرقي لآسيا الصغرى. أما المنطقة البريطانية، فقد ضمت الجزء الأكبر من العراق، وتحديداً من البصرة إلى بغداد، وصولاً إلى مينائي حيفا وعكة في فلسطين. أما المنطقة الثالثة التي تضم ما تبقى من فلسطين، فتقام فيها إدارة دولية بعد التشاور مع شريف مكة وروسيا وبقية الحلفاء.
وتتألف المنطقة الرابعة من الداخل السوري وولاية الموصل، والخامسة تضم ما تبقى من العراق. ونصّ الاتفاق أنه بالنسبة للمنطقتين الرابعة والخامسة فإنه سوف يقام فيها دولة عربية أو اتحاد من دول عربية تدعمه فرنسا وبريطانيا، على أن يكون لفرنسا في المنطقة الرابعة، وبريطانيا في المنطقة الخامسة، الأولوية في تنفيذ المشروعات الاقتصادية، وتقديم القروض والمستشارين والخبراء. وعندما تسرب خبر هذا الاتفاق إلى إيطاليا، طالبت بحقها في الغنيمة، فوافقت الدولتان على منحها منطقة “أضنه” في الأناضول.
لم يعرف العالم عن هذا الاتفاق السري حتى أكتوبر 1917، عندما نجحت الثورة البلشفية بقيادة فلاديمير لينين في روسيا، وأعلنت رفضها للمعاهدات السرية، وقامت صحيفة إزفستيا بنشر الاتفاق في 24 نوفمبر 1917. انكشف الأمر، ونشرته صحيفة الجارديان البريطانية باللغة الإنجليزية في 19 يناير 1918، ومنها تُرجم إلى اللغة العربية. وجدير بالذكر أن القائد العثماني أحمد جمال باشا بعث برسالة في 26 نوفمبر 1917 إلى فيصل بن الحسين، أحد قادة الجيش العربي أثناء وجوده في العقبة، يبلغه فيها بخبر الاتفاق الذي نشرته جريدة إزفستيا، فقام بإرسالها إلى والده الشريف حسين، والذي أرسلها بدوره إلى مكماهون بالقاهرة في 29 ديسمبر.
كان ذلك صدمة غير متوقعة للشريف حسين وقادة الثورة العربية، الذين شعروا بحجم خديعة بريطانيا لهم التي وعدت بلادهم بالاستقلال، بينما كانت تدبر أمراً آخر في الخفاء. وزاد من هذا الشعور صدور إعلان بلفور في 2 نوفمبر من نفس العام.
شعرت لندن وباريس بالحرج، وبينما لم يكن باستطاعتهما إنكار وجود الاتفاق، فقد حاولا التقليل من أهميته، فادعتا أنه مجرد تفاهم أولي غير ملزم، كان هدفه ترتيب المصالح بين الحلفاء في الحرب، وأنه تنظيم مؤقت مرتبط بظروف الحرب ومتطلبات التنسيق بين الدولتين، وأن البلدين ملتزمان بهدف استقلال البلاد العربية والمساعدة على تحقيق اتحادها. أرسلت بريطانيا أكثر من مبعوث إلى الشريف حسين لطمأنته والتأكيد على أن حقوق العرب لن تُمس، وأن الاتفاق لا ينتقص من وعودها السابقة. واستكمالاً لذلك، أصدرت الدولتان إعلان مبادئ في 1918، أشار إلى أن هدفهما هو مساعدة الشعوب التي كانت خاضعة للحكم العثماني على إقامة حكومات وطنية، تستمد شرعيتها من إرادة السكان.
كانت هذه التطمينات حلقة أخرى في مسلسل الخديعة والمناورة، فقد جاءت ترتيبات ما بعد انتهاء الحرب، مؤكدة لما ورد في الاتفاق، كما ظهر في معاهدتي سيفر وسان ريمون عام 1920، الذي فرض الانتداب البريطاني على فلسطين والعراق وشرق الأردن، والفرنسي على سوريا ولبنان، وهو تقسيم لا يختلف كثيراً عما ورد في اتفاق سيكس بيكو.
لم يكن اتفاق سيكس بيكو مجرد تفاهم سياسي بين ممثلين لبريطانيا وفرنسا، وإنما عبّر عن معنى أعمق، وهو النظرة الأوروبية للعرب والمنطقة العربية، والأفكار التي غرسها الرحالة والمستشرقون والإرساليات التبشيرية عن المنطقة.
