ليس دفاعا عن الزيدي

عدنان طعمة

لم تكن البلاغة واتقان اللغة يوما علامة على الحكمة والشرف والقيادة المسؤولة، فالتاريخ مليء بخطباء امتلكوا القدرة على أسر الجماهير، لكنهم ساقوا أوطانهم إلى الحروب والخراب. كان هتلر يتحدث كمن ينوم شعبا كاملا بحماسة الكلمات، فانتهت أوروبا إلى أنهار من الدم. وموسوليني أيضا كان يقف على الشرفات كأنه ممثل بارع فوق مسرح ضخم، يلوح بيديه ويعد الناس بالمجد، ثم قاد بلاده إلى الهزيمة والانهيار.

الكلمات وحدها لا تبني وطنا ولا تنقذ بلد مثل العراق غارقا في الخراب، وأحيانا تكون البلاغة مجرد قناع ذهبي لعجز كبير. في العراق سمعنا خطبا كثيرة حتى تشبعت آذاننا بالوعود الجوفاء. ماذا استفدنا من فصاحة الجعفري غير أعوام من الفوضى والخراب الذي كان يجر خرابا آخر؟ ثم تعاقبت وجوه سياسية مختلفة، بعضهم يتقن الخطابة ولا يجيد الإدارة…

أما رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي، فكما يبدو ليس رجل خطاب مؤثر، ولا صاحب خلفية حوزوية أو أكاديمية تمنحه حضورا لغويا لافتا. يبدو أقرب إلى رجل اقتصاد بقدرات متوسطة، يتحدث بحذر الموظف لا بكاريزما القائد الذي يلهب حماس الجماهير. وقد سبقه الكاظمي الذي كان يبتلع نصف حروفه وهو يخاطب الناس. لكن المشكلة الحقيقية ليست في فصاحة السياسي أو ضعفه اللغوي، بل في وطن صار يقيس الحاكم بما يتركه على الأرض لا بما يقوله أمام الكاميرات. فالعراقي الذي أرهقته الخطب والبرامج التلفزيونية السياسية التافهة، لم يعد يبحث عن بلاغة تدهشه، بل عن حياة أقل قسوة وحياة سياسية مستقرة، لا غربية ولا شرقية…

ولا يفهم من هذا الكلام انحياز للزيدي، إذ يصعب انتظار الكثير من حكومة تنتمي للإطار التنسيقي الذي أثقل البلاد بخيبات متراكمة.