كوميديا سوداء في عصر الديستوبيا !

كوميديا سوداء في عصر الديستوبيا !

احمد الحاج جود الخير
سقط صديقي في تمام الساعة الثامنة والنصف ليلا ومن دون مقدمات مغشيا عليه، حملته وبمساعدة صديق آخر بسيارة تاكسي صفراء اللون نوع سايبا ساخت إيران ، لأن سيارة جاري عن اليمين من طراز رينو Made in France بحاجة الى تبديل محرك، ولأن سيارة جاري الثاني عن اليسار من طراز فولغا Made in Russia بحاجة الى بطارية جديدة ،ولأننا مقاطعون للبضائع الامريكية ولكون سيارة جاري المقابل من طراز كاديلاك Made in America،وكنا قد شاركنا في حملة المقاطعة عبر هواتف الآيفون الأمريكية التي بحوزتنا،وعبر برامج الواتس آب والانستغرام والفيس بوك وإكس واليوتيوب ومن خلال أجهزة الآيباد واللابتوب والحواسيب الامريكية ماركة ديل واتش بي وآبل خاصتنا ، ولأننا عملنا كاروسيلات وبطاقات مقاطعة رقمية بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي الامريكية تحديدا ،غروك،وتشات جي بي تي ،وجيمناي غوغل،وميتا أيه آي، ولاما 3 أيه أي ، وغيرها كثير وكلها برامج أمريكية وما زلنا نستخدمها وسنظل ولا نخضعها للمقاطعة أسوة بغيرها – ليش ما أدري ؟!– ربما لأن عقول بعضنا محصورة ومقيدة بمعدتهم فحسب فترى واحدهم وهو يقاطع الكوكا كولا والبيبسي كولا والماكدونالد والكنتاكي فرايد تشيكن والستاربكس وشركة نستله وجبس ليز وشوكولاته مارس وغيرها من الأطعمة والمشروبات والحلويات،إلا أنه لم ولن يقاطع كل ما هو خارج نطاق المعدة والأمعاء الغليظة والدقيقة إطلاقا حتى أن النظارات الذكية والعادية والشمسية والهواتف النقالة وأجهزة الكومبيوتر وبرامج المونتاج والكاميرات والسيارات الفارهة ودرونات التصوير وأجهزة الإتصال ومواكب المسؤولين الطويلة وأسلحة الحمايات والساعات اليدوية لأشد المقاطعين جعجعة،وأكثرهم صخبا، كلها أمريكية الصنع غير مقلدة عالميا،ولا مجمعة صينيا ، ومن المنشأ الأمريكي الأصلي مباشرة 100% !!
تأسيسا على ما تقدم نحن لم نفكر بالإستعانة بكاديلاك جارنا الثمانينية -المجرقعة – منذ أيام أغنية يا سايق السيارة لمي ووحيد،وأغنية سكة سفر لنبيل شعيل،ولسان حالنا يردد كلمات أغنية زحمة يا دنيا زحمة لأحمد عدوية،وذلك حفاظا على المبدأ الذي دعونا الناس إليه ذات يوم لظروف موضوعية ضمن حملات شعبوية عاطفية ووقتية لم نحافظ عليها ولم نشرح للناس أبعاد وأهداف ومقدمات ونتائج معظمها ليكونوا على بينة من أمرهم على الأقل ،مع أن جارنا كان قد حصل على سيارته تلك منذ أن كان يعمل معلما في إحدى المدارس الكويتية قبل الغزو العراقي للكويت 1990-1991 والذي لم يفهم العالم كله أسبابه ولا دوافعه الحقيقية غير المعلنة حتى اللحظة، وقبل تحريرها بعملية عاصفة الصحراء ليجد نفسه مطرودا خارج الكويت التي أحبها يوما وأحبته والتي ظل يمتدحها ويتغنى بها ويثني عليها والى الأبد !!
