شذرات عن الامام الجواد عليه السلام (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (ح 11)

د. فاضل حسن شريف

جاء في حوزة الرضا للدراسات الاسلامية عن الإمامُ الجوادُ والإمامةُ المبكِّرة للشيخ محمد صنقور: ستُّ نقاط للتنبيه على حقّانية الإمامة المبكرة: وأمَّا المقدمة الخامسة: فهي إنَّ الإمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يكن معزولاً، فلم يكن في بروجٍ مُشَّيدة، تحوطوها الحجَّاب، فيُشار إليها بأنَّ في هذه البروج رجلاً إلهيّاً، تظهرُ على يديه الكرامات، ويعلم بكتابِ الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن الأمرُ كذلك حتى يُقال إنَّ الشيعة قد آمنت بإمامة رجلٍ دون معاينةٍ ودون أنْ تقومَ عندهم الدلائلُ على إمامته بما يجدونه في حديثِه وما كان يظهرُ على يديه من الخوارقِ التي لا يتفقُ صدورُها إلا من أصفياءِ الله ونجبائه. كان الإمامُ من أئمةِ أهل البيت عليهم السلام يعيشُ في وسطِ الناسِ، يقصدونه فلا يجدونَ ما يحولُ دون التقائهم به، فكان يدخلُ عليه كلُّ الناس على اختلافهم في المشاربِ والمذاهب يستمعونَ إلى حديثِه ويستفتونَه وأحياناً يمتحنونَه. وكان أتباعُ المذاهب وعلمائِهم على درايةٍ بما يعتقدُه الشيعة في أئمتهم من العصمة والتفوُّق في العلم والمعرفة، فكانَ بإمكانِهم أنْ يُبدِّدوا هذه الهالةَ التي كان يعتقدُ بها الشيعةُ في أئمتِهم عليه السلام، وذلك بالدخولِ على أئمتِهم وامتحانِهم في محضرِ شيعتِهم، وإحراجِهم، وإفحامهم، وينتهي الموضوع. لماذا لم يفعلوا ذلك؟ أليسَ في الأمّة علماء؟ ألم يكن فيهم فقهاءُ ومحدِّثونَ ومَن عُرفوا بالتميُّز في علم الكلام والتفسير؟ لا ريب أنَّهم كانوا كثيرين، لكنَّهم كانوا يُدركون قصورَهم عن ذلك، نعم بذلت السلطةُ العباسية في ذلك مساعيَ متعدِّدةً وبعناوينَ مختلفة لكنَّ مسعاها في كلِّ مرةٍ يعودُ عليها بنقيضِ غرضِها فكانوا يجمعونَ في كلِّ مرة المتميِّزين من علماءِ المذاهبِ والديانات ويُحرِّضونَهم على التحضير لأكثر المسائل تعقيداً ثم يدعونَ الإمامَ للحضور دون سابقِ إشعارٍ عن غرض الدعوة أملاً في أنْ يكونَ ذلك موجباً لمفاجئته بما لم يكن مستعدَّاً له فينقطعُ أو يتعثَّر في الجواب لكنَّ حظَّ السلطةِ من ذلك في كلِّ مرةٍ هو الإخفاق، ولو كانوا قد أفلحوا في هذا المسعى ولو لمرةٍ واحدةٍ لطاروا بها مبتهجين ولشاعَ ذلك وذاع ولسُوِّدت بالإخبار عنه الصحائفُ، فالمناوئون لأهل البيت عليهم السلام كثُر والدواعي للنقلِ شديدة رغم ذلك لم يصلْ إلينا إلا ما يُعبِّر عن اخفاقِ السلطة وتألقِ الإمام عليه السلام في كلِّ مناظرةٍ يتمُّ عقدُها وهو ما نشأ عنه المزيدُ من الإكبار والإجلال لأئمة أهل البيت عليهم السلام في مختلف الأوساط.

