إيهاب مقبل
يُعدّ حزب البعث العربي الاشتراكي من أكثر الأحزاب السياسية تأثيرًا وإثارةً للجدل في التاريخ العربي الحديث، خصوصًا بعد وصوله إلى السلطة في العراق وسوريا. فقد رفع الحزب منذ تأسيسه شعارات كبرى مثل الوحدة العربية والحرية والاشتراكية، وسعى إلى تقديم نفسه بوصفه مشروعًا نهضويًا يهدف إلى توحيد الأمة العربية وإنهاء الاستعمار والتخلف.
إلا أن التجربة العملية للحكم البعثي في العراق وسوريا ارتبطت بدرجات عالية من القمع والعنف السياسي، شملت السجون الواسعة، والتعذيب، والإعدامات، والمجازر الجماعية، وتقييد الحريات العامة. وقد أثار هذا التناقض بين الشعارات والممارسات تساؤلات كثيرة حول الأسباب التي دفعت أنظمة البعث إلى هذا المستوى من القسوة والاستبداد.
ولفهم هذه الظاهرة لا بد من دراسة مجموعة كبيرة من العوامل السياسية والتاريخية والاجتماعية والأمنية التي تفاعلت معًا عبر عقود طويلة، وأدت في النهاية إلى بناء أنظمة تعتمد على الخوف والعنف للحفاظ على السلطة.
الوصول إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية
من أهم الأسباب التي ساهمت في قسوة الأنظمة البعثية أن الحزب وصل إلى الحكم عبر الانقلابات العسكرية، وليس من خلال انتخابات مستقرة. ففي سوريا وصل البعث إلى السلطة عام 1963، بينما استقر حكمه في العراق بعد انقلاب عام 1968.
الأنظمة التي تصل إلى الحكم بالقوة غالبًا ما تعيش حالة خوف دائم من فقدان السلطة، لأنها تدرك أن الوسيلة التي أوصلتها إلى الحكم يمكن أن تُستخدم ضدها أيضًا. ولهذا السبب اعتمدت الأنظمة البعثية على الجيش والأجهزة الأمنية بشكل كبير، بدل الاعتماد على الشرعية أو الشعب.
وقد أدى ذلك إلى بناء أجهزة أمنية قوية ومتعددة، مهمتها مراقبة المجتمع والمعارضين وحتى المسؤولين داخل الدولة نفسها، مما ساهم في انتشار الاعتقالات والقمع السياسي بصورة واسعة.
الحكم الشمولي وتركيز السلطة
تحولت الأنظمة البعثية تدريجيًا إلى أنظمة شمولية تتركز فيها السلطة بيد الحاكم بصورة شبه مطلقة. ففي العراق برز صدام حسين بوصفه القائد المطلق للدولة والحزب، بينما أصبح حافظ الأسد ولاحقًا ابنه بشار الأسد الشخصية المركزية في النظام السوري.
في هذا النوع من الأنظمة تصبح مؤسسات الدولة ضعيفة أمام سلطة الحاكم، ويتحول الحزب والجيش والإعلام إلى أدوات لخدمة القيادة السياسية. كما تُصنع صورة القائد على أنه المنقذ التاريخي للأمة، وتنتشر الدعاية السياسية التي تمجد الحاكم وتربط استقرار الدولة ببقائه.
وعندما تغيب الرقابة القضائية العادلة والصحافة الحرة والأحزاب المعارضة، يصبح من السهل ارتكاب الانتهاكات دون خوف من المحاسبة.
الصراعات الداخلية والخوف من المؤامرات
شهد حزب البعث منذ بداياته انقسامات وصراعات داخلية حادة، سواء بين الأجنحة المختلفة داخل الحزب أو بين البعث العراقي والبعث السوري.
هذه الصراعات خلقت عقلية سياسية تقوم على الشك والخوف من المؤامرات والانقلابات، ولذلك أصبحت القيادات البعثية تنظر إلى أي معارضة بوصفها تهديدًا خطيرًا للنظام.
وقد أدى ذلك إلى توسع أجهزة الأمن والمراقبة، وإلى استخدام العنف بصورة استباقية ضد الخصوم الحقيقيين والمحتملين على حد سواء.
الأيديولوجيا القومية وتبرير القمع
اعتمد حزب البعث على الفكر القومي العربي والاشتراكي، واعتبر نفسه حاملًا لمشروع تاريخي يهدف إلى توحيد الأمة العربية وتحقيق نهضتها.
لكن المشكلة ظهرت عندما اعتبرت الأنظمة البعثية نفسها الممثل الوحيد للوطن والأمة، وأصبحت تنظر إلى المعارضة باعتبارها خيانة قومية أو تهديدًا لمصير الدولة.
وقد ساعد هذا التفكير على تبرير استخدام العنف ضد المعارضين، حيث صُوِّر كثير من الخصوم السياسيين على أنهم “خونة” أو “عملاء” أو “أعداء للأمة”.
تأثير الاستعمار وعدم الاستقرار بعد الاستقلال
عاش كل من العراق وسوريا فترات طويلة من النفوذ الأجنبي والاستعمار قبل الاستقلال، وبعد الاستقلال واجه البلدان ضعفًا في المؤسسات السياسية وكثرة الانقلابات والصراعات على السلطة.