ولأن ستوتة”أبو علوان” Made in Taiwan والتي تعمل طوال ساعات النهار في نقل المواد الغذائية والفواكه والخضار بين العلوات والأسواق الشعبية ،قبل أن تتحول بعد الساعة التاسعة ليلا الى حاوية مخصصة لنقل النفايات والأزبال وبقايا البناء والأحجار وإلقائها تحت جنح الظلام في ساحة كرة القدم الشعبية الترابية القريبة على بعد أمتار،والكل في صباح اليوم التالي يشتم ويزبد ويرعد ويطالب بالكشف عن هوية الجناة والمتورطين برمي القمامة وسط الساحة بلا حياء ولا خجل،بما فيهم “أبو علوان”شخصيا وهو الأشد صخبا بين الجموع الغاضبة،الأعلى صوتا،الأكثر سبا وطعنا ولعنا، تماما كبعض”دعاة مكافحة الفساد وارساء مفاهيم الشفافية والنزاهة وإذا بهم لصوص خزائن وموازنات تريليونية في هزيع الليل، ودعاة إصلاح وبناء وإعمار في رابعة النهار” لدفع التهمة عن شخصه قدر الإمكان،ولأن نقل صاحبي بهذه الستوتة الملوثة أخلاقيا وجرثوميا سيكلفه حياته قبل وصولنا الى المستشفى بنصف ساعة، إن لم يكن أكثر !!
وبما أن دراجتي الهوائية التجميع Made in India لن تصمد ولن تتمكن من حمل راكبين إثنين أحدهما في حالة فقدان كامل للوعي يزن 120 كيلو غراما برغم كتب الحمية ومحاضرات التنمية البشرية وبرامج الرشاقة واليوغا وتمارين الجم والتاي تشي اليومية التي أطلت علينا فجأة عبر غزو فكري طفيلي ، واجتياح ثقافي مكثف وغير مقنن بفعل العولمة المتخطية للحدود والفضاء السيبراني” وبما يشبه الى حد ما مجسراتنا وأنفاقنا التي تزيد من حدة الزحامات المرورية بدلا من تخفيفها”،إذ ما فائدة تمارين رياضية تنقص من وزنك الزائد خمسة كيلوغرامات شهريا لتتناول بعدها مباشرة “رأس باجة “كامل الدسم مع الكوارع والكرشة والممبار المحشو متبوعا بنصف كيلو زنود الست ، وربع كيلو مشكل كرزات، وعلبة آيس كريم بالحليب والكاكاو لتزيد من وزنك 10 كيلوغرامات إضافية أسبوعيا !
ولأن “توك توك” أبو سلوان Made in Thailandعادة ما يتحول بعد غروب الشمس الى ماخور مخصص لمعاقرة الخمور والتحرش وتبادل النكات السمجة والمقاطع الفاضحة، وأحيانا تعاطي الأقراص والكبسلة،برغم الأناشيد والموشحات والتعزيات التي يبثها توك توكه نهارا بصوت عال ، وكل من يعترض على صخب هذا التوك توك وضجيجه فإنه مدان مناطقيا حتى تثبت براءته، ولأن سيارة الاسعاف البيضاء Made in China لن تصل قبل ساعة على أقل تقدير من شدة الزحام وعلى خلفية الإختناقات المرورية مع دفع 25 ألف دينار حمراء اللون المعروفة عراقيا بـ المعجونية عند الوصول، وإلا فإنك لن تتسلم مريضك ولن تعالجه،تماما كما يحدث بعيد وفاته وتشريحه فإنك لن تتسلم جثمانه قبل أن تدفع 50 ألف دينار بدل أتعاب ثلاجة الموتى والقائمين عليها، وبعضهم وهم قلة ولا شك – هكذا أعتقد وقد أكون مخطئا – يعقد معك صفقة في موقع الثلاجة وأثناء توقيع شهادة الوفاة ليفاتحك ويتفاهم معك حول تكاليف ومواعيد حفر القبر وتجصيصه،وقبلها تغسيل الميت