كامل الدلفي
تمهيد:
تأسست المدنيةَ في التاريخِ الإنسانيِّ،
أولَ ما تأسستْ في بلادِ الرافدين، تلك البيئةُ الخصيبةُ التي جعلتْ من أرضِها مقصدًا للأقوامِ القادمةِ من الصحارى والجبال، فتحولتْ عبرَ قرونٍ طويلةٍ إلى بوتقةٍ للانصهارِ التدريجي، تشكلتْ فيها أجناسٌ مترابطةٌ بوسائطَ حضاريةٍ وثقافيةٍ متداخلة. وقد تعاملَ الإنسانُ الرافدينيُّ مع الطبيعةِ بعقلانيةٍ مبكرة، فأنجبَ مستوياتٍ عاليةً من التحضر.. (1)
تجلتْ موجات الحضارة العراقية في نموذجِ السومريين الذين ابتكروا الكتابةَ، وأسسوا الدولةَ، ووضعوا منظوماتِ الريِّ والإدارة، وفتحوا البابَ أمامَ صنوفٍ واسعةٍ من الإبداع الإنساني.
ثم تصاعدَ هذا الإنجازُ الحضاريُّ في بابلَ وآشور، حتى بلغَ ذروتَه في توحيدِ البلادِ ضمنَ إمبراطوريةٍ مركزيةٍ على يدِ سرجون الأكدي. وكانت المدنُ، وأنماطُ العمران، ووسائلُ الثقافة، والتشريعات، والأديان، قد ترسختْ قبلَ ظهورِ الدياناتِ التوحيدية، ثم ما لبثَ العراقُ أن غدا موطنًا رحبًا للديانات التوحيدية الكبرى، وأسهمت البيئة العراقية في إنتاج قراءات عقلية وكلامية وفلسفية للإسلام. ذات دور فعال في بناءِ حضارةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ امتدَّ إشعاعُها لأكثرَ من خمسةِ قرون.
لقد تحولَ العراقُ، بحكمِ موقعِه وثروتِه وتاريخِه، إلى هدفٍ دائمٍ للنشاطاتِ الإمبراطوريةِ وصراعاتِ السلطة، لكنه ظلَّ في الوقتِ نفسه مصدرًا هائلًا للأصولِ الاجتماعيةِ والثقافية، ومركزًا لتوليدِ الموجاتِ الحضاريةِ المتعاقبة. ففي هذه الأرضِ تفاعلَ مجتمعٌ إنسانيٌّ مركب، متعددُ الطبقاتِ والأديانِ والثقافات، واستطاعَ عبرَ هذا الثراءِ المتنوعِ أن يُنجزَ حياةً مدنيةً رفيعة، ظلَّتْ واحدةً من أبرزِ الشواهدِ على قدرةِ الإنسانِ العراقيِّ على إنتاجِ الحضارةِ وتجديدِها عبرَ التاريخ .
(2)
إنَّ الهويةَ العراقية ليست نقيضًا للهويات الفرعية، بل هي الإطارُ الحضاريُّ الذي أعاد تشكيلَ هذه الهويات عبر التاريخ. فكلُّ جماعةٍ استقرتْ في العراق، مهما كان أصلُها العرقيُّ أو الدينيُّ أو اللغوي، دخلتْ في عمليةِ تفاعلٍ طويلةٍ مع البيئةِ العراقيةِ وأنماطِ العيشِ فيها، حتى اكتسبتْ خصائصَ محليةً مميزةً جعلتها تختلفُ عن نظائرِها خارجَ العراق. فعربُ العراق ليسوا امتدادًا مطابقًا لعربِ الجزيرةِ أو الشامِ أو الخليج، بل تشكلوا داخلَ بيئةٍ مدنيةٍ وزراعيةٍ ونهريةٍ عريقة، انعكستْ على لغتِهم، وعاداتِهم، وبنيتِهم الاجتماعية، وطرائقِ تفكيرِهم. وكذلك الأكرادُ العراقيون، الذين صاغَ وجودُهم الطويلُ داخلَ المجالِ العراقيِّ شخصيةً مختلفةً عن أكرادِ تركيا أو إيران أو سوريا، ضمنَ سياقٍ تاريخيٍّ وثقافيٍّ مشترك. وينطبقُ الأمرُ نفسه على الجماعاتِ الدينية؛ فالمسيحيُّ العراقي، أو اليهوديُّ العراقي، أو الصابئيُّ العراقي، أو المسلمُ العراقي، لم يكن مجردَ نسخةٍ من أبناءِ دينِه في أماكنَ أخرى، بل أصبحَ جزءًا من التكوينِ الحضاريِّ العراقي، يحملُ سماتِه الثقافيةَ والاجتماعيةَ والوجدانية. وبذلك فإنَّ العراق لم يكن فضاءً لتجاور الهويات، بل معملًا تاريخيًا لإعادةِ إنتاجها ضمنَ نسقٍ حضاريٍّ أعلى. ومن هنا تصبحُ الهوياتُ الفرعيةُ مكوناتٍ داخلَ هويةٍ وطنيةٍ أم، لا كياناتٍ متصارعةً خارجَها. إنَّ الأمةَ المدنيةَ العراقيةَ لا تقومُ على إلغاءِ التنوع، بل على تحويلِ التنوعِ إلى وحدةٍ حضارية. فالتعددُ في العراق ليس دليلَ انقسام، بل دليلُ غنىً تاريخيٍّ شاركتْ جميعُ مكوناتِه في صناعةِ الشخصيةِ العراقيةِ الجامعة. ولهذا فإنَّ الاعتزازَ بالعروبةِ العراقية، أو الكرديةِ العراقية، أو التركمانيةِ العراقية، أو المسيحيةِ العراقية، لا يتناقضُ مع الهويةِ الوطنية، بل يتكاملُ معها، لأنَّ الجميعَ أسهموا في بناءِ المجالِ الحضاريِّ المشترك الذي يُسمى العراق.