رأسٌ ممتلئ بالغياب

رياض سعد

كان يونس يخشى النوم أكثر مما يخشى الموت.

فالموتُ احتمالٌ بعيد، أما النوم فكمينٌ يوميّ، يسقط فيه كل ليلة دون مقاومة.

وما إن تغمض عيناه حتى تبدأ تلك الحديقة المعتمة بالتفتح داخل رأسه؛ وجوهٌ يعرفها قبل أن يراها، أصواتٌ تأتيه من أماكن لم يزرها، وأحداثٌ لم تقع بعد لكنها تتحرك في داخله كذكريات قديمة.

في طفولته، ظنت أمّه أن الله اصطفاه بشيء من الكرامة.

كانت تمسح على رأسه كلما أخبرها بما رأى، وتقول بصوت خفيض يشبه الدعاء:

— قلبك نظيف… لذلك ترى ما لا يراه الآخرون.

لكن أباه كان ينظر إليه كمن ينظر إلى شرخٍ في الجدار.

لا يوبخه، ولا يصدقه أيضًا. فقط يشيح بعينيه عنه، وكأنه يخاف أن تنتقل العدوى إلى البيت كله.

ومع السنوات، تعلّم يونس أن يصمت.

اكتشف مبكرًا أن الناس لا تخاف الكذب بقدر ما تخاف الحقيقة حين تأتي مبكرة أكثر من اللازم.

فالإنسان يستطيع احتمال المصيبة بعد وقوعها، لكنه ينهار إذا رآها تزحف نحوه ببطء.

في الجامعة، صار أكثر عزلة.

لم يكن منطويًا بالمعنى التقليدي، بل بدا كمن يعيش بتوقيت مختلف عن الآخرين. يضحك متأخرًا، يصمت فجأة أثناء الحديث، وينظر طويلًا إلى الوجوه كأنه يقرأ خلف الجلد شيئًا لا يريد أحد الاعتراف به.

أصدقاؤه وصفوه بالحساس.

بعضهم قال إنه مكتئب.

آخرون اعتقدوا أنه متصوف ضلّ طريقه إلى قسم الفلسفة.

أما هو، فلم يكن يعرف على وجه الدقة ما الذي يحدث له.

كان يشعر فقط أن روحه أرهف من اللازم، وأن العالم خشنٌ بصورة لا تُحتمل.

في إحدى الليالي رأى صديقه “سالم” واقفًا تحت جسر قديم، يحدق في الماء الأسود أسفله.

لم يتكلم سالم في الرؤيا، لكنه التفت نحوه بعينين مطفأتين، ثم اختفى.

استيقظ يونس مذعورًا.

ظلّ الحلم يطارده طوال النهار، حتى قرر الاتصال بسالم. لم يجب.

وفي المساء، انتشر الخبر سريعًا:

سالم ألقى بنفسه من فوق الجسر.

يومها أدرك يونس أن ما يراه ليس أوهامًا عابرة.

كانت الرؤى تتحقق بدقة مرعبة، كأن القدر يسرّب إليه مسوداته الأولى قبل اعتماد النسخة النهائية من الكارثة.

ومنذ تلك الحادثة، بدأ شيء داخله يتآكل ببطء.

صار يخاف التعلّق بالناس، لأن كل حبٍّ جديد يعني احتمال رؤية نهايته مسبقًا.

كان يشعر بأنه يحمل مقبرة مؤجلة في رأسه.

حتى المدينة تغيّرت في نظره.

الشوارع بدت له كأنها تسير نحو مصائرها دون أن تدري؛ البائع العجوز الذي سيختفي قريبًا، الطفل الذي ستبتلعه الحرب بعد أعوام، المرأة التي تضحك الآن بينما الخيانة تنمو خلف ظهرها كفطرٍ سام.

كل شيء كان هشًّا بصورة موجعة.

وذات فجر، رأى نفسه للمرة الأولى.

كان جالسًا في غرفة ضيقة بلا أبواب، وعلى الجدار المقابل كُتبت عبارة بخط أسود:

“المعرفة التي لا تغيّر شيئًا… عقوبة.”

استيقظ مرتجفًا، وشعر بأن الحلم لم يكن رؤيا هذه المرة، بل حكمًا.

لأيام طويلة، ظل يفكر في العبارة.

ما جدوى أن يرى ما سيحدث إذا كان عاجزًا عن منعه؟

هل المعرفة نعمة فعلًا، أم شكل آخر من أشكال العذاب؟

وهل اختار الله البشر الجهل رحمةً بهم؟

بدأ يميل إلى العزلة أكثر.

لم يعد يشارك أحدًا بما يرى، ليس خوفًا من السخرية، بل خوفًا من التحول إلى شاهدٍ أبدي على انهيارات لا يستطيع إنقاذها.

ومع الوقت، صار يشك حتى في نفسه.

هل الرؤى حقيقة؟

أم أن عقله المرهق صار بارعًا في صناعة المصادفات؟

هل كان يرى المستقبل… أم كان فقط يبالغ في تأويل العالم بسبب حساسيته المفرطة؟

ذلك الشك كان أكثر قسوة من الرؤى ذاتها.

فالإنسان يستطيع احتمال اللعنة، لكنه ينهار حين يشك بسلامة عقله.

في الليلة الأخيرة، رأى حلمًا مختلفًا.

لم تكن هناك وجوه، ولا موتى، ولا جسور.

رأى فقط مدينة كاملة نائمة تحت سماء رمادية، بينما الناس يسيرون داخل أيامهم كالعميان، يتقاتلون ويحبّون ويخدعون بعضهم بعضًا، دون أن يدركوا هشاشتهم الهائلة.

وفجأة، وسط ذلك الزحام، لمح نفسه يمشي بينهم بهدوء… بلا خوف.

اقترب منه أكثر.

كان وجهه متعبًا، لكنه مطمئن على نحو غريب.

ثم سمع صوته يقول:

— النجاة ليست في أن ترى القدر… بل في أن تتصالح معه.

استيقظ قبل الفجر بقليل.

فتح النافذة، فدخل هواء بارد ورائحة مطر بعيد.

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يشعر بالرعب من الليل.

في الخارج، كانت المدينة ما تزال نائمة، غارقةً في جهلها الرحيم.

أما يونس، فجلس بصمت يتأمل السماء، كمن أدرك أخيرًا أن الروح التي ترى أكثر من اللازم… تحتاج أحيانًا أن تغمض عينيها كي تعيش.