وتكفينه،وبعدها خط اللافتة وتجهيز الطعام الخاص بوليمة مجلس العزاء وتكاليف نصب الجادر أو حجز قاعة الفواتح كذلك،وأقطع جازما بأن الصلاة على الجنازة ومثلها حمل النعش الى المقبرة لو كانت بمقابل مادي أيضا، لكانوا قد أبرموا معك صفقة لتحديد أسعار مصلي الجنازة ومشيعيها كذلك، كما هو ديدنهم في توفير الملاية = النائحة المستأجرة التي تناقض النائحة الثكلى ،وإن كان الوقت خارج توقيات الصلاة المعتادة ،ولم تحظ بمصلين ولا بمشيعين لميتك ، فإنهم سيتأجرونهم لك وإن كانوا من غير المصلين ولا المتدينين ومن مدمني حليب السباع و”عرق أبو كلبجة” أساسا مقابل المال،وذلك ضمن منظومة ديستوبية نتنة أطلق عليها” منظومة الرحيل الأبدي والوداع الأخير” بل وسيرسلون إليك متسوليهم ومكديهم تباعا ليحصلوا منك على الاكراميات المادية والإعانات المالية مقابل غسل القبر وتنظيفه بالماء أمام ناظريك وبحضورك فقط لا غير قبل أن يرسلونهم ليسرقوا الشواهد الرخامية خلسة في حال وجودها،بل وعمل السحر الأسود من رفات الموتى،ومعاقرة الخمور،وربما ممارسة الجنس بين القبور أيضا كغريزة بهيمية،أو كنوع من أنواع الطقوس السحرية ، وفي حال افتضاح بعض هذه الحوادث المروعة فإن المتهم المسلفن المفترض والمزعوم في معظمها هو”غرير العسل” وبعض المخلوقات الليلية المسماة محليا بـ البعيوة أو الكرطة أو السعلوة أو أبو رجل مسلوخة،واتهامها بنبش القبور والعبث بشواهدها وعظامها ورفاتها التي يعبث بأغلبها الشاذون والمنحرفون والمشعوذون و”أمهات السحورة”ومن لف لفهم بالتواطؤ مع بعض حراس المقابر من بني البشر ولابد من وضع كاميرات حرارية ليلية لمراقبة ما يجري داخل المقابر الكبيرة تحت جنح الظلام من خوارم للمروءة ، ومن كوارث مجتمعية وأخلاقية وعقدية خطيرة !
وبما أن أحدا من المارة لن يستجيب لنداءات الاستغاثة المتكررة المطالبة بحمل وإسعاف شخص غريب عنهم ملقى على قارعة الطريق بعدما ذاقوا الأمرين من تجارب مماثلة سابقة تعرضوا خلالها برغم مواقفهم الإنسانية المشكورة الى دكات وفصول عشائرية، أو الى دعاوى قضائية ،والى أن يتم تفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة القريبة من مكان الواقعة والمنصوبة في أعلى المنازل والمحال التجارية بعد موافقة أصحابها على تفريغها ،لأن بعضهم ودرءا للمشاكل وصداع الرأس لن يفعل، والى أن يتم استحصال إفادات شهود العيان في حال موافقتهم على الحضور والإدلاء بشهاداتهم لأن معظمهم لن يأتي ، وإلى أن تنجح بإقناع وتفهيم حجي أحمد أغا، يكون مصيرك كمصير ثعلب الفنك، إلا أن يثبت نفسه بأنه – حصيني – يروح جلده للدباغ ، على قول أمثالنا الشعبية الجميلة وذات المغزى والشاهد العميق الدارجة ، فأقسم معظمهم وبأغلظ الأيمان على أنه لن يفعلها مستقبلا ولو كان المستغيث أحد معارفه أو أقاربه حتى صار حال المستغيث بالمارة محليا،كحال المستجير بعمرو عند كربته،وكالمستجير من الرمضاء بالنار !!