الجواد صفة للشخص السخي كثير العطاء جاء في تفسير الميسر: قوله جل اسمه “وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ﴿التوبة 121﴾ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة في سبيل الله، ولا يقطعون واديًا في سيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده، إلا كُتِب لهم أجر عملهم؛ ليجزيهم الله أحسن ما يُجْزَون به على أعمالهم الصالحة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل اسمه “وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (التوبة 121) “ولا ينفقون” فيه “نفقة صغيرة” ولو تمرة “ولا كبيرة ولا يقطعون واديا” بالسير “إلا كُتب لهم” به عمل صالح “ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون” أي جزاءهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل اسمه “وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (التوبة 121) “ولا ينفقون” فيه “نفقة صغيرة” ولو تمرة “ولا كبيرة ولا يقطعون واديا” بالسير “إلا كُتب لهم” به عمل صالح “ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون” أي جزاءهم.

جاء في موقع العتبة الكاظمية المقدسة عن الامام محمد الجواد عليه السلام: وانتهى عهد المأمون، وتولى الخلافة بعده أخوه المعتصم. لم يكن يروق للمعتصم المكانة التي يحظى بها الإمام الجواد عليه السلام بين أصحابه أو عند سلفه المأمون. وهو يتذكر على الدوام التجارب التي مرّ بها آباؤه العباسيون مع أفراد هذا البيت، الذي ظلّ على مرّ الزمن مصدر قلق لعروشهم. تولى المعتصم الخلافة في عام 218 ﻫ بعد وفاة أخيه المأمون. وظل يتحين الفرص لقتل الإمام. وجاءته الفرصة مواتية له حينما علم أن زوجة الإمام، أم الفضل، وهي ابنة أخيه المأمون، على غير وفاق مع زوجها، بسبب غيرتها من زوجته الأخرى. فطلب منها أن تدس السم إليه في العنب. ففعلت ذلك. وحينما رأت الإمام عليه السلام وهو يصارع الموت من شدة السمّ، ندمت على ما فعلت وانفجرت باكية. ولكن أنّى لبكائها وندمها أن ينفعها وقد قتلت حجة الله في أرضه وإمام المسلمين. وصعدت روحه الطاهرة ليلتحق بجدّه صلى الله عليه وآله وسلم وآبائه الطاهرين الذين سبقوه بالنهاية نفسها. ودفن الى جوار جده الإمام موسى بن جعفر الكاظم في الكاظمية المقدسة التي كانت تسمى قديماً مقبرة قريش. تراث الامام الجواد عليه السلام رضيت حاشية الخليفة بالواقع الجديد على مضض، مترقبين لما قد يحدث للعرش من انهيار، ومن وقوعه بيد غيرهم من غير العباسيين. حفظ لنا تراث الإمام الجواد عليه السلام عدد غير قليل من أصحابه وتلاميذه. وقد عدّ الشيخ محمد حسن آل ياسين قدس سره في كتابه (الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام) ما ينوف على المائة منهم، وذكر لهم كتباً ومصنفات كثيرة، مشتملة على ما دونوه عنه. ثم نقلت تلك الحصائل الى كتب الشيعة الإمامية الأربعة المعتمدة، وهي الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، وهي تعد جزءاً مهما من تراث أهل البيت عليهم السلام. اقواله عليه السلام: العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم. الجمال في اللسان، والكمال في العقل. إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له. من شهد أمراً فكرهه كان كمن غاب عنه. ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ﴿التوبة 121﴾ وكذلك فإنّهم لا يبذلون شيئا في امر الجهاد: “ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً” ﴿التوبة 121﴾ ولا يقطعون أرضا في ذهابهم للوصول إلى ميدان القتال، أو عند رجوعهم منه إلّا ثبت كل ذلك في كتبهم: “ولا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ‏” وإنّما يثبت ذلك‏ “لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏” ﴿التوبة 121﴾. وهنا يجب الانتباه لمسائل: 1- إنّ جملة “لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا” قد فسّرها أغلب المفسّرين كما ذكر أعلاه، وقالوا: إنّ المقصود هو أن المجاهدين في سبيل اللّه لا يتلقون ضربة من قبل العدو، سواء جرحوا بها أو قتلوا أو أسروا وأمثال ذلك، إلّا وتسجّل في صحائف أعمالهم ليجزوا عليها، ومقابل كل تعب وصعوبة ما يناسبها من الأجر، ومن الطبيعي أننا إذا لا حظنا أنّ الآية في مقام ذكر المصاعب وحسابها، فإن ذلك ممّا يناسب هذا المعنى. إلّا أنّنا إذا أردنا أن نفسر هذه العبارة بملاحظة ترتيب الفقرات وموقع هذه الجملة منها، وما يناسبها لغويا، فإنّ معنى الجملة يكون: إنّهم لا ينزلون بالعدو ضربة إلّا كتبت لهم، لأنّ معنى نال من عدوه في اللغة: ضربه، إلّا أن النظر إلى مجموع الآية يرجح التّفسير الأوّل. 2- ذكر المفسّرون تفسيرين لجملة: “أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ” ﴿التوبة 121﴾‏: أحدهما على أساس أن كلمة (أحسن) وصف لأفعالهم، والآخر على أنّها وصف لجزائهم. فعلى التّفسير الأوّل وهو ما اخترناه، وهو الأوفق لظاهر الآية- فأنّ أعمال المجاهدين هذه قد اعتبرت وعرّفت بأنّها أحسن أعمالهم في حياتهم، وأنّ اللّه سبحانه سيعطيهم من الجزاء ما يناسب أعمالهم. وعلى التّفسير الثّاني الذي يحتاج إلى تقدير كلمة (من) بعد كلمة (أحسن) فإنّها تعني إن جزاء اللّه أفضل وأثمن من أعمالهم، وتقدير الجملة: ليجزيهم اللّه أحسن ممّا كانوا يعملون، أي سيعطيهم اللّه أفضل ممّا أعطوا. 3- إنّ الآيات المذكورة لا تختص بمسلمي الأمس، بل هي للأمس واليوم ولكل القرون والأزمنة. ولا شك أنّ الاشتراك في أي نوع من الجهاد، صغيرا كان أم كبيرا، يستبطن مواجهة المصاعب والمشاكل المختلفة، الجسمية منها والروحية والمالية وأمثالها، إلّا أن المجاهدين أناروا قلوبهم وأرواحهم بالإيمان باللّه ووعوده الكبيرة. وعلموا أن كل نفس وكلمة وخطوة يخطونها في هذا السبيل لا تذهب سدى، بل إنّها محفوظة بكل دقة دون زيادة أو نقصان، وإنّ اللّه سبحانه سيعطيهم في مقابل هذه الأعمال باعتبارها أفضل الأعمال من بحر لطفه اللامتناهي أنسب المكافئات وأليقها. إنّهم إذا عاشوا هذا الإحساس فسوف لا يمتنعون مطلقا من تحمل هذه المصاعب مهما عظمت وثقلت، وسوف لا يدعون للضعف طريقا إلى أنفسهم مهما كان الجهاد مريرا ومليئا بالحوادث والعقبات.

