لا جثث ولا قبور.. سفاح عراقي يحوّل شقته في تركيا إلى مسلخ بشري، ومن بين الضحايا شابة عراقية

إيهاب مقبل

تحولت قضية العراقي أمجد محسن محمد إلى واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للرعب والجدل في تركيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما بدأت باختفاء طالبة عراقية شابة في مدينة إسكي شهير عام 2021، قبل أن تقود التحقيقات إلى اتهامات بالقتل والتقطيع والتخلص من الجثة، ثم تعود القضية إلى الواجهة مجددًا بعد ربط المتهم بملف اختفاء شابة تركية أخرى منذ عام 2018، وسط حديث إعلامي واسع عن احتمال وجود “قاتل متسلسل”.

اختفاء الشابة العراقية سالي العبود
في صباح الثاني من سبتمبر أيلول 2021، غادرت العراقية الشابة سالي علي العبود منزل عائلتها في مدينة إسكي شهير التركية، وأخبرت عائلتها بأنها ستخرج لشرب القهوة، قبل أن تختفي بشكل كامل دون أي أثر.

كانت سالي تبلغ من العمر عشرين عامًا، وتدرس في جامعة الأناضول. وتنتمي لعائلة عراقية انتقلت إلى تركيا عام 2017 بعد أن أصيب والدها، علي شلاب العبود، وهو ضابط سابق برتبة رائد في الجيش العراقي خلال عهد صدام حسين، في انفجار داخل العراق، ما دفع العائلة إلى مغادرة البلاد والاستقرار في تركيا.

ومع مرور الساعات دون عودة سالي، بدأت عائلتها تشعر بالقلق، خاصة أن هاتفها توقف عن الرد بشكل مفاجئ. وبعد تقديم بلاغ رسمي، شكّلت شرطة إسكي شهير فريق تحقيق خاص، وبدأت مراجعة آلاف الساعات من تسجيلات كاميرات المراقبة المنتشرة في المدينة.

آخر ظهور داخل منزل عراقي
كشفت التحقيقات أن آخر شخص شوهدت معه سالي كان العراقي أمجد محسن محمد، الذي كان يعرفها منذ فترة ويحاول التقرب منها عاطفيًا. وأظهرت تسجيلات الكاميرات أن سالي دخلت عصر يوم 2 سبتمبر أيلول منزل أمجد في حي “يني باغلار”، لكنها لم تظهر مجددًا بعد ذلك.

ومع استمرار التحقيقات، رصدت الكاميرات أمجد وهو يغادر المنزل عدة مرات خلال ساعات الليل والفجر، حاملًا أكياسًا مختلفة وحقيبة ظهر، قبل أن يتوجه إلى حاويات قمامة متفرقة داخل الحي، ما أثار شكوك المحققين بوجود محاولة للتخلص من أدلة جنائية أو أجزاء من الجثة.

كما كشفت التحقيقات أن أمجد اشترى قبل الجريمة بفترة قصيرة فأسًا ومنشارًا وأكياس نايلون كبيرة من متاجر محلية، وهو ما عزز الشبهات حول ارتكاب جريمة قتل مع تقطيع للجثة.

“اشتريت الفأس لتقطيع اللحم”
أثناء التحقيق، حاول أمجد محسن محمد نفي التهم الموجهة إليه، وقال إن الفأس والمنشار كانا مخصصين “لتقطيع لحوم الأضاحي” المتبقية من عيد الأضحى، وإن سالي غادرت منزله لاحقًا بشكل طبيعي.

لكن الأدلة الجنائية بدأت تتراكم ضده بشكل سريع، إذ عثرت الشرطة داخل منزله على آثار دماء تعود لسالي، إضافة إلى بقع دم على أدوات حادة وجواربه الشخصية، فضلًا عن مؤشرات على تنظيف أجزاء من المنزل بطريقة احترافية بعد وقت قصير من اختفاء الضحية.

كما كشفت بيانات الهاتف أن إشارة هاتف سالي توقفت قرب منزل أمجد بعد ساعات فقط من دخولها إليه، في حين أكدت سجلات الاتصالات أنها لم تُجرِ أي اتصال بعد ذلك.