ثانياً: نظرة الفكر الأوروبي إلى المنطقة كفضاء أقليات
تنطلق نظرة الفكر الأوروبي (والغربي عموماً) منذ القرن التاسع عشر إلى المنطقة باعتبارها سياقاً يتسم بالتنوع الاجتماعي المفرط في كافة المجالات: القبلي، والعرقي، والديني، والمذهبي، واللغوي، أو بعبارة أخرى أنه مجتمع “موزاييك” أو فسيفساء، يضم خليطاً من الهويات واللغات والانتماءات الدينية والمذهبية والقومية، مثل العرب والأكراد والتركمان والفرس والأتراك، إلى جانب التنوع الديني والمذهبي، والذي يشمل المسلمين بمذاهبهم المختلفة، والمسيحيين بطوائفهم المتعددة، واليهود، وجماعات أخرى أصغر.
لم يكن هذا التصور مجرد وصف أنثروبولوجي أو اجتماعي بريء دائماً، بل كان أساساً نقطة انطلاق للسياسات الأوروبية تجاه المنطقة، وارتبط تاريخياً بفهم الحكومات الغربية لطبيعة السلطة والحكم في هذه المجتمعات، وكيفية إدارة الصراعات فيها، وطبيعة التحالفات التي تبرمها مع القوى الفاعلة فيها.
كرّس الفكر الأوروبي (والغربي عموماً) أيضاً التصور بأن المجتمعات العربية في منطقة الشرق الأوسط لا تقوم على مفهوم الشعب أو الأمة بالمعنى الحديث، ومفهوم المواطنة الجامعة التي تتجاوز الانقسامات الأوّلية، بقدر ما تنهض على الولاءات الفرعية مثل الطائفة والقبيلة أو العشيرة والانتماء الديني والمذهبي. وتوصل أنصار هذا الفكر إلى أن دول المنطقة أقل قابلية لإقامة دول وطنية حديثة على النمط الأوروبي، وأنها أكثر عُرضة للتصدع الاجتماعي والانقسامات الممتدة والصراعات الداخلية.
وقد انعكس هذا التصور في كتابات عدد من الباحثين والرحالة ورجال الإدارة الاستعمارية، الذين اعتبروا أن هذه الطبيعة التعددية للمنطقة تؤدي بالضرورة إلى هشاشة بنيوية مزمنة. وتم توظيف هذه النظرة من الناحية السياسية لتبرير التدخل الخارجي بدعوى دعم الأقليات، كما استخدمت أيضاً لإعادة رسم الحدود، أو إقامة نظم سياسية تقوم على المحاصصة الطائفية والتوازن بين الجماعات.
وهكذا، لم تنظر أوروبا إلى شعوب المنطقة باعتبارها جماعات قادرة على تأسيس مجتمعات سياسية يمكنها بناء عقد اجتماعي وطني جامع، بل نظرت إليها باعتبارها مجموعات متنافسة ومتنافرة، وأن ما يفرقها أكثر مما يجمعها، وتحتاج إلى تدخل خارجي أو ترتيبات مفروضة عليها لحفظ السلم الاجتماعي والتوازن بينها. وأسفر ذلك عن اتباع الدول الغربية سياسات تقسيم مناطق النفوذ، وإقامة كيانات سياسية على أسس طائفية أو إثنية، ومساندة نخب موالية لها باعتبارها الأكثر قدرة على حفظ الأمن والاستقرار.
إن هذا التصور ليس أمراً من تراث الماضي، بل استمر في كتابات عدد من الباحثين في العلوم الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين. من أبرز هؤلاء برنارد لويس، الذي عمل أستاذاً بجامعة برينستون، وهو مؤرخ بريطاني أمريكي تخصص في تاريخ الشرق الأوسط والإسلام، وقدّم في كتاباته تصوراً جوهره أن تاريخ الشرق الأوسط يختلف عن تاريخ الغرب، من حيث تطور المؤسسات السياسية، ومفهوم الدولة الحديثة، والعلاقة بين الدين والدولة والسياسة، فرأى أن المنطقة تشمل انقسامات دينية ومذهبية وإثنية عميقة تعود إلى قرون طويلة، وأنها تعلو على الولاء الوطني. وفي تحليله عن الدولة في المنطقة، أشار إلى أن انهيار الدولة العثمانية أطلق العنان لهويات أولية وفرعية، ودفعها إلى سطح الحياة الاجتماعية والسياسية، وذلك بعد زوال الضوابط والقواعد التي وضعتها الإمبراطورية الأوسع. ووصل إلى نتيجة أن كثيراً من صراعات وأزمات الشرق الأوسط المعاصرة ينبغي فهمها في سياق الانقسامات التاريخية، مثل التوترات بين السنة والشيعة، والعرب والأكراد، والمسلمين والمسيحيين وغيرهم. وفي عام 1992، نشر لويس مجموعة خرائط تتضمن تقسيم الشرق الأوسط على أسس طائفية وعرقية ولغوية.