جاء في موقع الموسى عن الإمام محمد الجواد عليه السلام: سنوات عمره وحياته بشكل عام: كان الإمام الجواد عليه السلام صغير السن حين تولى الإمامة بعد شهادة ابيه الرضا عليه السلام فإنه كان ابن سبع سنين وثلاثة أشهر، او تسع سنوات وأشهراً، بل كان عمره عليه السلام على المشهور سبع سنين وسبعة اشهر وسبعة أيام، ولم يتولَ احد الإمامة في مثل هذا العمر الصغير إلا ابنه الإمام الهادي عليه السلام بعده. وبعدهما الإمام الحجة (عج ). وكان أيضاً أقل الأئمة عمراً، فقد عاش عليه السلام على المشهور خمساً وعشرين سنة وأربعة أشهر وستاً وعشرين يوماً فقط، وإذا حدفنا منها سنوات حياته مع أبيه عليه السلام وهي سبع سنوات وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً، فتكون مدة إمامته سبع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً. ملوك عصره: عاصر الإمام الجواد عليه السلام بقية ملك المامون بعد استشهاد الإمام الرضا عليه السلام وقسماً من ملك المعتصم، والمعروف المشهور انه عليه السلام استشهد في اول ملك المعتصم (وإن قيل أيضاً بوقوع شهادته في ملك الواثق) لكن هذا القول بعيد لان هلاك المعتصم كان في سنة 227هـ وشهادة الإمام عليه السلام في سنة 220هـ

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل اسمه “وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ﴿التوبة 121﴾ هذا وما قبله يتلخص بقوله تعالى: “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ” ﴿التوبة 121﴾، والغرض من هذا التفصيل الترغيب في عمل الخير، والتحريض على جهاد من يسعى في الأرض فسادا.