وبالتالي فإن نقل صاحبي في ظل هذه الدوامة الفوضوية القمئة بسيارة تاكسي إضطرارا ،هو الحل الأسرع والأمثل والأنجع في مثل هذه الحالة ، ومن باب مجبر أخوك لا بطل !!

دخلنا صالة الطوارىء ففوجئت بعشرات المرضى والمصابين ، مغص كلوي حاد ، كهل يعاني من ذبحة صدرية،امرأة طاعنة في السن تعاني من سكتة دماغية، انهيار عصبي حاد لفتاة في سن المراهقة،ارتجاج في المخ لشاب إثر انقلاب دراجته الدليفري النارية ،صاحب مولدة يعاني من صعقة مفاجئة أثناء محاولته مد توصيلة كهربائية ،أب مصاب برصاصة طائشة في الكتف من مسدسه الشخصي المرخص الموضوع على الطاولة بعد عبث ابنه بزناده دون قصد،ضحايا حريق مفاجىء داخل فرن للصمون،زوجة حاولت الانتحار باشعال النفط الأبيض في جسدها بعد أن تنامى الى علمها سعي زوجها -الاجلح – للاقتران بامرأة -جلحاء- ثانية ،إصابات عيون مختلفة وتمزق في الشبكية بسبب بنادق ومسدسات الأطفال البلاستيكية ، تحطم أضلاع وتهشم عظام وكسور بحوادث مرورية ،اختناقات بالجملة وضيق في التنفس من جراء عاصفة ترابية ، لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه الى أن طلب مني أحد الممرضين ونتيجة لكثرة المرضى والمراجعين، بأن أضع حبة تحت اللسان لصاحبي فقلت :”لا أعرف كيف أضعها،ثم أن يدي ملوثة بأنواع الأتربة بفعل التصعيد والتنزيل والتنقل بين المركبات للاسراع بالوصول الى المستشفى واختصارا للمسافات!”قهقه بمعية زملائه عاليا، وقال :”معقولة ما تعرف تحط حبة تحت اللسان..لعد شتعرف تسوي !!!”، قلت: “تره أصابع إيدك مو سوه،ومو كل مدعبل جوز!” قال” فعلا ولكثرة إدعاء التزهد والتأنق والتأنسن والتثيقف والتفلسف ولاسيما مع فوبيا الميكروبات ورهاب النظافة ،بعضهم أحيانا يصبح ..زوج !!”.
نصحني بعضهم بنقله الى الطابق العلوي عبر المصعد المكتظ ..خمس دقائق ..عشر دقائق ..نصف ساعة ولم يفرغ المصعد ..صاعد ونازل ، حابل ونابل ، وكل الذي نسمعه هو صوت توقف المصعد في الطوابق الأخرى، إلا أنه لم يفرغ ليتنسى لنا الصعود إلا بعد اللتي واللتيا ..
أحلنا الى جهاز التخطيط وهناك وبصوت دافىء وبعبارات أنثوية كيوت مطمئنة تدل على أن صاحبتها ما تزال طالبة في الصفوف المنتهية ولم تتخرج بعد من الكلية :
*سلامات ..تعب خفيف وبس !!
-ولكن صاحبي مغمى عليه ؟!
*صاحبك ديدلع ، خيييخ..ويجوز سهران وتعبان من شد الحر مع إنقطاع الكهرباء الوطنية وعاجبه ينام هنا على البخيخ !!
– وماذا عن التعب والألم الصدري والإرهاق والصريخ ؟!
*قابل نكذب الجهاز،ونصدق صاحبك ، شبيك ما تفتهم ، شنو جاي من المريخ ؟!!
– طيب والغثيان وارتفاع درجة الحرارة والعرق والنضح ؟!
*التخطيط سليم،ولا تلح بالملح، وكفاك شكوى وولولة وردح!!
-حسنا بارك الله بك ، وبارك عليك ، وكثر من أمثالك يا آنسة،يامدام ،يا بنية !