ومنهم د. إيلي قدوري، الأستاذ البريطاني من أصل عراقي بمدرسة لندن للاقتصاد وعلم السياسة، الذي انتقد بشدة استخدام مفهوم القومية في تحليل تطورات الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن مفاهيم مثل الدولة الوطنية والقومية والسيادة الشعبية والديمقراطية الليبرالية هي مخرجات التطور في أوروبا، وتم نقلها بشكل تعسفي إلى المنطقة وبصورة غير متوافقة مع بنيتها الاجتماعية والتاريخية والفكرية، وجادل بأن مجتمعات الشرق الأوسط عاشت لقرون طويلة، وتم تنظيمها وفقاً للولاءات الدينية والقبلية والعائلية، مما يجعل من الصعب إدخالها في سياق دولة وطنية حديثة.
ويمكن أن نشير في هذا المقام إلى أستاذ علم السياسة الأمريكي بجامعة هارفارد، صمويل هنتنجتون، وكتابه الشهير بعنوان “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”، الذي قدّم فيه تصوراً ثقافياً لمستقبل العالم، ورأى أن الهويات الحضارية والدينية أصبحت المصدر الرئيسي للصراعات الدولية في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. نظر هنتنجتون إلى العالم الإسلامي باعتباره كتلة حضارية تواجه توترات داخلية وتحديات خارجية، مشيراً إلى أن الانقسامات الإثنية والمذهبية بداخله تزيد من هشاشته السياسية. وساهم هذا الفكر في تعزيز صورة المنطقة باعتبارها محكومة بصراعات الهوية أكثر من الصراعات الأيديولوجية أو الطبقية.
يمكن الإشارة أيضاً إلى أطروحة هنري كيسنجر، الذي عمل أستاذاً بجامعة هارفارد ويُعد وزير الخارجية الأمريكي الأشهر، والذي أشار في كتاباته إلى تداخل الهويات الدينية والقومية والمصالح الجيوسياسية في تحليل منطقة الشرق الأوسط. وفي محاضرة له في مدرسة جيرالد فورد للسياسة العامة بجامعة ميتشجان في مايو 2013، طرح فكرة تقسيم سوريا على أسس إثنية وطائفية. وفي كتابه بعنوان “النظام العالمي” أشار إلى أن مفهوم الدولة الوطنية في الشرق الأوسط لم يترسخ بالقدر الذي تم في أوروبا، وأن الحدود السياسية بين دول المنطقة غالباً لا تتطابق مع الهويات والبنى الاجتماعية.
والحقيقة أنه ما زال يتردد هذا الإلحاح المُخلّ على “التعددي الانقسامي” في تفسير قضايا الشرق الأوسط، مثل تكرار الحديث عن “الخلاف السني الشيعي” وأوضاع الأقليات الدينية، وذلك على حساب العوامل الأخرى كالاقتصاد السياسي، وبنية الدولة، وشكل نظام الحكم والاستبداد، واتباع سياسات تنمية تمييزية وغير متوازنة، وتجاهل دور العوامل الخارجية والتدخلات الأجنبية. ويتم اختزال تحليل قضايا المنطقة في كونها ساحة صراعات هوياتية دائمة، وليست باعتبارها دولاً حديثة تواجه تحديات التحديث والتنمية وبناء مؤسسات الدولة الوطنية وهويتها الجامعة.
وبالطبع، ظهر مفكرون في الغرب انتقدوا هذه النظرة السائدة، واعتبروا أن استمرارها نوع من الاختزال والتبسيط المُخلّ، الذي لا يساعد على فهم حقيقة الظواهر السياسية والاجتماعية، ووجود هويات وطنية ومؤسسات دولة حديثة نشأت على أساس خبرات وطنية مشتركة. وتناسوا أن مثل هذا التنوع يوجد في عدد من مجتمعات الدول الأوروبية، ولكن لا يجري التعامل معها بالطريقة نفسها.
