د. فاضل حسن شريف
تُعدّ معجزات وكرامات الإمام محمد الجواد عليه السلام دلائل على مكانته الروحية والعلمية. ومن أبرزها: إظهار بركته بإخضرار شجرة يابسة، الإخبار عن الغيب وشفاء المرضى، والتصدي للإمامة في سن مبكرة (نحو 7 سنوات) مفحماً كبار العلماء.من أشهر المعجزات والكرامات المروية عنه في المصادر التاريخية والدينية: شجرة النبق اليابسة: روي أن الإمام توضأ يوماً عند شجرة نبق (سدر) لم تثمر، فدعا لها، فأخضرّت وأثمرت في الحال وصارت تحمل من النبق.الإخبار بما في الضمير: اشتهر بقدرته على معرفة ما يدور في نفوس الناس دون أن يتحدثوا، وإخباره بالحوادث الغائبة والمستقبلية.شفاء المرضى: تتحدث الروايات عن حالات شفاء لبعض أصحابه بإذن الله، مثل مسحه على عيون بعضهم وعودة بصرهم. الإجابة على المسائل المعقدة: تصديه في صغر سنه للإجابة على آلاف الأسئلة الفقهية والعقائدية المعقدة في مجالس الخلفاء، وهو ما أُعتبر دليلاً على علمه اللدني ومعجزة علمية. طي الأرض: ذُكر في بعض كتب السير والمناقب تمكّنه من طي المسافات (الولاية التكوينية) في حالات استثنائية. تحويل الأشياء بإذن الله: نُقلت بعض الروايات التي تشير إلى قدرته على تحويل بعض الأشياء كأوراق الزيتون إلى دراهم.
الجواد صفة للشخص السخي كثير العطاء جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل اسمه “قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ” ﴿ابراهيم 31﴾ “قل” يا محمد “لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا” ﴿ابراهيم 31﴾ أي: اعترفوا بتوحيد الله وعدله عنى به أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم عن ابن عباس وقيل: أراد به جميع المؤمنين عن الجبائي “يقيموا الصلاة ” أي: يؤدوا الصلوات الخمس لمواقيتها فإن الصلاة لا تصير قائمة إلا بإقامتهم “وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً” ﴿ابراهيم 31﴾ أي: وقل لهم ينفقوا من أموالهم في وجوه البر من الفرائض والنوافل ينفقون في النوافل سرا ليدفعوا عن أنفسهم تهمة الرياء وفي الفرائض علانية ليدفعوا تهمة المنع ” مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ” ﴿ابراهيم 31﴾ يعني يوم القيامة والمراد بالبيع إعطاء البدل ليتخلص به من النار لا أن هناك مبايعة “ولا خلال” ﴿ابراهيم 31﴾ أي: ولا مصادقة وهذا مثل قوله “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ”.
جاء في موقع العتبة الكاظمية المقدسة عن الامام محمد الجواد عليه السلام: القابه عليه السلام: عرف عليه السلام بأكثر من لقب، فأشهر ألقابه الجواد، ثم التقي. أما عند جيرانه من أهل الكاظمية، فهو يعرف بباب المراد، لأنه الباب الذي يطرق طلباً للحاجات من الله سبحانه. اولاده عليه السلام: الذكور: علي الهادي، الإمام الذي تولى زمام الإمامة بعده، وموسى. الإناث: فاطمة، وأمامة، وحكيمة وزينب. ولم يرزق بولد من زوجته أم الفضل بنت المأمون، التي قامت باغتياله. حياته عليه السلام وملوك عصره: عاصر الإمام الجواد عليه السلام شطراً من خلافة المأمون، وسنتين من خلافة المعتصم. أما المأمون، الذي اتجهت اليه أصابع الاتهام في قتل الإمام الرضا عليه السلام، فقد حاول استقطاب ابنه الإمام الجواد عليه السلام واستمالته إليه، في محاولة منه لإسقاط التهمة عنه وتبرئة ساحته من دم أبيه. قام باستدعاء الإمام الجواد من المدينة، وعرض عليه أن يزوّجه ابنته أم الفضل، أملا في أن تشفع له المصاهرة في نسيان دم أبيه. لكن قراراً كهذا ووجه بثورة من رجال البلاط المحيطين بالمأمون. فقرار كهذا يبعثهم فيهم القلق على مستقبل العرش العباسي، وكانت تجربة ولاية العهد لأبيه الإمام الرضا عليه السلام من قبل المأمون قد جرّت عليهم قلقاً مماثلا. حاولوا بشتى السبل إقناعه في العدول عن عزمه، لكنه