جديد

شذرات عن الامام الجواد عليه السلام (والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم) (ح 20)

د. فاضل حسن شريف

الإمام محمد الجواد عليه السلام هو الإمام التاسع، عُرف بالتقي وباب المراد. عاصر صغر السن وتولى الإمامة مبكراً، وتميز بغزارة علمه وقوة حجته أمام كبار علماء عصره، تاركاً إرثاً عظيماً من الحكم والوصايا الخالدة.بطاقة تعريفيةالاسم واللقب: محمد بن علي الرضا (الجواد، التقي، باب المراد). الكنية: أبو جعفر الثاني.الولادة: المدينة المنورة، 10 رجب 195 هـ.الشهادة: استُشهد في بغداد عام 220 هـ ودفن في مقبرة قريش (الكاظمية). محطات مضيئة في سيرتهالبركة المولودة: وُصف بأنه أعظم مولود بركة على شيعته، لكونه امتحاناً إلهياً أظهر حكمة الله في إثبات إمامة من يتولى المنصب في سن مبكرة. المناظرات العلمية: برع في الرد على كبار فقهاء وعلماء عصره في مسائل دقيقة، مما أثبت تفوقه العلمي والرباني رغم صغر سنه.العبادة والزهد: كان أعبد أهل زمانه، يُعرف بكثرة نوافله وشدة إخلاصه.من شذرات حكمه وأقوالهفي التوكل والعافية: “الحوائج تطلب بالرجاء، وهي تنزل بالقضاء، والعافية أحسن عطاء”.في الصدق مع الله: “لا تكن ولياً لله في العلانية، عدواً له في السر”. في صفات المؤمن: ” الدين عز، والعلم كنز، والصمت نور، وغاية الزهد الورع”.في التحذير من الصحبة: “إياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول، يحسن منظره، ويقبح أثره”. لقراءة المزيد من تفاصيل سيرته ومعجزاته، يمكنك زيارة موقع العتبة الكاظمية المقدسة أو الاطلاع على وصايا الإمام الجواد في شبكة مدينة الحكمة.

الجواد صفة للشخص السخي كثير العطاء  جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل اسمه “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” ﴿الحشر 9﴾ قيل: إنه استئناف مسوق لمدح الأنصار لتطيب بذلك قلوبهم إذ لم يشركوا في الفيء، “والذين تبوؤا” ﴿الحشر 9﴾ والمراد بهم الأنصار مبتدأ خبره “يحبون” إلخ، والمراد بتبوي الدار وهو تعميرها بناء مجتمع ديني يأوي إليه المؤمنون على طريق الكناية، والإيمان معطوف على “الدار” وتبوي الإيمان وتعميره رفع نواقصه من حيث العمل بحيث يستطاع العمل بما يدعو إليه من الطاعات والقربات من غير حجر ومنع كما كان بمكة. واحتمل أن يعطف “الإيمان” على تبوؤا وقد حذف الفعل العامل فيه، والتقدير: وآثروا الإيمان. وقيل: إن قوله: “والذين تبوؤا” إلخ، معطوف على قوله: “المهاجرين” وعلى هذا يشارك الأنصار المهاجرين في الفيء، والإشكال عليه بأن المروي أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قسمه بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة من فقرائهم مدفوع بأن الرواية من شواهد العطف دون الاستئناف إذ لولم يجز إعطاؤه للأنصار لم يجز لا – للثلاثة ولا للواحد فإعطاء بعضهم منه دليل على مشاركتهم لهم غير أن الأمر لما كان راجعا إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم كان له أن يصرفه كيف يشاء فرجح أن يقسمه بينهم على تلك الوتيرة. والأنسب لما تقدم من كون “للفقراء” إلخ، بيانا لمصاديق سهم السبيل هو عطف “والذين تبوؤا” إلخ، وكذا قوله الآتي: “والذين جاءوا من بعدهم” على قوله: “المهاجرين” إلخ، دون الاستئناف. بل ما ورد من إعطائه صلى الله عليه واله وسلم للثلاثة يؤيد هذا الوجه بعينه إذ لوكان السهيم فيه الفقراء المهاجرين فحسب لم يعط الأنصار ولا لثلاثة منهم، ولوكان للفقراء من الأنصار كالمهاجرين فيه سهم – وظاهر الآية أن جمعا منهم كانوا فقراء بهم خصاصة والتاريخ يؤيده – لأعطى غير الثلاثة من فقراء الأنصار كما أعطى فقراء المهاجرين واستوعبهم.

