البيت بعد كاظم

رياض سعد

حين مات كاظم، لم تبكِ زينب فورًا.

الغريب أن الدموع تأخرت، كأن الروح نفسها لم تستوعب بعد كيف يمكن لرجلٍ كان يملأ البيت بصوته أن يتحول فجأة إلى اسمٍ يُقال بصيغة الماضي.

في تلك الليلة، بقيت تحدّق في سترته المعلّقة قرب الباب.

كانت الرائحة ما تزال هناك.

عرقٌ خفيف، تبغٌ رخيص، وغبار شوارع المدينة التي كانت تلتهم الرجال الطيبين كل يوم دون أن تشبع.

مدّت يدها نحو السترة ثم سحبتها بسرعة، كأنها لمست جسدًا حيًا.

الأطفال نائمون.

أو يتظاهرون بالنوم.

منذ موت أبيهم صاروا يتعلمون مبكرًا تلك الموهبة العراقية القديمة:

كيف يدفنون بكاءهم داخل الوسادة كي لا ينهار البيت أكثر.

في الخارج كانت المولدة تصرخ بصوتها المعدني القبيح، والمدينة تبدو كأنها خارجة لتوّها من حربٍ لا أحد يتذكر متى بدأت.

أما حيدر، فكان جالسًا على سطح المنزل، يدخن بشراهة وهو يحدّق في السماء المعتمة.

منذ الحادث وهو يشعر بشيء يشبه الذنب، رغم أنه لا يعرف ذنب مَن تحديدًا.

ذنب الشارع؟

السيارة؟

المدينة؟

الله؟

أم ذنب هذا العالم الذي يترك الأوغاد يعبرون أعمارهم كاملة، ثم يخطف رجلًا مثل كاظم في ظهيرة عابرة؟

أغلق عينيه.

فعاد صوت كاظم.

ذلك الصوت الهادئ الذي كان يثير أعصابه أحيانًا، لأن البشر الطيبين يبدون دائمًا وكأنهم يعرفون سرًا لا يعرفه الآخرون.

— “الناس يا حيدر لا تموت حين تتوقف قلوبهم… الناس تموت حين تصبح القسوة أمرًا عاديًا.”

قالها ذات ليلة فوق هذا السطح نفسه، حين كانت الكهرباء مقطوعة، وكانت المدينة غارقةً بعتمة تشبه قاع بئر.

يومها ضحك حيدر ساخرًا:

— “إذاً نحن أموات منذ زمن.”

لكن كاظم لم يضحك.

ظل صامتًا طويلًا، كأنه كان يرى شيئًا أبعد من الجميع.

كان غريبًا فعلًا.

لا يشبه رجال هذه الأيام.

حين يعود من عمله، يدخل البيت كمن يخشى أن يوقظ حزنًا نائمًا.

يضع الخبز فوق الطاولة برفق.

يمسح على رؤوس أطفاله كأنهم أشياء قابلة للكسر.

حتى صوته كان منخفضًا، كأنه يعتذر باستمرار عن قسوة العالم.

وزينب كثيرًا ما كانت تغضب منه.

ليس لأنه سيئ… بل لأنه طيب أكثر مما ينبغي.

الطيبة المفرطة تُخيف النساء أحيانًا.

تشعرك أن الرجل لا يعرف كيف ينجو.

قبل أسبوع من موته، باع كاظم خاتمه القديم ليساعد رجلًا لا يعرفه.

وحين صرخت زينب بوجهه:

— “وماذا عنّا؟!”

أجابها بتلك الابتسامة المتعبة نفسها:

— “لا أعرف لماذا أشعر دائمًا أن الله يختبر قلوبنا بالفقراء.”

كرهت زينب تلك العبارة.

ليس لأنها قاسية… بل لأنها صحيحة.

في يوم الحادث، كانت السماء رمادية بشكلٍ خانق.

حتى الهواء كان ثقيلًا، كأن المدينة تعرف مسبقًا أن أحدًا لن يعود إلى بيته مساءً.

تتذكر زينب الآن تفاصيل سخيفة لا معنى لها:

فنجان الشاي الذي لم يكمله.

المشط قرب المرآة.

الطريقة التي قبّل بها الأطفال.

نظرة طويلة وغامضة استقرت فوق وجهها قبل أن يغلق الباب.

كأنه كان يودعها دون أن يريد إخافتها.

ثم…

ضجيج.

هواتف.

أقدام تركض.

وجوه مرتبكة.

وسيارة إسعاف تشقّ الزحام مثل حيوانٍ معدني يلهث.

بعدها صار كل شيء ضبابيًا.

المستشفى.

رائحة المعقمات.

طبيب يتحدث بسرعة.

دم.

امرأة تبكي في الممر.

وحيدر واقف قرب الجدار، شاحبًا كأنه هو الذي مات.

قال الطبيب شيئًا عن “نزيف داخلي”.

كم تبدو اللغة الطبية باردة أمام الكارثة.

النزيف الداخلي…

كأن الرجل لم يكن يحمل داخله عمرًا كاملًا من الحب والخوف والتعب والأحلام الصغيرة.

بعد موته، اكتشفوا أن كاظم كان يحتل مساحة أكبر مما ظنوا.

البيت صار أضيق.

الهواء أثقل.

حتى الصمت تغيّر شكله.

الأطفال لم يعودوا يركضون نحو الباب عند المغرب.

أما زينب، فكانت كل ليلة تسمع صوت المفتاح في خيالها، ثم تتذكر فجأة أن الموتى لا يعودون.

ذلك هو الجزء الأكثر وحشية في الفقد:

ليس البكاء.

بل اعتياد الغياب.

بعد عام، وقفوا عند قبره.

الريح تعبث بالعشب اليابس، والسماء ملبدة بلونٍ يشبه التعب.

جلس حيدر قرب القبر طويلًا دون كلام.

ثم أشعل سيجارة وأطفأها فورًا.

كان كاظم يكره التدخين.

ابتسم بحزن.

حتى الموتى يواصلون التحكم بعاداتنا أحيانًا.

همس أخيرًا:

— “تعرف يا كاظم… كنت أظن أن الطيبين يعيشون أكثر.”

صمت قليلًا.

ثم أضاف بصوتٍ مكسور:

— “لكن يبدو أن الله أحيانًا يخطفهم بسرعة… لأن هذا العالم لا يليق بهم.”

في تلك اللحظة انفجرت زينب بالبكاء.

أما الأطفال فظلوا يحدقون بالقبر بصمتٍ حائر، كأنهم لا يفهمون كيف يمكن للتراب أن يبتلع رجلًا كان يملأ البيت دفئًا وضحكًا.

وفي طريق العودة، أدرك حيدر شيئًا مرعبًا:

أن بعض البشر لا يرحلون وحدهم حين يموتون…

بل يأخذون معهم النسخة الأقل قسوة من العالم.