*لا تنسى الواهلية بمناسبة الشفاء والنهوض بالسلامة،وانصح بسماع أغنية راغب علامة..إي..مو عبالك راح تفلت من الهدية !!
مضت ساعتان فحضر أحدهم وبعد فحوصات عاجلة قال:”صاحبك متوفى منذ ثلاث ساعات!”.
-متوفى ؟!! وجهاز التخطيط ، والحبة تحت اللسان، والاكرامية،والمعجونية،وأغنية حمد الله عالسلامة للراغب اللبناني بن علامة ؟!!
*قال:”جهاز التخطيط عاطل منذ أيام وهو في طريقه الآن للفصح والإختبار !!”.
-والممرضة المتدربة الشابة التي طمأنتي على صحة صديقي وبإصرار ؟!
-كانت مجازة وقبل سويعات فقط التحقت بالعمل،وهي لا تعلم شيئا عن العطل المفاجىء الذي لحق بالجهاز المذكورأثناء فترة غيابها ،وكان من المفترض أن تذهب بصاحبك الى غرفة الإنعاش وتدفع المزيد من البقاشيش النقدية – طلعهن إلمن ضامهن ، بخت النايمين للضحى ؟!- إما عبر الماستر كارد ، أو نقديا وفوريا وكاش !!
– طيب وصاحبي الذي فارق الحياة على الخالي بطال ،وبمعنى أدق ببلاش ؟!
*احمد الله تعالى أنه مات ليلة الجمعة ميتة طبيعية ولم يفقد شيئا من أعضائه البشرية ،إنها ميتة يحسده عليها الملايين من ضحايا الحرائق والزلازل والبراكين والأعاصير والانهيارات الأرضية والفياضانات والسيول والحروب الأهلية ..ميتة تتمناها نصف البشرية ضمنت له دفن جثمانه تحت ثرى الوطن الغالي وليس بأرض الغربة أو في بلد الهجرة والمهجر،ولا حرقا بأفران رومانيا وألمانيا وبريطانيا والسويد والمجر ليذر بقايا رماده داخل القارورة في البحر، بعد سنين من قدومه هاربا عبر قارب مطاطي مثقوب قبل أن تلقي عليهم القبض دوريات السواحل والشرطة الخفر، لقد مات بجسد كامل واحد موحد لم يتمزق إربا، ولم ينفصل عن بعضه بعضا فيدراليا ولا كونفدراليا،ولا أن يواصل بقية حياته بأعضاء طبيعية معطوبة،أو بأعضاء اصطناعية مستوردة مضروبة..هذا إن عاش بعد كل هذا الكم الهائل والمستمر من الأدوية والعقاقير الكيماوية والمنشطات والاجهزة -والصوندات- وأطنان القطن والشاش، وعاش المواطن والوطن..عاش!!
-هل تحسدون الفقير المعدم العاطل الذي قضى حياته كلها قبل 2003مجندا ما إن يخرج من حرب عبثية بأمر القائد الضرورة كما كان يسمى في حينه ،إلا ويدخل في أخرى أشد منها عبثية، وإن فر من معركة واحدة خوفا على حياته البوهيمية ،أو تخلف عن الالتحاق بالخدمة الالزامية،اتهم بالخيانة العظمى وبعدم الولاء وباللاوطنية ، لتكتب بحقه عشرات التقارير الزيتونية بأقلام أعضاء الشعبة الاشتراكية، وبأنامل أنصار الفرقة الحزبية،وبتأييد من بعض الشهود الأعدقاء وبعض الجيران -الطك عطية – ليحال الى مواقف التحريات السرية حيث الشوارب الكثة النازلة التي تغطي فتحات السفاري الهدل يومية،قبل نقله الى سجون الانضباطية، لتغبطونه وبعد كل هذه العذابات الإنسانية طيلة عقود مشوشة ضبابية على ميتة الجمعة ..أيا سر- طووووط – ية ؟!
– ألف مبروووك وتهانينا !!
