د. فاضل حسن شريف
وعن محاورة الامام الجواد عليه السلام مع يحيى بن الأكثم يقول آية الله السيد محمد تقي المدرسي: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ لِلْمَأْمُونِ: يَأْذَنُ لِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: اسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي- جُعِلْتُ فِدَاكَ- فِي مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: سَلْ إِنْ شِئْتَ. قَالَ يَحْيَى: مَا تَقُولُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْداً؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: – قَتَلَهُ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ؟ – عَالِماً كَانَ المُحْرِمُ أَوْ جَاهِلًا؟ – قَتَلَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً؟ – حُرًّا كَانَ المُحْرِمُ أَوْ عَبْداً؟ – صغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً؟ – مُبْتَدِئاً بِالْقَتْلِ أَوْ مُعِيداً؟ – مِنْ ذَوَاتِ الطَّيْرِ كَانَ الصَّيْدُ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا؟ – مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ أَمْ مِنْ كِبَارِهَا؟ – مُصِرًّا عَلَى مَا فَعَلَ أَوْ نَادِماً؟ – فِي اللَّيْلِ كَانَ قَتْلُهُ لِلصَّيْدِ أَمْ فِي النَّهَارِ؟ – مُحْرِماً كَانَ بِالْعُمْرَةِ إِذْ قَتَلَهُ أَوْ بِالحَجِّ كَانَ مُحْرِماً؟ فَتَحَيَّرَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَبَانَ فِي وَجْهِهِ الْعَجْزُ وَالِانْقِطَاعُ وَلَجْلَجَ حَتَّى عَرَفَ جَمَاعَةُ أَهْلِ المَجْلِسِ أَمْرَهُ، فَقَالَ المَأْمُونُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ لِي فِي الرَّأْيِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَعَرَفْتُمُ الْآنَ مَا كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فَقَالَ لَهُ: أَتَخْطُبُ يَا أَبَا جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: اخْطُبْ لِنَفْسِكَ- جُعِلْتُ فِدَاكَ- قَدْ رَضِيتُكَ لِنَفْسِي وَأَنَا مُزَوِّجُكَ أُمَّ الْفَضْلِ ابْنَتِي وَإِنْ رَغِمَ قَوْمٌ لِذَلِك. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: الحَمْدُ للهِ إِقْرَاراً بِنِعْمَتِهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِخْلَاصاً لِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ بَرِيَّتِهِ، وَالْأَصْفِيَاءِ مِنْ عِتْرَتِهِ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ كَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى الْأَنَامِ أَنْ أَغْنَاهُمْ بِالْحَلَالِ عَنِ الْحَرَامِ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: “وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (النور 32).
الجواد صفة للشخص السخي كثير العطاء جاء في تفسير الميسر: قوله جل اسمه “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” ﴿البقرة 3﴾ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون: زكاة أموالهم ونفقة الرجل على أهله وأقربائه وعلى المحتاجين. وهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها؛ لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله، مثل الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، ﴿والإيمان: كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصديق الإقرار بالقول والعمل بالقلب واللسان والجوارح﴾ وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل اسمه “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (البقرة 3) “الذين يؤمنون” يصدِّقون “بالغيب” بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار “ويقيمون الصلاة” أي يأتون بها بحقوقها “ومما رزقناهم” أعطيناهم “ينفقون” في طاعة الله.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل اسمه “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” ﴿البقرة 3﴾ وتسأل: لقد ثبت عن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله قوله: (أصل ديني العقل) وهو بظاهره يدل على ان العقل يدرك جميع الأحكام الدينية الاسلامية؟. الجواب: ان الإسلام يرتكز أول ما يرتكز على الألوهية والنبوة، ومنهما تنبع تعاليمه وأحكامه، والسبيل إلى معرفتهما هو العقل، وعليه يكون معنى الحديث الشريف ان الإسلام الذي يرتكز على الألوهية والنبوة اعتمد في إثباتهما على العقل، لا على التقليد والمتابعة العمياء، ولا على الخرافات والأساطير. قد تحكم السلطة على شخص بالإقامة الجبرية في بلد معين، وتحجر عليه ان يتعداه إلى غيره، وتلزمه بالحضور كل يوم في الدائرة المختصة اثباتا لوجوده، فان تخلف كان مسؤولا. واختط الإسلام للمؤمن مخططا خاصا يثبت به ويؤكد كل يوم خمس مرات إيمانه باللَّه فاطر السماوات والأرض، وإخلاصه في جميع أعماله: “وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (الأنعام 79).. “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ” (الأنعام 162-163). ومن ترك الصلاة جاحدا فهو مرتد عن الإسلام، أو متهاونا فهو فاسق مستحق للعقاب. وبهذا نجد تفسير قول الإمام أمير المؤمنين في نهج البلاغة: ( ان رسول اللَّه شبه الصلاة بالحمّة – هي عين تنبع بالماء الحار – تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن). أي ان المواظبة على الصلاة تزكي القلب من الارتداد والفسق، تماما كما يطهر الاغتسال الجسم من الأقذار، وأي شيء أقذر من الكفر والفسوق؟ “وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ” ﴿البقرة 3﴾: الإنفاق هنا يشمل جميع ما يبذله الإنسان في سبيل الخير زكاة كان، أو غيرها.. وليس من شك ان البذل في سبيل الخير راجح في ذاته، ولكن هل: يجب في الأموال شيء غير الزكاة والخمس؟ لقد جاء في طريق السنة، كما عن الترمذي، وفي طريق الشيعة كما عن الكافي ان في الأموال حقا آخر. وفسر الإمام جعفر الصادق عليه السلام هذا الحق بأنه الشيء يخرجه الرجل من ماله، ان شاء أكثر، وان شاء أقل على قدر ما يملك، واستدل بقوله تعالى: “وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ” (الذاريات 19).. والآية 24 من سورة المعارج: “فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ” (المعارج 24-25). غير ان أكثر العلماء حملوا ذلك على الاستحباب دون الوجوب إلا الشيخ الصدوق من الشيعة، حيث نقل عنه القول بأن في الأموال حقا لازما غير الخمس والزكاة، يخرجه المالك حسب ما يملك كثرة وقلة.. ومهما يكن، فان الذي لا شك فيه ان بذل المال في سبيل الخير يطهر من الأقذار، وينجي من عذاب النار، قال تعالى في الآية 103 من سورة التوبة: ” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا” (التوبة 103).