من أبرز هؤلاء الكُتّاب د. إدوارد سعيد، الأستاذ الأمريكي من أصل فلسطيني بجامعة كولومبيا، في كتابه العمدة “الاستشراق”، وكذلك د. ليزا أندرسون، الأستاذة بالجامعة نفسها، والتي عملت رئيساً للجامعة الأمريكية بالقاهرة، في بحوثها عن الدولة في العالم العربي، والتي انتقدت فيها تفسير مشكلات المنطقة على أساس الهويات الفرعية، وأنه من الضروري إدخال عناصر أخرى كالخبرة الاستعمارية، وتاريخ بناء الدولة، والاقتصاد السياسي، وأنماط الحكم السلطوي.
ثالثاً: نماذج من أفكار ومشروعات تقسيم الدول العربية أو إعادة رسم حدودها
علاوة على النظرة الاستشراقية والأفكار التي وظّفتها الدول الغربية في سياساتها تجاه الدول العربية، ظهرت أفكار ومشروعات شككت في قدرة عدد من الدول العربية على الاستمرار ضمن حدودها الراهنة، ودعت صراحة إلى إعادة النظر في حدودها وتغييرها.
من أشهر هذه الطروحات التصور الذي قدمه المحلل الإسرائيلي أوديد يينون، عام 1982، في دراسة بعنوان “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات”، طرح فيها رؤية ارتكزت على أن البيئة الإقليمية المثلى لأمن إسرائيل تتمثل في تفكك الدول العربية الكبيرة إلى كيانات أصغر على أسس طائفية أو إثنية، مثل تقسيم العراق إلى كيانات كردية وسنية وشيعية، وتقسيم سوريا ولبنان إلى وحدات أصغر.
وفي أعقاب الغزو الأنجلو-أمريكي للعراق عام 2003، والحديث عن أزمات الدول العربية وانهيار نظمها، طرح عدد من مفكري المحافظين الجدد السؤال حول ما إذا كانت الدولة المركزية الصلبة في بعض الدول العربية قابلة للحياة، وظهرت تصورات تدعو إلى الفيدرالية أو اللامركزية المُوسعة، خاصة في العراق، باعتبارها حلاً لإدارة الانقسامات بين العرب السنة والشيعة والأكراد.
ونشر الضابط الأمريكي المتقاعد رالف بيترز، في عام 2006، مقالاً بعنوان “حدود الدم”، اقترح فيه أن كثيراً من حدود الشرق الأوسط الحالية مصطنعة، وأنها تجاهلت الانقسامات القومية والمذهبية والإثنية، وأرفق بالمقال خريطة اقترح فيها إعادة رسم حدود المنطقة، بما في ذلك إنشاء دولة كردية أكبر، وتعديل حدود العراق والسعودية وإيران ودول أخرى. وفي 26 سبتمبر 2007، أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي الاقتراح الذي تقدم به عضوا المجلس جو بايدن (ديمقراطي) وسام براونباك (جمهوري)، وأصدر قراراً غير ملزم بتقسيم العراق إلى عدة أقاليم فيدرالية على أساس طائفي بين شيعة وسنة وأكراد.
وفي أعقاب سيطرة داعش على أجزاء واسعة من العراق عام 2014، كتب ريتشارد هاس، الدبلوماسي الأمريكي المخضرم، أن منطقة الشرق الأوسط اليوم تشابه أوروبا في النصف الأول من القرن السابع عشر، واندلاع الحروب الطائفية بين البروتستانت والكاثوليك، والتي عُرفت باسم حرب الثلاثين عاماً (1618-1648)، ووصل بتحليله إلى ضرورة تجاوز الأوهام السائدة وقبول “حتمية تفكك العراق”. وفي هذا السياق، استخدم الباحثون الإسرائيليون ترسانة معلوماتهم التاريخية لتوضيح “زيف” الحدود السياسية الحالية للدول العربية، وأنها لم تنشأ على سند اجتماعي، وإنما حسب مصالح الدول الاستعمارية، وأن استمرارها هو مصدر عدم الاستقرار السياسي في المنطقة. وجادلوا بأنه من الضروري تفكيك الدول القائمة وإعادة بنائها على أسس طائفية وإثنية.
