موقف الاسلام السياسي من الديمقراطية بدعة غربية استعمارية

لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .. المانيا

شهد الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، بمختلف أطيافه وتياراته الحركية والفلسفية، جدلا واسعا وعميقا لم ينقطع منذ بدايات عصر النهضة والاحتكاك المباشر بالغرب، حول مفهوم الديمقراطية ومدى ملاءمتها للمرجعية الشمولية للإسلام. وتتراوح الرؤية داخل ادبيات الإسلام السياسي تجاه هذا المفهوم الوافد بين الرفض المطلق والتحفظ المشروط،من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن موقف الإسلام السياسي ليس مصمتا، بل ينقسم إلى مقاربتين إزاء هذا المفهوم القسم الال التيار المتشدد اي (السلفية الجهادية وبعض الحركات الراديكالية) يرفض الديمقراطية جملة وتفصيلا (فلسفةً وآليةً) ويعتبر المشاركة فيها نوعا من الشرك السياسي لأنها تقبل بالتحاكم إلى غير ما أنزل الله وتساوي بين المسلم وغير المسلم، والصالح والطالح في التصويت. اما القسم الثاني هي التيار الإصلاحي/الحركي (الإخوان المسلمون ومدرسة الوسطية) يفرق بين الديمقراطية كفلسفة علمانية (مرفوضة) والديمقراطية كالية إجرائية لإدارة الحكم (مقبولة). ويسعى لتبني أدواتها (الانتخابات، التعددية، تداول السلطة) وفصلها عن حمولتها الغربية، مع إخضاع مخرجاتها لـ (فيتو الشريعة الإسلامية) معتبراً إياها التجسيد المعاصر لمبدأ الشورى الإسلامي.وصولاً إلى محاولات التبيئة والأسلمة. هنا نستعرض بالتفصيل الحجج والمبررات البنيوية التي تجعل تيارا واسعا من الإسلام السياسي يصم الديمقراطية بأنها بدعة غربية واستعمارية، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية، أولاً الصدام السيادي والأيديولوجي (حاكمية الله مقابل حاكمية الشعب)تكمن العقدة الجوهرية والمركزية في هذا الرفض في تباين نقطة الانطلاق الفلسفية لكل من المنظومتين.مصدر التشريع تنطلق الديمقراطية الليبرالية في أصلها الفلسفي (المنبثق من عصر الأنوار الأوروبي) من فكرة أن الشعب هو مصدر السلطات والتشريع، وهو الذي يملك الحق المطلق في تحليل ما يشاء وتحريم ما يشاء عبر آلياته البرلمانية والدستورية.الحاكمية المطلقة: في المقابل يقوم الفكر الأساسي للإسلام السياسي (لا سيما المتاثر بأطروحات سيد قطب) على مفهوم الحاكمية لله أي أن التشريع حق إلهي خالص ثابت بالنص القطعي، ولا يجوز لاي أغلبية بشرية، مهما بلغت نسبتها، ان تصوت على إلغاء حكم شرعي او تشريع ما يخالف العقيدة. من هنا، يرى هذا التيار أن الديمقراطية، في جوهرها الفلسفي، تضع الإنسان في مقام الألوهية وتنزع القداسة عن الشريعة، مما يجعلها بدعة عقائدية وسياسية تهدف إلى استبدال الوحي الإلهي بالهوى البشري.ثانياً ، الإرث الاستعماري والتوجس الثقافيلا ينفصل الموقف السياسي لتيارات الإسلام الحركي من الديمقراطية عن السياق التاريخي الذي دخلت فيه هذه المفاهيم إلى العالم العربي والإسلامي، أداة للاختراق الثقافي: يرى الإسلام السياسي أن الديمقراطية لم تأت كخيار نابع من التطور الطبيعي للمجتمعات المسلمة، بل وفدت راكبة على دبابات الاستعمار الغربي خلال القرن التاسع عشر والعشرين، وجرى فرضها كجزء من حزمة التحديث القسري و(العولمة الثقافية) لتفكيك الهوية الإسلامية والخلافة العثمانية.ازدواجية المعايير الغربية، يغذي هذا التوجس التاريخي سلوك القوى الغربية الديمقراطية نفسها. حيث يرى العقل السياسي الإسلامي ان الغرب يتعامل مع الديمقراطية كاداة استعمارية ناعمة. يدعمها عندما تاتي بنخب موالية له، وينقلب عليها فورا إذا أفرزت صناديق الاقتراع تيارات إسلامية أو وطنية تهدد مصالحه الجيوسياسية (كما حدث في تجارب تاريخية متعددة مثل الجزائر 1992 أو غزة 2006). هذا التناقض عزز السردية القائلة بأن الديمقراطية ليست قناعة أخلاقية غربية، بل هي صادرات استعمارية مصممة لضمان التبعية للغرب.