جاء في کتاب مسند الإمام الجواد أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام للشيخ عزيز الله العطاردي: وعن نزول آية قرآنية يقول الشيخ عز الله العطاردي في كتابه: عن محمد بن الحسن البراني قال: حدثني الفارسي يعني ابا عليّ عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابي عمير عمن حدثه قال: قال: سألت محمد بن عليّ الرضا عليه السلام عن هذه الآية “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ” (الغاشية 2-3) قال: نزلت في النصاب و الزيدية و الواقفة من النصاب.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” ﴿البقرة 3﴾ الإرتباط بالنّاس: المتقون ـ إضافة إلى ارتباطهم الدائم بالخالق ـ لهم إرتباط وثيق ومستمر بالمخلوقين، ومن هنا كانت الصفة الثالثة التي يبيّنها لهم القرآن أنّهم “ومِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” ﴿البقرة 3﴾. يلاحظ أن القرآن لا يقول: ومن أموالهم ينفقون، بل يقول: “ومِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ”، وبذلك وسّع نطاق الإنفاق ليشمل المواهب المادية والمعنوية. فالمتقون لا ينفقون أموالهم فسحب، بل ينفقون من علمهم ومواهبهم العقلية وطاقاتهم الجسميّة ومكانتهم الإجتماعية، وبعبارة اُخرى ينفقون من جميع إمكاناتهم لمن له حاجة إلى ذلك دون توقّع الجزاء منه. الملاحظة الاُخرى: إن الإنفاق قانون عام في عالم الخليقة، وخاصة في التركيب العضوي لكل موجود حي. قلب الإنسان لا يعمل لنفسه فقط، بل ينفق ما عنده لجميع خلايا البدن. الدماغ والرئة وسائر أجهزة البدن تنفق دائماً من ثمار عملها، والحياة الجماعية ـ أساساً ـ لا مفهوم لها دونما إنفاق. الإرتباط بالنّاس في الحقيقة حصيلة الإرتباط بالله. فالإنسان المرتبط بالله يؤمن أن كل ما لديه من نِعَم إنّما هي مواهب إلهيّة مودعة لديه لفترة زمنيّة معينة. ومن هنا فلا يزعجه الإنفاق بل يسره ويفرحه، لأنه بالإنفاق قسّم مال الله بين عباد الله، وبقيت له نتائج هذا العمل وبركاته المادية والمعنوية. وهذا التفكير يطهّر روح الإنسان من البخل والحسد، ويحوّل الحياة من ساحة لتنازع البقاء إلى مسرح للتعاون حيث يشعر كل فرد بأنه مسؤول أن يضع ما لديه من مواهب تحت تصرف كل المحتاجين، مثل الشمس تفيض بأشعتها على الموجودات دون أن تتوقع من أحد جزاء. في حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه السلام بشأن تفسير الآية “وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ” يقول: (إنَّ مَعْنَاهُ وِمِمّا عَلَّمْنَاهُمْ يَبُثُّونَ). بديهي أنّ الرّواية لا تريد أن تجعل الإنفاق مختصاً بالعلم، بل إن الإمام الصادق يريد ـ بذكر هذا اللون من الإنفاق ـ أن يوسّع مفهوم الإنفاق كي لا يكون مقتصراً على الجانب المالي كما يتبادر إلى الأذهان لأول وهلة. ومن هنا يتضح ضمنياً أن الإنفاق المذكور في الآية، لا يقتصر على الزكوات الواجبة والمستحبة، بل يتسع معناه ليشمل كل مساعدة بلا مقابل.
عن العتبة العلوية المقدسة شذرات من حياة الإمام الجواد عليه السلام: عهد الصبا: أما الإمام الرضا عليه السلام فقد كان معجباً بنجله أيما إعجاب، فإذا جاءت رسالة عن الجواد عليه السلام وأراد أن يخبر شيعته بها قال: كتب لي أبو جعفر أو كتبت إلى أبي جعفر، فلا يقول ابني ولا يرضى باسمه الخاص، بل يكنيه إجلالاً واحتراماً. وأما ولده التقي في المدينة فقد كان يختلف إليه الشيعة اختلافهم إلى والده الرضاعليه السلام، لأنهم كانوا يعرفون أنه إمامهم في المستقبل. وذات يوم والشيعة في حضرة الجواد عليه السلام وفي مشهده إذ تغير حاله وأخذ يبكي، وعندما جاء الخادم، أمره بإقامة المأتم.. – عزاء من؟ ومأتم لمن؟ جعلت فداك. – مأتم أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقد استشهد الساعة في خراسان. – بأبي أنت وأمي، خراسان قطر يبتعد عن المدينة آلاف الأميال، وتفصل بينهما سهول وجبال. – نعم، دخلني ذل من الله عزّ وجلّ لم أكن أعرفه، فعرفت أن أبي قد توفي.