وعبّر عن هذا الاتجاه ألوف بن، رئيس تحرير صحيفة هآرتس الإسرائيلية، في مقال نشره يوم 25 مارس 2011 حمل عنوان “تحذير: الشرق الأوسط تحت الإنشاء”، أشار فيه إلى أن الانتفاضات الشعبية المتصاعدة والصراعات الداخلية الطاحنة سوف تؤدي بالضرورة إلى تبلور خريطة سياسية جديدة في الشرق الأوسط تراعي حقوق الأقليات وإقامة كيانات سياسية لها، مما يكسر العزلة السياسية لإسرائيل.
على المستوى السياسي والعملي، استمرت النظرة الاستشراقية لدى عدد من صناع القرار في الولايات المتحدة، الذين عادة لا يفصحون عنها صراحة. ومن النماذج المهمة في هذا الشأن تصريحات توم باراك، المبعوث الرئاسي الأمريكي لدى لبنان، في سبتمبر 2025، الذي انتقد استخدام مفهوم الدولة الوطنية في الإشارة إلى دول الشرق الأوسط، ورأى أن هذا النموذج لم ينشأ بشكل طبيعي من داخل مجتمعات المنطقة، وإنما فُرض بواسطة ترتيبات استعمارية بعد الحرب العالمية الأولى، مستشهداً باتفاق سايكس-بيكو، واعتبره خطأً تاريخياً بالغاً، لأنه قسّم مجتمعات قائمة متماسكة ومترابطة إلى دول مصطنعة، أنتجت دولاً ضعيفة تعاني من صراعات داخلية مستمرة تعجز عن إدارتها وتنظيمها.
جوهر أفكار باراك هو أن الشرق الأوسط الحالي نتاج ترتيبات استعمارية غير واقعية، وأن الدولة الوطنية المركزية العربية تعاني أزمة بنيوية، يتمثل حلها في إعادة هندسة الحكم ليعكس التنوع الاجتماعي الحقيقي داخل الدول. لم يحدد باراك ما هو المقصود بهذا الحل، وإن كان السياق يشير إلى تفضيله لشكل الدولة الاتحادية أو نظم الحكم التي تقوم على المحاصصة.
رابعاً: الشرق الأوسط الجديد وإعادة تشكيل المنطقة
من الواضح أن إسرائيل اليوم هي الفاعل أو المُحرِّض الأساسي في الدعوات إلى تقسيم الدول العربية وإدخال تعديلات على الحدود القائمة بينها، وذلك بهدف تحقيق الأمن الإسرائيلي، وفقاً لفهمها، بدمج اقتصادها في شبكة اقتصادات المنطقة أو بفرض إرادتها العسكرية. وفي هذا السياق، ظهر مفهوما الشرق الأوسط الجديد وإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
يعود مفهوم الشرق الأوسط الجديد إلى تسعينيات القرن العشرين. فبعد انتهاء الحرب الباردة عام 1991، وتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، وإقامة السلطة الفلسطينية، ساد مناخ عام بأن المنطقة على وشك أن تدخل مرحلة من السلام والتعاون الاقتصادي، وأصدر شيمون بيريز، في عام 1995، كتابه بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”. جادل بيريز بأهمية أن تتحول المنطقة من منطقة صراع إلى ساحة تكامل اقتصادي، وبناء شبكات التجارة والتكنولوجيا والطاقة، والتعاون الإقليمي بين إسرائيل والدول العربية، تقوم فيها إسرائيل بدور مؤثر، بهدف التحرك صوب منطقة سلام وازدهار.
واتصالاً بذلك، انعقدت أربعة مؤتمرات للتعاون الاقتصادي بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في الدار البيضاء عام 1994، وعَمّان عام 1995، والقاهرة عام 1996، وقطر عام 1997. شارك في هذه المؤتمرات ممثلون للحكومات والشركات الكبرى، ولم تكن جهداً إقليمياً فحسب، بل مشروعاً دولياً قادته الولايات المتحدة والدول الغربية. وتراجعت هذه الجهود بسبب تعثر عملية السلام، وتصاعد العنف في فلسطين بسبب سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مما أدى إلى تراجع كبير في ثقة الدول العربية بالحكومة الإسرائيلية.