“بل قل- مبارك- فهي الأفصح لغويا،بحسب القواميس اللغوية، والمعاجم النحوية، وفهارس المصطلحات البلاغية “،هكذا أطلقها متزهد متفيقه بخواتمه العشرة عن يمين وشمال كان يقف جانبا منصتا إلينا ونحن نتجاذب أطراف الحديث كفأر في جحره ينتظر اللحظة المناسبة للوثوب على لقمته السائغة المقلية أو المسلوقة أو المشوية بعد أن يهدأ الجميع ليثبت أمامهم بأنه أبو المنطق والفصاحة والبلاغة والنباهة والمفهومية، وما درى بأنه الأقل إدراكا ومفهومية بإهماله المتعمد وغير المسوغ للأساسيات والضروريات والنوازل والحادثات والأولويات والمستجدات والعقائد والفروض والأخلاق وفقه الواقع والكليات،ولغضه الطرف كليا عن الأساطير والخرافات والبدع والضلالات، وتركيزه بدلا من ذلك كله فقط على الكماليات والقضايا الخلافية والعرضية والهامشية،على المسائل السطحية أو الفرعية أوالجزئية لأغراض الجدل والمراء، أو لركوب أمواج الترند،أو لتحقيق شهرة رقمية وقتية، أو لإثارة النعرات الطائفة !
فقلت متمثلا بيت الشاعر قديما :
وما أسفي على الدنيا ولكن..على إبل حداها غير حادي
اليوم وأنا استذكر تلكم اللحظات الغابرة الحرجة التي حدثت سابقا ، وبعد أن صعقنا بما يناظرها أحيانا وبما يفوقها أحايين لاحقا كنت بحاجة الى استوديو تحليلي وغرفة عمليات تضم أصحاب الكفاءات والخبرات وأهل الرأي والمشورة للكشف عن سر حملات منع الدراجات البخارية بين حين وآخر من السير في شوارع المدن الرئيسة ومصادرة العشرات منها نهارا، فيما يتم توقيع عقود استيرادها بالآلاف وربما في نفس اليوم ليلا !!
ولكشف ملابسات خروج مواكب السيارات تتقدمها الباصات الصغيرة الـ ” كيا ” وهي تطلق “الهورن”بلا هوادة إضافة الى إطلاق النار الكثيف والعشوائي الذي يصيب المارة بالهلع والذعر الشديدين، والكل يسأل ترى هل هو موكب لأحد المسؤولين يسير بسرعة الضوء؟! أم تراه رتلا لنائب حلو لسان ، قليل إحسان؟! أم أنه موكب لشركة أمنية أجنبية خاصة غير مأمونة الشرور على أهبة الاستعداد لتكرار مجزرة ساحة النسور؟! أم تراه نزاعا عشائريا محزنا على بقرة فريزن هولندية ، أو مولدة كهرباء أهلية ، أو على توصيلة مائية ؟! أم زفة عرس،العقلاء فيها إثنان ،والراقصون كالمجانين من حول العريسين وبحضرتهما ,ألفان؟! أم أنه احتفاء جماهيري بفوز حققه أحد المنتخبات المحلية بمباراة ودية على منتخب يقبع في ذيل تصنيف الفيفا ؟! أم تشييع جنازة ..أم حفل ختان؟! كل الاحتمالات واردة في بقعة الضغط والسكري وأمراض القلب والشرايين حيث ألف الناس إطلاق النار في أفراحهم وأتراحهم على حد سواء، ولبهلول محلتنا الحكيم في ذلك قول مشهود (عراق بلا رصاص، فلافل بلا طرشي ولا عمبة ولا صاص) ، تناولت الريموت كونترول وهرعت مسرعا الى التلفاز لعله يسعفني بفضائياته الكثيرة لمعرفة الحقيقة وأخذت أقلب قنواته بسرعة فائقة فلم تسعفن أي من برامجها ومعظمها عبارة عن إعلانات تجارية ونشرات إخبارية ، و برامج توك شو