بسمه طه الحيفي
تتصاعد في الآونة الأخيرة موجات ممنهجة من الإساءات المتكررة لقرآننا الكريم والمقدسات الإسلامية، وهي خطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الصراع التاريخي والسياسي والديني الذي تخوضه الأمة الإسلامية. إن هذا التجرؤ المستمر على كتاب الله ورسوله، الذي يتخفى تارة تحت غطاء “حرية التعبير” وتارة أخرى خلف ستار الجماعات المتطرفة في الغرب، ليس مجرد حوادث عفوية، بل هو امتداد طبيعي للفكر الصهيوني وحلفائه الذين يدركون أن قوة هذه الأمة تكمن في تمسكها بنبعها الأول: القرآن الكريم.
جذر العداء من تحريف الكلم إلى محاربة الهوية
إذا عدنا إلى الجذور التاريخية، نجد أن الصراع مع اليهود والصهاينة يقوم على محاولات مستمرة لإقصاء الآخر وتزييف وعي الشعوب. ومنذ بزغ نور الإسلام، كان القرآن الكريم هو الحصن المنيع الذي كشف زيف المشاريع الاستعمارية وحمى الأمة من التبعية.
ولأن الحركة الصهيونية العالمية تدرك أن السيطرة على الأرض تتطلب أولاً السيطرة على العقول وتفكيك القيم، فقد ركزت جهودها عبر أدواتها الإعلامية والسياسية في الغرب على تشويه صورة الإسلام إن تكرار حوادث حرق المصحف الشريف في عواصم غربية تحت حماية رسمية، والدعم المبطن أو الصريح من اللوبيات الصهيونية، يهدف إلى قياس نبض الأمة واختبار مدى غيرة أبنائها على مقدساتهم، تمهيداً لفرض واقع ثقافي وسياسي جديد يقوم على تمييع الثوابت.
رؤية قيادية: قراءة في أبعاد الاستهداف الممنهج
وفي هذا السياق، تأتي الموجهات الصارمة التي وضعها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في كلمته الأخيرة، لتسلط الضوء على عمق هذه المؤامرة وأبعادها الخطيرة. فقد أكد السيد القائد أن الإساءات المتكررة للقرآن الكريم والمقدسات الإسلامية ليست تصرفات فردية معزولة، بل هي خطة صهيونية مدروسة تهدف إلى ضرب أقدس مقدسات المسلمين لكسر روحهم الإيمانية وتحطيم معنوياتهم وجهوزيتهم لمواجهة الطغيان.
وأشار السيد القائد في مضامين خطابه إلى أن اللوبي الصهيوني في العالم يقف وراء هذه الحملات الممنهجة بهدف إشعال الحروب الفكرية واختبار ردة فعل الأمة.
وحذر من خطورة حالة الصمت أو التبلد تجاه هذه الانتهاكات، معتبراً أن السكوت يشجع الأعداء على التمادي، بينما التحرك الواعي والمسؤول يمثل صمام أمان لحماية كرامة الأمة ومقدساتها.
الإساءة للقرآن: سلاح الضعف الصهيوني أمام تنامي الوعي
إن الاستهداف المتكرر للمصحف الشريف والرموز الإسلامية يحمل دلالات عميقة، لعل أبرزها
العجز الفكري: عندما تعجز الماكينة الصهيونية والغربية عن مواجهة الفكر الإسلامي الناهض بالحجة والبرهان، تلجأ إلى أساليب رخيصة كالاستفزاز المباشر، والاعتداء على المقدسات، وتغذية مشاعر الكراهية (الإسلاموفوبيا)
تشتيت الانتباه عن الجرائم الإنسانية: تُستخدم هذه الإساءات الممنهجة كقنابل دخانية للتغطية على الممارسات الوحشية والجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق مقدساتنا وأهلنا في فلسطين، ومحاولات تهويد القدس المستمرة.
ضرب الروح المعنوية للأمة: يسعى الصهاينة ومن خلفهم من قوى الاستكبار إلى إيصال المسلمين إلى حالة من اليأس والاستسلام، عبر إشعارهم بأن أثمن ما يملكون—وهو كتاب الله—يمكن انتهاكه دون رادع.
استراتيجية المواجهة: كيف نرد الاعتبار لكتاب الله؟
بناءً على هذا التشخيص الدقيق لطبيعة المعركة، لا يمكن للأمة الإسلامية أن تكتفي بمواقف التنديد والاستنكار الشفهي، بل لا بد من الانتقال إلى مربع الفع
الاستراتيجي المؤثر
العودة الصادقة للقرآن الكريم إن أعظم رد على من يحرق المصحف أو يسيء إليه هو تحويل القرآن إلى واقع معاش، ومنهج عمل، وثقافة تحرك الأمة نحو البناء، والوحدة، والقوة والجهاد
سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية: لقد أثبتت الأيام أن القوى الداعمة للصهيونية لا تفهم إلا لغة المصالح. تفعيل المقاطعة الشاملة للدول والمؤسسات التي تسمح بالإساءة للإسلام هو رادع حقيقي كفيل بوقف هذه المهازل، وهو ما شدد عليه السيد القائد كخيار شعبي متاح ومؤثر
المواجهة الإعلامية والفكرية يجب على وسائل الإعلام والأقلام الحرة كشف الخلفيات الخفية لهذه الحملات، وتبيان الترابط الوثيق بين الفكر الصهيوني الاستعماري وبين صناعة التطرف والكراهية ضد الإسلام في الغرب
تعزيز الوعي والتحصين الداخلي تربية الأجيال الناشئة على معرفة طبيعة الصراع، وفهم المخططات التي تستهدف هويتهم ودينهم، ليكونوا خط الدفاع الأول عن الأمة ومقدساتها
إن القرآن الكريم كتابٌ محفوظ بحفظ الله عز وجل، حيث قال في محكم تنزيله: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”. وكل محاولات الصهاينة وأعوانهم للنيل من هذا الدين لن تزيد المسلمين إلا تمسكاً بهويتهم، ولن تزيد هذا النور إلا انتشاراً، فالباطل زاهق مهما امتلك من أدوات، والحق باقٍ ما دامت هناك قلوب تنبض بالغيرة والوفاء لدينها وأمتها وقادتها الأحرار