كلمات مترابطة في القرآن الكريم (الكذب، المداهنة، الهمز)

د. فاضل حسن شريف

قال الله تعالى “فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)” (القلم 8-13)

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله تعالى “فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)” (القلم 8-13) قوله تعالى: “فلا تطع المكذبين” تفريع على المحصل من معنى الآيات السابقة وفي المكذبين معنى العهد والمراد بالطاعة مطلق الموافقة عملا أو قولا، والمعنى: فإذا كان هؤلاء المكذبون لك مفتونين ضالين فلا تطعهم. قوله تعالى: “ودوا لوتدهن فيدهنون” الإدهان من الدهن يراد به التليين أي ود وأحب هؤلاء المكذبون أن تلينهم بالاقتراب منهم في دينك فيلينوك بالاقتراب منك في دينهم، ومحصله أنهم ودوا أن تصالحهم ويصالحوك على أن يتسامح كل منكم بعض المسامحة في دين الآخر كما قيل: إنهم عرضوا عليه أن يكف عن ذكر آلهتهم فيكفوا عنه وعن ربه. وبما تقدم ظهر أن متعلق مودتهم مجموع “لوتدهن فيدهنون” وأن الفاء في “فيدهنون” للتفريع لا للسببية. قوله تعالى: “ولا تطع كل حلاف مهين – إلى قوله – زنيم” الحلاف كثير الحلف، ولازم كثرة الحلف والإقسام في كل يسير وخطير وحق وباطل أن لا يحترم الحالف شيئا مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله فهولا يستشعر عظمة الله عز اسمه وكفى به رذيلة. والمهين من المهانة بمعنى الحقارة والمراد به حقارة الرأي، وقيل: هو المكثار في الشر، وقيل: هو الكذاب. والهماز مبالغة من الهمز والمراد به العياب والطعان، وقيل: الطعان بالعين والإشارة وقيل: كثير الاغتياب. والمشاء بنميم النميم: السعاية والإفساد، والمشاء به هو نقال الحديث من قوم إلى قوم على وجه الإفساد بينهم. والمناع للخير كثير المنع لفعل الخير أو للخير الذي ينال أهله. والمعتدي من الاعتداء وهو المجاوزة للحد ظلما. والأثيم هو الذي كثر إثمه حتى استقر فيه من غير زوال والإثم هو العمل السيئ الذي يبطيء الخير. والعتل بضمتين هو الفظ الغليظ الطبع، وفسر بالفاحش السيئ الخلق، وبالجافي الشديد الخصومة بالباطل، وبالأكول المنوع للغير، وبالذي يعتل الناس ويجرهم إلى حبس أو عذاب. والزنيم هو الذي لا أصل له، وقيل: هو الدعي الملحق بقوم وليس منهم، وقيل: هو المعروف باللؤم، وقيل: هو الذي له علامة في الشر يعرف بها وإذا ذكر الشر سبق هو إلى الذهن، والمعاني متقاربة. فهذه صفات تسع رذيلة وصف الله بها بعض أعداء الدين ممن كان يدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطاعة والمداهنة، وهي جماع الرذائل. وقوله: “عتل بعد ذلك زنيم” معناه أنه بعد ما ذكر من مثالبه و رذائله عتل زنيم قيل: وفيه دلالة على أن هاتين الرذيلتين أشد معايبه. والظاهر أن فيه إشارة إلى أن له خبائث من الصفات لا ينبغي معها أن يطاع في أمر الحق ولو أغمض عن تلك الصفات فإنه فظ خشن الطبع لا أصل له لا ينبغي أن يعبأ بمثله في مجتمع بشري فليطرد ولا يطع في قول ولا يتبع في فعل.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قال الله تعالى “فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)” (القلم 8-13) “فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ”. حاول المشركون بكل سبيل أن يثنوا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عن دعوته، وأغروه بالجاه والمال فأبى، وتمنوا لو صانعهم في شيء مما يريدون، فنهاه اللَّه عن ذلك، والقصد من النهي أن ييأسوا ويعلموا انه لا هوادة ولا مساومة على طاعة اللَّه وأمره.. ويشبه هذا النهي قولك لمن يساومك على دينك: لقد نهاني اللَّه عن ذلك، وأنت تريد ان ييأس منك. “وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ”. تمنى المشركون ان يتنازل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض ما يدعوهم إليه، ويستجيبوا بدورهم لبعض ما نهاهم عنه ولومن باب المداهنة والمداراة كي تنتهي المعركة بين الطرفين، ويتم الصلح على انصاف الحلول، ويدل السياق على ان الذي اقترح المداهنة يتصف بالأوصاف التي أشار إليها سبحانه بقوله: “ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ” يكثر من الأيمان بلا سبب موجب “مهين” حقير “هماز” يكثر الطعن في اعراض الناس “مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ” يمشي بالنميمة والوشاية، والنمام هو الذي يضرب الناس بعضهم ببعض بنقل الأحاديث “مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ” لا يفعله ويمنع الناس من فعله “معتد” على حقوق الآخرين “أثيم” كثير الذنوب والآثام “عتل” فظ غليظ “بعد ذلك” وفوق هذه الأوصاف هو”زنيم” دعيّ لا يعرف له نسب. وهذه الرذائل هي أقصى ما يتصوره العقل. وذكر كثير من المفسرين ان المقصود بهذه الخصال الملعونة هو الوليد بن المغيرة، وكان من عتاة قريش، وفي سعة من المال، وكثرة من الأولاد