ضياء المهندس
شهد العراق تطورًا متقلبًا في مجال التعليم العالي، ارتبط بالتحولات السياسية والاقتصادية والحروب التي مرّت بها البلاد. ويمكن تقسيم هذا التطور إلى مراحل رئيسية:
- مرحلة التأسيس (1921 – 1958)
مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة بدأ الاهتمام بإعداد الكوادر الإدارية والطبية والهندسية.
فتم إنشاء:
ـ كلية الحقوق عام 1908 (قبل تأسيس الدولة الحديثة لكنها أصبحت نواة التعليم الجامعي).
” كلية الطب الملكية في بغداد عام 1927.
دار المعلمين العالية وكليات الهندسة والزراعة لاحقًا.
ـ وفي عام 1957 تأسست جامعة بغداد كأول جامعة عراقية متكاملة، لتصبح مركزًا علميًا بارزًا في المنطقة. - مرحلة التوسع والازدهار النسبي (1958 – 1980)
بعد ثورة 14 تموز توسعت الدولة في التعليم المجاني، وارتفعت أعداد الجامعات والبعثات الدراسية إلى أوروبا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
شهدت هذه المرحلة:
ـ تأسيس جامعات جديدة مثل:
جامعة الموصل
جامعة البصرة
الجامعة التكنولوجية
ـ تطور البحث العلمي.
ـ ارتفاع مستوى الأستاذ الجامعي العراقي عربيًا.
ـ زيادة نسبة تعليم المرأة.
وفي السبعينيات تحديدًا، استفاد التعليم من الطفرة النفطية، فتم بناء مختبرات ومراكز أبحاث متقدمة نسبيًا. - مرحلة الحروب والتراجع (1980 – 2003)
بدأ التراجع الكبير مع الحرب العراقية الإيرانية، ثم حرب الخليج، ثم الحصار الاقتصادي في التسعينيات.
ومن أبرز آثار تلك المرحلة:
- هجرة آلاف الأكاديميين.
- ضعف التمويل الجامعي.
- تقادم المختبرات والمناهج.
•تراجع التصنيف العلمي للجامعات العراقية.
•انخفاض رواتب الأساتذة بشكل حاد. - تحوّل الجامعات أحيانًا إلى فضاءات مؤدلجة سياسيًا وأمنيًا.
ورغم ذلك حافظت بعض الكليات على مستوى علمي جيد قياسًا بظروف الحصار.
- مرحلة ما بعد 2003
بعد سقوط النظام السابق، شهد التعليم العالي توسعًا هائلًا في عدد الجامعات الحكومية والأهلية، لكن هذا التوسع كان مختلط النتائج.
الإيجابيات:
✓ زيادة فرص القبول الجامعي.
✓ انفتاح أكاديمي وتعاون دولي أكبر.
✓ دخول التعليم الإلكتروني والبرامج الحديثة.
✓ عودة بعض البعثات الدراسية.
أما السلبيات فكانت أعمق:
- التضخم الكبير في أعداد الجامعات الأهلية.
- ضعف الجودة أحيانًا مقارنة بالتوسع العددي.
- المحاصصة الحزبية وتأثير السياسة على الإدارة الجامعية.
- البطالة بين الخريجين.
- ضعف الربط بين التعليم وسوق العمل.
- تراجع البحث العلمي الحقيقي لصالح الكمّ الإداري.
- التحديات الحالية
يواجه التعليم العالي العراقي اليوم عدة تحديات:
تحديث المناهج.
التحول نحو التعليم التقني والرقمي.
تمويل البحث العلمي.
الحد من هجرة العقول.
مواءمة التخصصات مع الاقتصاد.
مكافحة الفساد الإداري والأكاديمي.
رفع التصنيفات العالمية للجامعات.
- فرص التطوير المستقبلية
يمتلك العراق إمكانات كبيرة للنهوض بالتعليم العالي إذا توفرت:
✓ إدارة أكاديمية مستقلة.
✓ استراتيجية تعليم تنموي مرتبطة بالاقتصاد.
✓ دعم البحث العلمي والصناعة.
✓ شراكات دولية حقيقية.
✓ تطوير التعليم التقني والذكاء الاصطناعي.
✓ استثمار الطاقات الشبابية الكبيرة.
فالعراق يمتلك تاريخًا أكاديميًا عريقًا، لكن التحدي الحقيقي اليوم ليس في بناء جامعات جديدة فقط، بل في بناء “جامعة منتجة للمعرفة والتنمية”، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي