رياض سعد
بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، فرقٌ شاسعٌ كالفرق بين الثرى والثريا… ؛ فمعظم الناس يتشدّقون بالسلام والمحبة والتسامح، إلا أنّ سلوكهم اليومي كثيرًا ما يتّسم بالأذيّة والعدوان، سواء بالكلمة أو الفعل أو التلميح أو حتى بالصمت المتعمّد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في المجتمعات البشرية؛ إذ إنّ الإنسان قد يرفع شعارات الرحمة في العلن، بينما يمارس القسوة بأشكالها المختلفة في الخفاء أو في تفاصيل الحياة اليومية…!!
ولذلك، فلا تستغرب إذا وجدت يومًا أنّ أحدهم قد آذاك ماديًا أو معنويًا، أو تسبّب بأذيّتك بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ لأنّ الأذيّة أصبحت، للأسف، سلوكًا متجذرًا لدى بعض الناس، يمارسونه بدافع الحقد أو الجهل أو الشعور بالنقص أو حتى بدافع التسلية المرضية أحيانًا.
إنّ الإنسان السويّ بطبيعته يميل إلى الأمان والطمأنينة والتعايش، لكنّ النفس البشرية حين تفسدها العقد النفسية والأحقاد والمصالح الضيقة تتحول إلى مصدر ضرر للآخرين… ؛ ولهذا فإنّ الأذيّة ليست دائمًا فعلًا عابرًا، بل هي في كثير من الأحيان انعكاسٌ لبنية نفسية مضطربة أو بيئة اجتماعية مشوّهة أو تربية ناقصة.
وللأذيّة صورٌ متعددة، يمكن اختصار أبرزها في ستة أنماط رئيسية:
أولًا: من يؤذيك لأنك آذيته يومًا ما
وهذا شخصٌ يرى أنّه يستعيد حقّه أو ينتقم لكرامته المجروحة… ؛ وقد يكون منصفًا في بعض الحالات، لأنّ الإنسان غالبًا لا يحصد إلا ما زرعه… ؛ فالكلمة الجارحة قد تعود يومًا إلى صاحبها، والإساءة قد ترتد على المسيء ولو بعد حين… ؛ ولهذا كان الحكماء يقولون: “كما تدين تُدان”.
ثانيًا: من يؤذيك لأنه يظن ـ مجرد ظن ـ أنك آذيته
وهذا نموذج منتشر بكثرة في مجتمعاتنا؛ إذ تنشأ عداوات طويلة بسبب سوء فهم أو وهم أو تفسير خاطئ لموقف عابر… ؛ وهذا الشخص يعيش أسير الظنون والهواجس، فيبني مواقفه على التخمين لا على الحقيقة، فتراه يعاديك بينما أنت لا تعرف أصل العداوة ولا سببها… ؛ وهنا تتحول الشكوك إلى سلاح يهدم العلاقات الإنسانية ويزرع الكراهية بين الناس.
ثالثًا: من يؤذيك لأنه يشعر أنك تحتقره
وهذا شخص هشّ من الداخل، يعاني من شعور دفين بالنقص والدونية، فيفسّر نجاح الآخرين أو اختلافهم عنه على أنّه احتقار له… ؛ ولذلك يتحول إحساسه الداخلي بالعجز إلى عدوان على الآخرين… ؛ ومثل هذا الإنسان لا يؤذيك لأنك أخطأت بحقه، بل لأنه عاجز عن التصالح مع نفسه.
رابعًا: من يؤذيك لأنك أفضل منه
وهذا هو الحسد في أوضح صوره… ؛ فبعض الناس لا يحتملون رؤية شخص ناجح أو محبوب أو متفوّق أو مستقر نفسيًا، لأنّ نجاح الآخرين يذكّرهم بإخفاقاتهم وعجزهم… ؛ ولهذا يحاولون التقليل منك أو تشويه صورتك أو إلحاق الضرر بك، لا لشيء إلا لأنك تمتلك ما يفتقدونه هم… ؛ والحسد من أكثر الدوافع الخفية التي تقف وراء كثير من الأذى الاجتماعي والمهني وحتى العائلي.
خامسًا: من يؤذي الجميع بلا استثناء
وهذا شخص عدواني بطبعه، مجبول على الأذيّة، لا يكاد يترك أحدًا إلا وناله بشيء من الضرر أو الإساءة… ؛ فهو يعيش حالة صراع دائم مع العالم، ويشعر بلذّة خفية حين يفسد راحة الآخرين أو يعكّر صفو حياتهم… ؛ ومثل هؤلاء غالبًا ما يكونون أسرى غضب داخلي مزمن أو تربية قاسية أو اضطرابات نفسية دفعتهم إلى تحويل الأذى إلى أسلوب حياة.
سادسًا: من يؤذيك لأنك أحسنت إليه
وهذه من أكثر صور الأذيّة إيلامًا وغرابة… ؛ فبعض النفوس اللئيمة لا تحتمل فضل الآخرين عليها، لأنّ الإحسان يذكّرها بعجزها أو بنقصها الأخلاقي، فتقابل الجميل بالإساءة… ؛ ولهذا قيل: “اتّقِ شرّ من أحسنت إليه”… ؛ وليس المقصود التوقف عن فعل الخير، بل إدراك أنّ النفوس ليست سواء، وأنّ الإحسان حين يقع في نفس خسيسة قد يتحول إلى سبب للحقد بدل الامتنان.
إنّ أخطر ما في الأذيّة أنّها لا تجرح الجسد فقط، بل قد تترك ندوبًا عميقة في الروح والذاكرة والثقة بالناس… ؛ فكلمة مهينة قد تعيش في قلب الإنسان سنوات طويلة، وخيانة واحدة قد تغيّر نظرته إلى العالم كله… ؛ ولهذا فإنّ المجتمعات التي تكثر فيها الأذيّة تتحول تدريجيًا إلى بيئات قاسية يسيطر عليها الخوف والشك وانعدام الطمأنينة.
ومع ذلك، فإنّ الوعي بطبيعة الناس وفهم دوافعهم النفسية والاجتماعية يخفف كثيرًا من وقع الصدمات… ؛ فليس كل أذى دليلًا على نقصك أنت، بل قد يكون انعكاسًا لخللٍ عميق في الطرف الآخر… ؛ ولهذا فإنّ الحكمة لا تكمن فقط في تجنب إيذاء الناس، بل أيضًا في تعلّم كيفية التعامل مع المؤذين دون أن تتحول قلوبنا إلى نسخة أخرى منهم.
فالإنسان النبيل لا يُقاس بعدد من يحبونه، بل بقدرته على الاحتفاظ بإنسانيته رغم كل ما يتعرض له من أذى وإساءة ... .