محاولة الهروب واعتقال شركائه
في منتصف سبتمبر أيلول 2021، ألقت السلطات التركية القبض على أمجد أثناء محاولته الهروب بطريقة غير شرعية إلى بلغاريا عبر ولاية كيركلاريلي الحدودية.

وخلال توسيع التحقيقات، اعتقلت الشرطة عدة أشخاص بتهمة مساعدته بعد الجريمة، من بينهم شقيقه أسعد محسن محمد، وصديقه أمير محمود، إضافة إلى سرحان شهاب أحمد وحسن علي عاصي، بعدما اشتبهت السلطات بمساعدتهم في إخفاء الأدلة والتستر على الجريمة ومحاولة تسهيل هروبه.

أم عراقية مكلومة تبحث عن قبر لابنتها
في 13 مايو أيار 2022، ظهر أمجد لأول مرة أمام المحكمة الجنائية في إسكي شهير وسط حضور إعلامي واسع.

وخلال الجلسة، انهارت والدة سالي، المعلمة المتقاعدة ليلى نعيم العبود، بالبكاء وهي تصرخ داخل قاعة المحكمة: “ابنتي قُطّعت إلى أشلاء.. لا جثة لها ولا قبر”.

وأكدت الأم أن ابنتها رفضت عرض زواج من أمجد قبل اختفائها بفترة قصيرة، وأنها لا تصدق إطلاقًا أنها اختفت بإرادتها.

أما أمجد، فاستمر بإنكار التهم، وكرر روايته بأن سالي غادرت منزله بعد تناول الطعام معه، مدعيًا أن المنشار والفأس كانا لأغراض منزلية.

ورغم عدم العثور على الجثة بشكل كامل، اعتبرت المحكمة أن الأدلة الرقمية والجنائية كافية لإدانته، ليُحكم عليه لاحقًا بالسجن المؤبد بتهمة القتل العمد، بينما صدرت أحكام متفاوتة بحق بعض المتهمين الآخرين بتهم تتعلق بمساعدة الجاني وإخفاء الأدلة.

عودة القضية بعد سنوات
بعد سنوات من قضية سالي، عاد اسم أمجد محسن محمد إلى الواجهة مجددًا مع إعادة فتح ملف اختفاء التركية أمينة أوزكايا، التي اختفت عام 2018 أثناء دراستها للماجستير في بولندا.

وكشفت التحقيقات الجديدة في عام 2025 أن أمينة سافرت سرًا من بولندا إلى إسطنبول، ثم توجهت لاحقًا إلى إسكي شهير للقاء أمجد، قبل أن تختفي بشكل كامل بعد دخولها منزله.

وخلال إعادة تفتيش المنزل، لاحظ المحققون أن الأرضيات الخشبية جرى تغييرها حديثًا، ما دفعهم إلى إزالة الألواح وإجراء فحص “لومينول” الجنائي، لتظهر آثار دماء كثيفة تحت الأرضية.

ووفق وسائل إعلام تركية، عثرت الشرطة على خمس إلى ست عينات DNA مختلفة داخل المنزل، في مشهد وصفه المحققين بأنه “يشبه المسلخ”، بينما أُرسلت العينات إلى الطب العدلي لتحليلها وتحديد هويات أصحابها.

شبهة “قاتل متسلسل”
مع ظهور هذه الأدلة الجديدة، بدأت وسائل الإعلام التركية تتحدث عن احتمال وجود “قاتل متسلسل”، خاصة بعد الربط بين اختفاء أمينة وقضية سالي العبود.

وقال فهمي أوزكايا، عم أمينة، في تصريحات لصحيفة “صباح” التركية، إنه يعتقد أن أمجد قتل ابنة أخيه أيضًا، مضيفًا أن الرسائل التي أُرسلت لاحقًا من هاتف أمينة ربما كانت محاولة لإخفاء الجريمة وإيهام العائلة بأنها لا تزال على قيد الحياة.

قضية هزّت تركيا وأثارت صدمة واسعة
تحولت قضية أمجد محسن محمد إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للرأي العام في تركيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت حدود الجريمة التقليدية لتفتح ملفًا معقدًا من الاختفاءات، والأدلة المتشابكة، والتحقيقات الجنائية التي امتدت لسنوات طويلة دون حسم سريع.

ولم تقتصر الصدمة على تفاصيل القتل المزعوم وتقطيع الجثة، بل تعمقت أكثر مع طبيعة الأدلة الرقمية والجنائية التي كشفتها التحقيقات، بما في ذلك تتبع الاتصالات، وتحليل تسجيلات المراقبة، وفحوصات الحمض النووي التي أعادت رسم مسار القضية خطوة بخطوة رغم غياب الجثث أو تأخر ظهور الأدلة المادية.

كما أعادت القضية فتح نقاش واسع داخل الأوساط الأمنية والقانونية حول جرائم العنف داخل العلاقات العاطفية المضطربة، وحول الدور الحاسم للتكنولوجيا الحديثة، من كاميرات المراقبة إلى تحليل الهواتف والبيانات الرقمية، في كشف الجرائم المعقدة، حتى في أكثر الحالات غموضًا، حيث تختفي الجثث وتتبخر الأدلة لسنوات قبل أن تُفك شيفرتها.

المصادر:
إنذار بوجود قاتل متسلسل في المدينة! تم العثور على 5 عينات DNA تحت الأرضيات، والشرطة التي عثرت عليها صُدمت: الدم في كل مكان! صحيفة بوستا اليومية، أغسطس آب 2025

جريمة قتل غامضة في مثلث بولندا – إسكيشهير – إسطنبول! عمّ إمينه أوزكايا، البالغة من العمر 23 عامًا، يتحدث لصحيفة «صباح»، أغسطس آب 2025
https://www.sabah.com.tr/haberplus/polonya-eskisehir-istanbul-ucgeninde-sir-cinayet-23-yasindaki-emine-ozkayanin-amcasi-sabaha-konustu-7400716?page=2

تحدث جار الشخص المشتبه به في كونه قاتلًا متسلسلًا، هابر إي إس، Haberes، أغسطس آب 2025
https://www.haberes.com.tr/seri-katil-suphesi-tasiyan-sahsin-komsusu-konustu

السجن المؤبد للمتهم في قضية سالي العراقية التي لم يُعثر على جثتها، صحيفة الجمهورية التركية، كانون الأول ديسمبر 2022
https://www.cumhuriyet.com.tr/turkiye/cesedi-bulunamayan-irakli-sally-davasinda-saniga-muebbet-hapis-2014791

أم سالي العراقية للمتهم: «أنت قتلت ابنتي.. لا توجد جثة ولا قبر»، DHA، مايو ايار 2022
https://www.dha.com.tr/foto-galeri/irakli-sallynin-annesinden-saniga-kizimi-sen-oldurdun-cesedi-yok-mezari-yok-2068973/13

مطالبة بالحكم بالسجن المؤبد المشدد على المشتبه به في قتل سالي العراقية، NTV، مارس آذار، 2022
https://www.ntv.com.tr/turkiye/irakli-sallynin-cinayet-suphelisine-agirlastirilmis-muebbet-hapis-istemi%2CYgI-BrsEyUimM8BRapribQ

ابنة الضابط في الجيش العراقي المقيمة في تركيا مفقودة منذ 12 يومًا، SOL Haber، سبتمبر أيلول 2021
https://haber.sol.org.tr/haber/turkiyede-yasayan-saddamin-eski-subayinin-kizi-12-gundur-kayip-313605

ابنة ضابط صدام اختفت في إسكيشهير: «تم تقطيع جثتها إلى أجزاء»، كردستان 24، سبتمبر أيلول 2021
https://www.kurdistan24.net/tr/story/471193

اعتراف صادم، المشتبه به في جريمة قتل سالي: «اشتريت الفأس لتقطيع اللحم»، A Haber، سبتمبر أيلول 2021
https://www.ahaber.com.tr/yasam/2021/09/27/son-dakika-sally-cinayetinin-suphelisi-mohammedden-kan-donduran-ifade-baltayi-etleri-parcalamak-icin-aldim?paging=7

انتهى