جاء في موقع الموسى عن الإمام محمد الجواد عليه السلام: معجزاته عليه السلام: ومن معجزاته عليه السلام البارعة ما وقع له عند استشهاد أبيه عليه السلام. منها ما رواه محمد بن ميمون قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمكة قبل خروجه إلى خراسان فقلت له إني أريد أن أتقدم إلى المدينة، فاكتب معي كتاباً إلى ابي جعفر عليه السلام فتبسم وكتب كتاباً وسرت إلى المدينة وكان قد ذهب بصري فاخرج الخادم أبا جعفر يحملة من المهد، فناولته الكتاب فقال موفق، فضه وانشرره ين يديه. ففضضته ونشرته بين يديه، فنظر فيه، ثم قال لي: يا محمد ما حال بصرك فقلت يا ياابن رسول الله اعتليت فذهب بصري كما ترى، فمدّ يده ومسح على عيني فعاد إليّ بصري كأصح مما كان، ثم قبلت يديه ورجليه وانصرفت من عنده وانا بصيراً. علمه ومحاججاته عليه السلام: تعددت الأخبار والروايات عن سعة علم الإمام الجواد عليه السلام (كأبائه -ع- ) وقوة حججه وعظمة آياته منذ صغره، وعن ادهاشه وافحامه العلماء والكبار وهو حدث صغير السن، فمن تلك الأخبار، أنه دخل عليه السلام بعد شهادة أبيه الرضا عليه السلام خلق كثير من بلاد مختلفه لينظروا إليه، وكان في المجلس عمه عبدالله بن موسى عليه السلام، وهو شيخ كبير نبيل، عليه ثياب خشنه، وبين عينيه سجادة كبيرة، وكان يكرم الجواد عليه السلام كثيراً على صغر سنه، والمنادي ينادي هذا ابن بنت رسول الله فمن أراد السؤال فليسأل، فسئل عن اشياء أجاب فيها بغير الجواب،، فرد على الشيعة ما أحزنهم وغمهم واضطربت الفقهاء، فقاموا وهموا بالأنصراف، وقالوا في انفسهم: لو كان أبو جعفر عليه السلام يكمل لجواب السائل لما كان عند عبدالله ما كان من جواب بغير الجواب، ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفق وقال: هذا ابو جعفر عليه السلام فقاموا إليه واستقبلوه وسلموا عليه فرد عليهم السلام، فدخل عليه السلام وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين، وفي رجليه نعلان، وجلس وامسك الناس كلهم، فقام صاحب المسأله فسأله عن مسأله أجاب عنها بالحق، ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه، وقالوا له: إن عمك عبدالله أفتى بكيت وكيت، فقال لا إله إلا الله ياعم إنه عظيم عندالله أن تقف بين يديه – فيقول لك لِمَ تفتي عبادي بما لا تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك. وأما محاجاته فكثيراً جداً، ولعل من أكثرها شهرة مع يحيى بن أكثم في مسألة مُحرم الذي قتل صيداً ؟ وأجاب عليه السلام عند ذلك بجواب متفرع، فحير ابن اكثم واخجله. ومنها ما حدث في مجلس المعتصم، وذلك أنهم جاؤوا يوماً بسارق ليجرى عليه الحد، وكان عنده من علماء المذاهب الإسلامية المختلفة جماعة، فسألهم عن حكمه، فحكموا عليه بقطع اليد ولكنهم اختلفوا في حد اليد فقال قوم بان تقطع يده من الكرسوع وهو الزند، تمسكاً بآية التيمم وحده من الزند، وقال اخرون بكون القطع من المرفق، فاحضر الإمام وسأله عن ذلك فتثاقل الإمام عليه السلام عن الجواب واستعفى منه، فاصر عليه المعتصم وحلفه وألزمه، فحكم الإمام عليه السلام بخطأ الفريقين، وإن يد السارق لا تقطع إلا اصابعها، ولا بد من ابقاء الكف للسجود عليه، تمسكاً بقوله تعالى “وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحد” وإن ما كان لله فلا يقطع، فاعجب ذلك المعتصم وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” ﴿الحشر 9﴾ يستعرض سبحانه ذكر مورد آخر من موارد صرف هذه الأموال (مصارف الفيء)، ومن بين ما يستعرضه في الآية الكريمة أيضاً وصف رائع ومعبّر جدّاً عن طائفة الأنصار، ويكمل البحث الذي جاء في الآية السابقة حول المهاجرين، فيقول سبحانه: “والذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم”. (تبؤوا) من مادّة (بواء) على وزن (دواء) وهي في الأصل بمعنى تساوي أجزاء المكان، وبعبارة اُخرى يقال: (بواء) لترتيب وتسوية مكان (ما)، هذا التعبير كناية لطيفة لهذا المعنى، وهوأنّ طائفة الأنصار ـ أهل المدينة ـ قد هيّؤوا الأرضية المناسبة للهجرة، وكما يخبرنا التاريخ فإنّ الأنصار قدموا مرّتين إلى (العقبة) ـ وهي مضيق قرب مكّة ـ وبايعوا رسول الله متنكّرين، ورجعوا إلى المدينة مبلّغين، ومعهم (مصعب بن عمير) ليعلّمهم اُمور دينهم وليهيء الأرضية المناسبة لهجرة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم. وبناءً على هذا فإنّ الأنصار لم يهيّؤوا بيوتهم لإستقبال المهاجرين فحسب، بل إنّهم فتحوا قلوبهم ونفوسهم وأجواء مجتمعهم قدر المستطاع للتكيّف في التعامل مع وضع الهجرة المرتقب. والتعبير “من قبلهم) يوضّح لنا أنّ كلّ تلك الاُمور كانت قبل هجرة مسلمي مكّة، وهذا أمر مهمّ. وإنسجاماً مع هذا التّفسير، فإنّ أنصار المدينة كانوا مستحقّين لهذه الأموال، وهذا لا يتنافى مع ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه أعطى شخصين أوثلاثة أشخاص من الأنصار ـ فقط ـ من أموال بني النضير، إذ من الممكن أن لا يكون بين الأنصار أشخاص فقراء ومساكين غير هؤلاء، بعكس المهاجرين فإنّهم إن لم يكونوا مصداقاً للفقير، فيمكن إعتبارهم مصداقاً لأبناء السبيل.