لم يستجب لضغوطهم. فتنازلوا بعض الشيء، وقالوا له إنه صغير لم يتعلم ولم يتفقه، وتنقصه الثقافة العامة. فاتركه حيناً يتعلم ويكتسب من المعارف ما يؤهله أن يكون صهراً للخليفة. ضحك المأمون من مبرراتهم التي طروحها لدفعه الى الرجوع عن قراره او تأخير تنفيذه على الأقل. فهو رجل ذكي، ويعلم منزلة هذا البيت وأهله، وأن علومهم لا تكتسب بالتعلّم التقليدي الذي يعرفونه. فعرض عليهم أن يمتحنوه بما يشاؤون من المعارف. فإن فشل في الاختبار، أخذ بمشورتهم. واذا نجح في الاختبار فله أن يمضي في قراره دون أن يكون لهم الاعتراض. وافق رجال البلاط على عرض المأمون، وأعدوا ليوم الاختبار، واستدعوا قاضي القضاة في زمانه، يحيى بن أكثم، وطلبوا منه أن يهيئ من المسائل الشداد ما يفشل خطط الخليفة ويحقق لهم أهدافهم بمنع تلك الزيجة. وجاء اليوم الحاسم فاجتمع القوم، واستأذن قاضي القضاة الخليفة المأمون في أن يسأل الإمام الجواد عليه السلام بعض المسائل في الفقه. فأشار عليه أن يستأذن من الإمام في السؤال. تقدم القاضي للاستئذان وتطلع في وجه الصبي، وهو غير مصدق بجدوى توجيه أسئلة فقهية كبرى الى صبي في مثل ذلك السن، لكن عليه أن يمتثل أمر أولئك الرجال الذين استدعوه الى المنازلة، وربما وعدوه بالجوائز والعطايا إن حقق لهم مآربهم في إفحام الإمام وإفشال مخطط الخليفة. يحيى: أتأذن لي، جعلت فداك، في مسألة؟ الإمام عليه السلام: سل إن شئت. يحيى: ما تقول في مُحرمٍ قتل صيداً؟ الإمام عليه السلام: قتله في حلّ او حرم، عالماً كان المحرم أم جاهلاً، قتله عمداً او خطأ، حراً كان المحرم أم عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، مبتدئاً بالقتل أم معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد كان أم من كباره، مصرّاً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم في النهار، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أم بالحج؟ سؤال رد عليه الإمام عليه السلام بسيل من الأسئلة؟ وقد كان يشير به الى جهل السائل وعدم إحاطته بتفاصيل الموضوع. فقد كان على السائل أن يكون دقيقاً في سؤاله ويحدد الذي يريده، إذ أن المسألة فيها من التفرع والتشعب ما لا يجعل الجواب فيه عاماً شاملاً. لم يجب الإمام بطريقة تقليدية، لأنه كان يعلم أن السائل لم يكن يقصد من سؤاله فهم حكم شرعي غامض. وإنما كان الداعي الى ذلك التحدي وإثبات وجود المعرفة لدى الإمام من عدمه. فكان الجواب شافياً كافياً وافياً، بعد ان أدى الغرض المنشود، ولم يثبت للخصم غزارة معرفة الإمام وحسب، بل أثبت جهل الخصم في تفاصيل سؤاله. نزل هذا الردّ على قاضي القضاة كالصاعقة؟ فلم يدر ما يقول وظل متحيراً، وصار رجال البلاط أكثر حيرة ودهشة، فلم يفتح أحد منهم فاه. وأحس المأمون بنشوة النصر، وطلب من الإمام في الحال أن يبدأ خطبة الزواج وإجراء مراسيمه. وتم له ما أراد. بعد ذلك، طلب المأمون من الإمام عليه السلام أن يفصل جواب مسألة القاضي بكل الاحتمالات التي ذكرها. ففصل الإمام بذلك الكثير من الاحتمالات، وحدد لكل احتمال جوابه. وزيادة في إقناع حاشية الخليفة بخطئهم، طلب من الإمام عليه السلام أن يوجّه سؤالا بالمقابل الى قاضي القضاة ليمتحنه. فكان السؤال محيراً وأعلن القاضي عجزه عن الجواب وطلب من الإمام الجواب بنفسه عن سؤاله. رضيت حاشية الخليفة بالواقع الجديد على مضض، مترقبين لما قد يحدث للعرش من انهيار، ومن وقوعه بيد غيرهم من غير العباسيين. أخذ الإمام عروسه وعاد بها الى المدينة، وهمه الأكبر مواصلة الرسالة التي دأب آباؤه الكرام على تحمل أعبائها بنشر علوم النبي وآله، عليهم أفضل الصلاة والسلام. ثم عاد إلى بغداد، وكان أقطاب العلماء والفقهاء وأصحاب الحديث بانتظاره، لينهلوا من علومه ويطرحوا عليه أسئلتهم وما أشكل عليهم من الأمور.
عن تفسير الميسر: قوله جل اسمه “قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ” ﴿ابراهيم 31﴾ قل أيها الرسول لعبادي الذين آمنوا: يؤدوا الصلاة بحدودها، ويخرجوا بعض ما أعطيناهم من المال في وجوه الخير الواجبة والمستحبة مسرِّين ذلك ومعلنين، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه فداء ولا صداقة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل اسمه “قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ” (ابراهيم 31) “قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع” فداء “فيه ولا خلال” مُخالة أي صداقة تنفع، هو يوم القيامة.
جاء في موقع الموسى عن الإمام محمد الجواد عليه السلام: استشهاده عليه السلام: نظراً لتلك السعايات التي فعلت فعلتها في المعتصم، قرر التخلص من الإمام عليه السلام، فأوعز إلى زوجة الإمام عليه السلام أم الفضل، كما أنها فعلت بايعاز من أخيها جعفر بن المامون أيضاً. فجعلت السم في العنب الرازقي واطعمته الإمام عليه السلام وقيل أنها سمت العنب بمسحه بمنديل مسموم، وإن الإمام عليه السلام عندما أحس بأثر السم ادرك انه منها ودعا عليها، وكانت شهادته عليه السلام يوم السبت السادس من شهر ذي الحجة الحرام من سنة عشرين ومأتين من الهجرة الشريفة في بغداد، ودفن في مقابر قريش بظهر قبر جده الإمام موسى الكاظم عليه السلام وهي اليوم بعيدة عن بغداد مسيرة ساعة في بلدة تسمة الكاظمية، وفوق بقعتهما قبتان عاليتان من ذهب، مع اربع مآدن عاليةٍ كبار، وأربع صغار من جوانبها الأربع. بأحسن ترتيب واجمل هئية. رزقنا الله تعالى في الدنيا زيارتهما وفي الأخرة شفاعتهما وشفاعة آبائهما الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. يقال أن جنازته عليه السلام بقيت ثلاثة أيام بلا دفن، ومثل هذا القول ورد بشأن جده الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام الذي بقي على جسر الرصافة ببغداد كذلك، وايضاً بقي سيد الشهداء عليه السلام ثلاثاً.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل اسمه “قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ” ﴿ابراهيم 31﴾ أمر اللَّه نبيه ان يحذر المشركين من سوء العاقبة والمصير، ويقول لهم: ان متاع الدنيا قليل وان راق لكم، والآخرة خير لمن اتقى.. ولكن.. هل تجدي لغة الحق والواقع مع الذين لا تحركهم الا الأرباح والمكاسب ! ” قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ” التي تذكر المصلي باللَّه وتحذره من العذاب والعقاب، وتخلق فيه وازعا ورادعا عن المآثم والجرائم، ان كان حقا من المؤمنين الصالحين “ويُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً” ﴿ابراهيم 31﴾. الزكاة أخت الصلاة، هذه تذكر المصلي باللَّه، وتلك تقربه عند اللَّه زلفى، ومر نظيره في الآية 274 من سورة البقرة ج 1 ص 425 “مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ” (البقرة 274). والبيع هنا كناية عن الفدية، والخلال الصداقة، والمعنى ان من أنفق من ماله في سبيل اللَّه انتفع بهذا الإنفاق في اليوم الآخر، ومن بخل به كان عليه حسرة وعذابا، ولا يجديه شيء في ذلك اليوم حيث لا فدية ولا صداقة، ومر نظيره في الآية 18 من سورة الرعد “لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ” (الرعد 18).