الحاجة إلى الإعتراف بالفشل

الحاجة إلى الإعتراف بالفشل
كامل سلمان
أصعب شيء على الإنسان هو الإعتراف بالفشل لأن قسوة الفشل ستضاف إليها قسوة المجتمع عند الإعتراف بالفشل ناهيك عن الخيبة والخذلان التي تصيب أحباب وأنصار الفاشل إضافة إلى الأثار النفسية التي يتركها الفشل في عقل ونفس الفاشل ، لكن الاعتراف بالفشل لمن لا يدري هو نُبل أخلاقي رفيع لا يصله إلا القليل من الناس عندما يكون هذا الفاشل شجاعاً واضحاً وصريحاً أمام نفسه وأمام الأخرين فيكون الإعتراف بالفشل فضيلة وهذا أقل ما يستطيع الفاشل تقديمه للمجتمع ليحتفظ لنفسه بشيء من الأثر الطيب في نفوس الناس ويعطي إنطباعاً عند ذوي العقول والألباب بأن هذا الإنسان صادق السريرة وصادق السلوك ولا يكابر ولا يخادع الناس ولا يخدع نفسه وقد سبق أن أعطى عصارة جهده للنجاح ولم يفلح لسبب معين ، إذاً هي حالة تربوية راقية أن يعترف الإنسان بالفشل ويرى الحياة أمامه فيها فرص كثيرة للنجاح ، أما المسؤول أو القائد الذي يفشل ويعترف بالفشل سيحافظ على سمعة نجاحاته وسينظر التأريخ إلى نجاحاته قبل النظر إلى فشله ويصبح قدوة لغيره ، فهي ثقافة تفتقر إليها المجتمعات المتخلفة ، طبيعة الإنسان في المجتمعات المتخلفة يعتبر الإعتراف بالفشل عاراً فيفضل الموت على الإعتراف بالفشل ، هذا الشعور موروث في طبيعتنا التربوية هو أن نظهر الكمال لأنفسنا ونغطي كل العيوب عنها ، بل ونرمي بالعيوب على من يختلف عنا أو يخالفنا ، هذه ثقافة الاف السنين وكان قاداتنا و أوليائنا وخلفائنا وسلاطيننا وشيوخنا وفقهائنا كلهم إلا ما ندر لا يعرفون معنى الاعتراف بالفشل ، فأصبحت فكرة تغطية العيوب بدل كشفها للناس جزءاً من ثقافتنا الاجتماعية بالرغم من أن هذه العيوب كالفشل لها ضرر كبير على الناس ، وللأسف لم يشهد تأريخنا أن إعترف مسؤولاً أو قائداً بالفشل خاصة القائد الذي يصرف الأموال والجهد والعنف لجعل نفسه رمزاً للأمة ولم يدري بأنه حين أعطى لنفسه الرمزية والقدسية فهو بداية الفشل لكنه يفهم الفشل فقط في الساعات التي يتعرض للذلة والمهانة هو وقيادته على يد عدوه ، فهو بالأساس يحمل العار معه لكنه لم يشعر بمعنى العار لأن وعيه وثقافته ناقصة . المشكلة إن القادة عندنا حتى بعد الفشل وبعد الإهانة وبعد سواد الوجه يحتفلون بالنصر بل ويزدادون بطشاً ضد الناس ويزدادون كذباً و دجلاً وكأن الفشل أعطاهم مبرراً للعنف والكذب وفقدان الحياء . هذا هو واقعنا وهذه هي تركيبتنا ولن تتغير ولن نصبح في يوم من الأيام بمصاف المجتمعات المتقدمة وسنبقى طوال الدهر خلف الركب نحلم بالتقدم والرقي وعندما تأخذنا الحسرة على ما آلت إليه أحوالنا بين الأمم نعيد الأسطوانة المشروخة بأننا أصل الحضارات وأصل البشر وكنا كذا وكذا وكنا سادة الأرض وكان الأخرون عبيداً لنا وكانت نساءهم جواري في خدمتنا واليوم إنقلب الزمان ضدنا وصار الأقزام أعداءاً لنا يتطاولون علينا ثم نلعن الزمن ونلعن الأيام ونعفي أنفسنا وأمراضنا النفسية وانحراف عقولنا عن السبب الحقيقي لتراجع مكانتنا . منذ أن أبصرنا هذه الدنيا لم نرى قائداً واحداً في مجتمعاتنا حقق النجاح رغم أنهم كانوا يوهموننا بالنجاح لذلك نضطر بحكم جهالتنا أن نمتدح من سبق ونستذكر بعض الإنجازات الطفيفة التي حققوها لنقنع أنفسنا بأن تأريخنا كان مشرقاً وكان أبائنا ذوي حظ عظيم وكأنهم خلقوا المعجزات وعندما تقع أعيننا على حماقات ارتكبوها في حياتهم ونتكلم بها جهاراً ونقول في أزمنتهم لم يؤسس احدهم مدرسة تعليمية واحدة أو مستوصف صحي أو حتى مرفق خدمي تنهال علينا التهم بأننا زنادقة منحرفين خارجين عن الملة . مثل هذه العيوب التي لم نلتفت إليها ولم نأخذها بنظر الاعتبار هي بحد ذاتها عيب فينا وفيها إشارات إلى أننا عاجزون عن تغيير واقعنا ، عقولنا لا تستنهض من تلقاء نفسها لأنها عقول استسلامية تنظر للأفق من أضيق زواياه ، لذلك تبقى مجتمعاتنا اسيرة ثقافة العجز ولم ولن ينفع مع هذا الداء أي دواء ، وأخيراً لا مناص من تغيير أجزاء كثيرة من ثقافتنا الاجتماعية لكي نتغلب على مشاكلنا ونحظى بمكانة تليق بنا بأننا لا نقل شأناً عن باقي الأمم ولا نستحق الركون إلى الذلة جيل بعد جيل .