جاء في حوزة الرضا للدراسات الاسلامية عن الإمامُ الجوادُ والإمامةُ المبكِّرة للشيخ محمد صنقور: ستُّ نقاط للتنبيه على حقّانية الإمامة المبكرة: المقدمة السادسة والأخيرة: إنَّ الخلافةَ كانت تنظُرُ إلى أئمة أهلِ البيت عليه السلام على أساس أنَّهم خطرٌ على السلطة، وكان احتفاءُ الناس بهم، واتساعُ قواعدِهم وامتدادُها في مختلفِ الأقطارِ الإسلامية، يُحرجُ الخلافةَ العباسية، حتى قال هارونُ: أنا إمامُ الأجساد، وهذا إمامُ الأرواح أو القلوب -يشيرُ إلى الإمام الكاظم عليه السلام-، فما الذي أعيى السلطةَ فدفع بها نحو التعسُّفِ والبطش؟. أليس من اليسير عليها أنْ تُبدِّدَ هذه الهالةَ بواسطةِ إحراج هؤلاءِ الأئمة عليه السلام الذين تُدَّعى لهم الإمامة؟! فعلماءُ العامة جلُّهم يأتمرونَ بأمر السلطة العباسيَّة، ألم يكن في وسع خلفاءِ بني العباس أنْ يستقدموا العلماءَ من مختلفِ الأقطار الإسلامية، ثم يُحضرونَ الإمامَ، ويقولونَ له: أنت تدَّعي الإمامةَ، إذن أجب عن أسئلةِ هؤلاء العلماء. لماذا لم يتوسَّلوا بذلك ولجئوا إلى اعتماد التعسُّفِ، والبطش، والتصفية الجسدية؟ أليس من الميسور أن يتوسلوا بهذه الوسيلة؟ ألم يكونوا مُدركين بأنَّ الظلمَ قد يزيدُ من سعة نفوذِ هؤلاء الأئمةِ وعشقِ الناسِ لهم؟ لا ريب انَّهم كانوا يُدركون ذلك لكنَّ خيار الظلم والبطش هو الخيارُ المتاح، فهم يعرفون أنَّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لا يمكن إحراجُهم لأنَّهم أعلمُ الناس، وأعرفُهم بكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. إذا اتَّضحت هذه الحقائقُ يتضحُ أنَّ ظاهرةَ الإمامةِ المبكِّرة لم تكنْ مغمزاً في العقيدةِ الإمامية، بل كانت برهاناً يُضافُ إلى البراهين الدامغةِ على حقانيةِ المذهبِ الإمامي، فقد وجد كلُّ من عاصرَ الإمامَ الجواد عليه السلام ما نشأ عنه الإذعانُ بتميِّزه وتفوِّقه وأنَّه كان -بحق- امتداداً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سجاياه وعلمِه واتصالِه بالغيب وما كان يظهرُ على يديه من الكرامات التي لا يتَّفق صدورها إلا ممن اجتباه الله لدينه، ولهذا أذعن الشيعةُ بإمامته، رغم انَّ أبناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا كثيرين لكنَّهم لم يقبلوا بإمامة أحدٍ منهم من شيوخ البيت النبوي ممَّن كان قد عاصره، وذلك مؤشِّرٌ واضحٌ على أنَّ الأمرَ لم يكن خاضعاً للعاطفةِ والمحاباة وإنَّما كان خاضعاً للنصِّ والبرهان. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ” (الكوثر 1-3)