حسن درباش العامري
الحقيقة أنني، وحتى هذه اللحظة، عندما يسألني أحد عن اسم السيد رئيس مجلس الوزراء، أتوقف لثوانٍ أفتش في زوايا الذاكرة عن اسمه، ليس جهلاً بالمشهد السياسي أو بأهم أحداثه، بل لأن الرجل لم يترك حتى الآن ذلك الأثر الذي يجعل حضوره راسخاً في الذهن كما فعل غيره، سلباً أو إيجاباً.
ففي العراق، اعتدنا أن يرتبط السياسي بعبارة أو موقف أو حدث يبقى عالقاً في ذاكرة الناس. أحدهم دعا على نفسه ذات يوم قائلاً: «الله لا يوفقني»، وبعد سنوات وجد كثير من العراقيين أنفسهم يرددون: آمين، وإن جاءت متأخرة. وآخر صدح بعبارته الشهيرة: «ألو عماد… أنا لكل العراقيين»، ثم اكتشف العراقيون بعد حين أنه كان أقرب إلى تمثيل نفسه ومن أوصله إلى السلطة أكثر من تمثيله لهم.
أما رئيس الوزراء الحالي، فلا أزال أبحث عن الحدث أو الموقف الذي يميزه ويجعل الناس تتحدث عنه بوصفه صاحب مشروع أو رؤية أو حتى اجتهاد مختلف. ولعل أول ما قرأته عنه بوصفه خطوة لافتة كان تعيين شيخ عشيرته مستشاراً أول له. وقد بدت لي تلك الخطوة إشارة غير مشجعة على طريق بناء دولة المؤسسات، الدولة التي يفترض أن تقوم على الكفاءة والخبرة لا على الانتماءات العشائرية أو الفئوية.
ومع ذلك، لا أجد من الإنصاف إصدار الأحكام النهائية مبكراً. فما زال الوقت متاحاً أمام الرجل ليقدم رؤيته ويثبت قدرته على إدارة الدولة. غير أن ما كنت أتمناه، وما أزال أراه ضرورياً، هو أن يبادر رئيس الوزراء إلى فتح قنوات حوار مع الأكاديميين والباحثين والمحللين السياسيين وصناع الرأي العام، لا من باب المجاملة، بل من باب الاستفادة من الرأي الآخر وتبادل وجهات النظر حول التحديات التي تواجه البلاد.
فحين يكون الهدف هو بناء وطن يخدم أبناءه، يصبح الحوار ضرورة لا ترفاً. وكان من الممكن لمثل هذه اللقاءات أن تكشف لنا بوضوح الطريق الذي ينوي رئيس الوزراء سلوكه، والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، وأن تمنحنا فرصة لدعمه عندما يكون على الطريق الصحيح، أو تنبيهه إلى مواطن الخلل عندما تستدعي المصلحة الوطنية ذلك.
إن العراقيين لا ينتظرون خطابات جديدة بقدر ما ينتظرون مشروعاً واضحاً، ولا يبحثون عن شعارات براقة بقدر بحثهم عن نتائج ملموسة. ولذلك يبقى السؤال قائماً:
من هو رئيس مجلس الوزراء العراقي حقاً؟ وهل يحمل مشروع دولة، أم أنه مجرد حلقة أخرى في سلسلة الحكومات التي مرت دون أن تترك أثراً يوازي حجم آمال العراقيين؟