في هذه البيئة ظهرت الأحزاب العسكرية والقومية بوصفها قوى تعد بالاستقرار والوحدة والقوة. لكن ضعف التجربة السياسية جعل الأنظمة الجديدة تعتمد على القوة العسكرية والأمنية بدل بناء مؤسسات سياسية مستقرة.
كما أن الشعور بالخطر الخارجي عزز لدى الأنظمة البعثية فكرة أن القبضة الأمنية ضرورية لحماية الدولة.
تأثير الحرب الباردة
ظهر حزب البعث في فترة كانت المنطقة العربية تعيش خلالها أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وقد دعمت القوى الكبرى في تلك الفترة كثيرًا من الأنظمة العسكرية حول العالم، مما ساهم في تقوية الأنظمة الأمنية والعسكرية في المنطقة العربية.
كما استخدمت الأنظمة البعثية أجواء الحرب الباردة لتبرير القمع، من خلال اتهام المعارضين بالعمالة للقوى الأجنبية أو التآمر مع الأعداء الخارجيين.
الحروب والصراعات الإقليمية
لعبت الحروب دورًا كبيرًا في زيادة قسوة الأنظمة البعثية، خاصة في العراق. فقد أدت الحرب العراقية الإيرانية، ثم غزو الكويت والعقوبات الدولية، إلى عسكرة الدولة والمجتمع بصورة كبيرة.
أما في سوريا فقد ساهم الصراع مع ما يسمى “إسرائيل”، ثم المواجهات الداخلية منذ الثمانينيات، وأخيرًا الحرب السورية بعد عام 2011، في تعزيز الطابع الأمني والعسكري للنظام.
وغالبًا ما تؤدي الحروب الطويلة إلى تراجع الحريات العامة، لأن الأنظمة تستخدم الظروف الأمنية لتوسيع صلاحيات الجيش والأجهزة الأمنية.
الاقتصاد الريعي والنفط
لعب النفط دورًا مهمًا خصوصًا في العراق، حيث وفر للنظام موارد مالية ضخمة مكنته من تمويل الجيش والأجهزة الأمنية والحزب الحاكم.
والدولة الريعية التي تعتمد على النفط لا تحتاج بدرجة كبيرة إلى الضرائب التي يدفعها المواطنون، وبالتالي لا تشعر بضغط قوي لتوسيع المشاركة السياسية أو بناء نظام سياسي متعدد التوجهات.
كما ساعدت الموارد النفطية على تعزيز سلطة الدولة وتحويلها إلى مركز اقتصادي ضخم يتحكم في الوظائف والخدمات، مما منح النظام نفوذًا واسعًا على المجتمع.
عسكرة المجتمع
أدت الحروب الطويلة والتعبئة السياسية المستمرة إلى عسكرة المجتمع في العراق وسوريا. فقد أصبح الجيش والأمن يحتلان مكانة مركزية في الدولة، كما انتشرت الثقافة العسكرية في المدارس والإعلام والحياة العامة.
في مثل هذه الأجواء تُقدَّم الطاعة والانضباط على أنهما قيمتان أساسيتان، بينما تُعامل المعارضة بوصفها تهديدًا للأمن القومي.
كما أن عسكرة المجتمع تجعل استخدام القوة أمرًا طبيعيًا في إدارة الأزمات السياسية والاجتماعية.
البنية الطائفية والعرقية والخوف من التفكك
يتميز العراق وسوريا بتنوع ديني وطائفي وعرقي كبير، وقد خافت الأنظمة البعثية من احتمال تحول هذا التنوع إلى صراعات تهدد وحدة الدولة.
ولهذا السبب اعتمدت السلطات على القبضة الأمنية الصارمة لمنع أي حركات تمرد أو انفصال، لكنها في كثير من الأحيان ساهمت في زيادة التوترات والانقسامات بدل حلها.
كما اعتمدت الأنظمة أحيانًا على شبكات من الولاءات العائلية أو الطائفية داخل الجيش والأجهزة الأمنية لضمان استقرار الحكم.
الحزب الواحد واحتكار الحقيقة
اعتمدت الأنظمة البعثية على فكرة الحزب القائد الذي يحتكر الحقيقة الوطنية والقومية، ولذلك لم يكن هناك مجال حقيقي للتعددية السياسية أو الفكرية.
وقد ساهم الإعلام الرسمي والمناهج التعليمية والتنظيمات الحزبية في نشر صورة الحزب بوصفه القوة الوحيدة القادرة على حماية الوطن وتحقيق التقدم.
هذا الاحتكار الفكري أدى إلى إضعاف ثقافة الحوار السياسي، وتحويل أي اختلاف في الرأي إلى تهديد يجب القضاء عليه.
استخدام الخوف كوسيلة للحكم
اعتمدت الأنظمة البعثية بدرجة كبيرة على نشر الخوف داخل المجتمع. فالاعتقالات والتعذيب والإعدامات لم تكن تهدف فقط إلى معاقبة المعارضين، بل أيضًا إلى تخويف بقية المجتمع ومنع أي محاولة للتمرد.