يظهر خلالها شخصان أو أكثر وهم يتبادلون الاتهامات فيما بينهم مع تدخل ومقاطعة مقدم البرنامج المستمرة والمملة والمزعجة بلا توقف حتى أنه يتحدث أكثر من ضيوفه مجتمعين في كل حلقة لنستمع إليه طوال وقت الحلقة بدلا من الاستماع الى طروحات وآراء ومداخلات ومعلومات من يستضيفهم، وفي حال لم يكن في جعبة المقدم من المعلومات حول محور الحلقة ما يسعفه بكثرة المقاطعات والتدخلات المعتادة ، فإنه يعمد الى إثارة وإستفزاز ضيوفه والتحريش بينهم لنقضي الحلقة كلها بالاستماع الى قصائد الهجاء وعبارات الشتم والتخوين المخجلة بين الضيوف وبصوت عال في نفس الوقت حتى أنك لن تفهم شيئا مما يقولونه ولاسيما “إذا ما خشم أحدهما ببوكس طياري، أو بالقدح الذي يحمل شعار البرنامج الموضوع أمامهم على الطاولة …قد طار!”، وذلك في ظاهرة إعلامية مقرفة آن لها أن تشذب أو تهذب أو تتوقف!
اتصل أحدهم وقال أتعلمون السبب وراء إطلاق النار الكثيف؟ قلنا لا، وأنى لنا أن نعرف الحقيقة! قال: إنه حفل نجاح ابن مختار محلتنا في امتحان الدور الثالث للسادس ابتدائي، وحصول أحد أبناء المنطقة على عقد عمل بأجر يومي؟! وحصول عاطل عن العمل على تأشيرة سفر الى دولة كيريباتي التي لم يسمع عنها أحد وبالدولار،وخروج شقيق المكوجي من المستشفى سالما منعما وغانما مكرما لم يفارق الحياة بعد إجراء عملية الزائدة الدودية، واستمرار الكهرباء الوطنية لمدة خمس ساعات متواصلة على غير المعهود من دون انقطاع بالتزامن مع تصريحات تتحدث عن نية العراق لدخول عالم الطاقة النظيفة حيث الألواح الشمسية ، ومراوح الرياح العملاقة، والربط الكهربائي التركي والمصري والخليجي، لانتاج الطاقة الكهربائية بلا توقف – بالمشمش – مع اطلاق مفردات الحصة التموينية بعد انقطاع طويل،وإعادة مياه الشرب الى بعض المناطق التي تعاني من شح المياه مجددا في بلاد الرافدين وما بين النهرين !!
نتمنى على أولي النهى وأصحاب العقول والوجهاء والخطباء وعلية القوم أن يثقفوا الناس بضرورة الابتعاد كليا عن العنف الأسري وعن المشاجرات وألعاب الأطفال الخطرة، والالتزام بالإشارات الضوئية، وبالسرع المحددة ،وربط أحزمة الأمان، والتقيد بالتعليمات والقوانين والضوابط المرورية حفاظا على السلامة العامة ، والامتناع عن إطلاق النار في الهواء ولأي سبب كان،لأن مستشفياتنا غير قادرة على استقبال واستيعاب مئات المرضى والمصابين يوميا ممن يتساقطون كأوراق الخريف من جراء إطلاق النار العشوائي، والعواصف الترابية ، وعلى خلفية المشاجرات المناطقية ،والنزاعات العشائرية ،والعنف الأسري ،والحوادث المرورية المؤسفة،إضافة الى أن الاطلاق بحد ذاته يُعد ظاهرة غير حضارية ولا تنم عن ثقافة أو ذوق تليق بشعب متحضر له جذور في عمق التأريخ تمتد لأكثر من 7 آلاف عام ، ولا سبيل للتغيير الشامل والإصلاح الحقيقي وهي مسؤولية الجميع دون استثناء ، إلا بإحياء الفضائل جميعها ، وكبح جماح الرذائل كلها .أودعناكم أغاتي