تطور استخدام المفهوم في السنوات التالية ليكتسب مضامين جديدة. ففي أعقاب غزو العراق عام 2003 -كما ورد سلفاً- ظهرت أفكار عن الضعف البنيوي في الدول العربية، وضرورة إعادة هيكلة نظم الحكم فيها على أساس فيدرالي أو المحاصصة الطائفية.
وفي المرحلة التي أعقبت موجة الانتفاضات الشعبية في 2010-2011، ازداد الجدل حول تفكك أو انهيار بعض الدول، وتداعيات الحروب الأهلية، ودور المليشيات العسكرية، وتراجع مركزية الدولة. فاكتسب التعبير معنى جديداً، وهو إعادة التنظيم والترتيب للتعامل مع مسببات عدم الاستقرار.
وأثير في هذا الشأن ضرورة إعادة رسم موازين القوى من خلال إقامة تحالفات وعلاقات أمنية جديدة، واحتواء إيران أو مواجهتها، وإنهاء دور الفاعلين المسلحين من غير الدول، ودمج إسرائيل في ترتيبات أو منظومة إقليمية جديدة. ووضعت هذه الأفكار الأساس لعملية إعادة تشكيل المنطقة وتبرير التدخل العسكري الإسرائيلي والأمريكي في دولها.
في سبتمبر 2023، استخدم نتنياهو تعبيري “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” و”تغيير الشرق الأوسط”، وذلك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عند وصفه للآثار المترتبة على عقد اتفاق سلام مُحتمل بين إسرائيل والسعودية، وقال نصاً: “السلام بين إسرائيل والسعودية سيخلق بالفعل شرقاً أوسط جديداً”. وخلال خطابه عرض خريطة للشرق الأوسط تبين إسرائيل مندمجة في شبكة علاقات إقليمية.
وتكرر استخدامه للتعبير بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، للإشارة إلى ما هو أبعد من مجرد التسوية السياسية أو التعاون الاقتصادي مع الدول العربية، فأشار إلى مفهوم صدامي يعتمد على استخدام القوة أو العنف بهدف إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، تأسيساً على التفوق العسكري الإسرائيلي والقدرة على إضعاف الخصوم، وفي مقدمتهم إيران والقوى الحليفة لها. فذكر في أكثر من خطاب تعبير “سنغير الشرق الأوسط” و”نحن نغير وجه الشرق الأوسط”. وبعبارة أخرى، الهدف هو إعادة بناء النظام الأمني في الإقليم بحيث تكون إسرائيل هي قلبه ومركزه وواسطة العقد فيه، بحكم تفوقها العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي.
ومؤدى ذلك تغيير جذري للبيئة الاستراتيجية التي عاشت فيها إسرائيل لسنوات، وتقليص دور القضية الفلسطينية في هندسة النظام الإقليمي وترتيب أولوياته، بمعنى إبرام مزيد من الاتفاقات الإبراهيمية، وإقامة علاقات إسرائيلية عربية دون أن تكون إقامة الدولة الفلسطينية شرطاً مسبقاً.
وإذا انتقلنا إلى الولايات المتحدة، فسوف نجد أن إدارة ترامب الأولى تبنت بعض المفاهيم العملية التي تقترب من التصور الإسرائيلي، مثل عدم الاعتراف بمركزية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، والاعتراف بضم إسرائيل للقدس الشرقية وإعلانها عاصمة لإسرائيل، وكذلك الاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان، واعتبار إيران مصدر التهديد الرئيسي لأمن المنطقة، وانسحابها من الاتفاق النووي معها في عام 2018، وضغوطها المباشرة على بعض الدول العربية لإبرام الاتفاقات الإبراهيمية. ومن شأن هذه الخطوات العملية إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة، ودمج إسرائيل تدريجياً في منظومة العلاقات الإقليمية، وبناء محور ضد إيران.
وجاءت فترة إدارته الثانية لتصل بالتعاون العسكري والسياسي بين البلدين إلى آفاق جديدة، واشترك البلدان في التخطيط والتنفيذ بشكل علني لشن الحرب على إيران في يونيو 2025، وفبراير-مايو 2026، في سابقة ليس لها مثيل من قبل منذ إنشاء إسرائيل. ومع أن هناك أحياناً اختلافات تكتيكية في المواقف بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن جوهر التحالف العميق والترابط العضوي بينهما في هذه المرحلة أمر لا شك فيه.