ومع مرور الوقت تحول الخوف إلى أداة سياسية فعالة، حيث أصبح كثير من الناس يتجنبون حتى الحديث في السياسة خوفًا من المراقبة أو العقاب.
وقد أدى ذلك إلى خلق مجتمع يعيش حالة من الصمت والتوتر الدائم.
السجون والتعذيب كأداة للسيطرة
أصبحت السجون السياسية في العراق وسوريا رمزًا لطبيعة الحكم البعثي. ففي العراق ارتبطت بعض السجون والأجهزة الأمنية بحملات الاعتقال والتعذيب الواسعة، بينما عُرفت سوريا بسجون مثل تدمر وصيدنايا وما ارتبط بها من انتهاكات فضيعة.
وكان الهدف من هذه السياسات ليس فقط معاقبة المعارضين، بل أيضًا نشر الرعب داخل المجتمع وترسيخ فكرة أن الدولة قادرة على سحق أي معارضة.
المجازر الجماعية واستخدام العنف المفرط
شهد حكم البعث أحداثًا دموية كبيرة تركت آثارًا عميقة في تاريخ المنطقة. ففي العراق وقعت حملة الأنفال ضد الأكراد عام 1988، إضافة إلى قمع انتفاضة عام 1991 بعد حرب الكويت.
أما في سوريا فقد ارتبطت فترة الثمانينيات بأحداث حماة عام 1982، ثم شهدت البلاد بعد عام 2011 مستويات واسعة من العنف خلال الحرب الأهلية.
وقد استخدمت الأنظمة البعثية القوة العسكرية بصورة واسعة انطلاقًا من قناعة بأن الحسم العنيف هو الوسيلة الأسرع للحفاظ على السلطة ومنع انهيار الدولة.
غياب التعددية السياسية والمؤسسات المستقلة
من الأسباب الجوهرية أيضًا غياب التعددية السياسية الحقيقية. فلم تكن هناك انتخابات تنافسية حرة أو تداول فعلي للسلطة، كما كانت الأحزاب المعارضة محدودة أو ممنوعة.
كذلك غاب القضاء المستقل والإعلام الحر، مما جعل من الصعب كشف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها.
وفي غياب المؤسسات الحقيقية، ولاسيما القضاء المستقل العادل، تصبح السلطة أكثر ميلًا لاستخدام القوة، لأنها لا تواجه رقابة فعالة من المجتمع.
الإرث النفسي والسياسي للعنف
مع مرور عقود طويلة على الحكم الأمني أصبح العنف جزءًا متجذرًا في بنية الدولة نفسها. فالأجهزة الأمنية التي اعتادت استخدام القوة المفرطة استمرت في العمل بالعقلية ذاتها حتى مع تغير الظروف.
كما أن الأجيال الجديدة داخل الحزب والأجهزة الأمنية تربت في بيئة ترى أن القسوة ضرورية للحفاظ على الاستقرار، مما جعل العنف يستمر ويتكرر عبر الزمن.
وفي كثير من الأحيان يؤدي استمرار القمع لفترات طويلة إلى فقدان النظام القدرة على استخدام الحلول السياسية أو التفاوضية، لأنه يصبح معتادًا على الحل الأمني فقط.
خاتمة
يمكن القول إن قسوة أنظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وسوريا لم تكن نتيجة عامل واحد فقط، بل جاءت نتيجة تداخل معقد بين عوامل سياسية وأمنية واقتصادية وأيديولوجية وتاريخية متعددة. فالانقلابات العسكرية، والحكم الشمولي، والخوف من المعارضة، والحروب المستمرة، وغياب القضاء المستقل والعدالة الحقيقية، كلها عوامل ساهمت في بناء أنظمة أمنية اعتمدت على العنف والخوف للحفاظ على بقائها.
ورغم أن حزب البعث رفع شعارات قومية واجتماعية جذبت كثيرين في بداياته، فإن التجربة العملية أظهرت أن غياب المؤسسات الحقيقية والمحاسبة يمكن أن يحول أي مشروع سياسي إلى نظام شديد القسوة والاستبداد.
كما تُظهر التجربة البعثية في العراق وسوريا أهمية الاستفادة من دروس الماضي، والعمل على بناء دول تقوم على القانون والمؤسسات والتعددية السياسية، بدل حكم الفرد والحزب الواحد. فاستقرار الدول لا يتحقق عبر الخوف والقمع، بل عبر العدالة واحترام قيمة الإنسان والمشاركة السياسية الحقيقية.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون بين العراق وسوريا في معالجة آثار العقود السابقة، وملاحقة المتورطين في الجرائم والانتهاكات ضمن الأطر القانونية والقضائية، بما يساعد على منع عودة أنماط الحكم الأمني التي عانى منها الشعبان لعقود طويلة.
وفي النهاية، فإن تجاوز إرث العنف والاستبداد يتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على الحوار والمصالحة وسيادة القانون، حتى لا تتكرر التجارب التي حولت الدولة إلى أداة للقمع بدل أن تكون وسيلة لحماية المجتمع وخدمته.
انتهى