لم تعارض واشنطن العديد من الممارسات العدوانية لإسرائيل تجاه سوريا ولبنان، وقيامها بإنشاء مناطق أمنية عازلة داخل البلدين بدعوى حماية أمنها. وصحيح أن ترامب لم يطرح تصوراً عاماً لشكل الإقليم، وأنه يركز على الصفقات الثنائية، لكن التأمل في المسار العام لتصرفاته لا يترك مجالاً للشك في قبوله جوهر المفهوم الإسرائيلي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، خاصة أنه أشار ذات مرة إلى ضآلة مساحة إسرائيل مقارنة بالدول العربية الأخرى.
أما الدول الأوروبية، فقد تعاملت مع التصور الإسرائيلي بحذر شديد، ولم تقبله أو تسايره. فبريطانيا، على سبيل المثال، لا توافق على الخطاب الإسرائيلي بشأن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وحذرت من محاولة تحقيق هذا الهدف بالقوة العسكرية، وأنه سوف يؤدي إلى توسيع نطاق الحروب، وزعزعة استقرار دول المشرق العربي. وتركز الحكومة البريطانية على أن حلول المشكلات في المنطقة ليست عسكرية، ولكن سياسية ودبلوماسية، وأن السلام الإقليمي يتوقف على تطبيق حل الدولتين واحترام سيادة كل دول المنطقة.
وبالمثل، عارضت فرنسا، وبشكل أكثر وضوحاً، فكرة إعادة التشكيل بالقوة، وذلك لأن محاولة إضعاف أو تفكيك الدول بالقوة سوف تزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، وتوجد فراغاً أمنياً تستفيد منه التنظيمات المسلحة التي تتبنى أيديولوجيات متشددة. وأكدت أن مستقبل المنطقة يقوم على مبادئ احترام سيادة الدول، وتبني الحلول السياسية، وتطبيق حل الدولتين، وأنه لا يمكن إقامة شرق أوسط جديد دون التسوية العادلة للقضية الفلسطينية.
وحذرت الدولتان من تفكيك الدول بالقوة في سوريا ولبنان، وتمسكتا بحلول سياسية طويلة الأجل، وأن المطلوب هو إصلاح النظام الإقليمي القائم وليس هدمه أو إعادة هندسته بالكامل.
وختاماً، فإن موقف الصين وروسيا يتسم بالرفض الكامل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وينطلق من ضرورة عدم تغيير الأنظمة أو الحدود بالقوة، لأن ذلك يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ويعيد إنتاج الفوضى كما حدث في العراق وليبيا. كما ينطلق أيضاً من دعم سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية، ويعتبر البلدان أن الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط هو امتداد لسياسات الهيمنة الغربية في المنطقة، وإعادة إنتاج النفوذ بما يخدم أهداف السياسة الأمريكية وإسرائيل.
يتفق البلدان على جوهر هذا الموقف، وإن كانت الصين تعبر عنه بشكل أكثر هدوءاً ودبلوماسية، وتركز على الجوانب التنموية والاقتصادية، بالاعتماد على التجارة والطاقة ومبادرة الحزام والطريق.
والخلاصة أنه على مدى قرن وعشر سنوات تغيرت البيئة الاستراتيجية في المنطقة. ففي عام 1916، كان الفاعل الرئيسي هو بريطانيا وفرنسا، في ظل غياب شبه كامل للولايات المتحدة، وكانت ترسم حدود الدول في المشرق العربي ومناطق السيطرة حسب تقديرهما لمصالحهما. أما في عام 2026، فإن الفاعل الأساسي على الأرض هو إسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، وهي أكبر قوة عسكرية في العالم. ولم يعد هناك حديث جاد على المستوى السياسي العملي عن تقسيم الدول العربية وتفكيكها، ولكن ظهر مفهوم لا يقل خطورة، وهو الشرق الأوسط الجديد أو إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وجوهرهما إيجاد حالة من السيطرة الإقليمية لإسرائيل من خلال القوة العسكرية، واحتلال مساحات من الدول المجاورة لها بدعوى إنشاء مناطق أمنية لحماية سكانها. ويترافق ذلك مع تصفية فعلية للقضية الفلسطينية، من خلال احتلال ما يقرب من نصف قطاع غزة، وتوسيع عدد المستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية.