كتابات عن يوم غدير خم وتنصيب الامام علي عليه السلام (ح 8)

د. فاضل حسن شريف

ما ورد في ينابيع المودّة و المناقب لابن شهرآشوب الإمام الصادق عليه السلام – في هذه الآية: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” (النساء 59): وأولوا الأمر هم الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وكذلك ما ورد في كتاب الزهد والكافي: ابن أبي يعفور: دخلت علي أبي عبد الله عليه السلام وعنده نفر من أصحابه في حديث طويل يرويه إلى أن قال: فقال لي: يا بن أبي يعفور، إن الله عزّ وجلّ هو الآمر بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر الذين هم أوصياء رسوله. يا ابن أبي يعفور، فنحن حجج الله في عباده، وشهداؤه على خلقه، وأمناؤه في أرضه، وخزانه على علمه، والداعون إلى سبيله، والعاملون بذلك، فمن أطاعنا أطاع الله، ومن عصانا فقد عصى الله”. ومن رحمته تعالى أن يرزق المؤمن الإيمان الحقيقيّ الذي يكون عن طريقه صلّى اللَّه عليه وآله، وعن أهل بيته عليهم السّلام أجمعين. ومن رحمته أنّ شريعته هي الشريعة السهلة السمحاء، بل حتى كلماته وأحاديث تمتاز بالسهولة واليسر لتحفظ وترسخ في أذهان الناس. وهذا يفرض علينا مسؤوليّة كبيرة على عاتقنا تجاه عظمة نبينا الخاتم صلى الله عليه وآله التي تتحقّق بطاعته وعدم مخالفته في وصيتها ومن أهمّها الغدير، وحديث الثقلين وغيرها من المواقف التي أرادها وجعل طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله من طاعته سبحانه وتعالى.

عن منتدى الكفيل: عظمة الغدير: وكان عدد الحجاج يزداد في الطريق بين المدينة ومكة بانضمام وفود القبائل من المناطق القريبة والنائية من الجزيرة واليمن، ليروا النبي صلى الله عليه وآله ويتحجوا معه ويودِّعوه قبل رحيله إلى ربه.لقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله مرات عديدة أن هذا العام هو العام الأخير من عمره الشريف وهذا بحد ذاته يثير الرغبـة لدى المسلمين للاشتـراك في هذه الرحلة التاريخية. وقد كان عدد المشاركين في مراسيم الحج في هذه الواقعة ما يقارب من مائة وعشرين ألف حاج، وقد حضر من المدينة وما حولها سبعون ألف حاج تشرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وآله ومشوا في قافلته متَّجهيـن إلى مكـة، هاتفين طول الطريـق بالتلبية والتكبيـر. الإحرام لله تعالى وقد تحرَّك الموكب النبوي من المدينة نحو مسجد الشجرة ليبدؤوا إحرامهم هناك.. وكان أهل بيت النبوة جميعاً بصحبة النبي صلى الله عليه وآله في هذا السفر المهيب: فاطمة الزهراء والحسن والحسين وسائر الذرية الطاهرة عليهم السلام، وكذلك نساء النبي ركبن المحامل تحملها الإبل في تلك القافلة الجماهيرية.ولم يطل نزولهم في “مسجد الشجرة”، فقد أحرموا للحج من هناك وأعلنوا تلبية ربهم. ثم واصلت المسيرة انطلاقتها باتجاه مكة في موكب مهيب في مسيرة عشرة أيام، في قافلة عظيمة تشمل الركبان والمشاة.ساروا طوال الليل إلى الفجر ملبين ذاكرين الله تعالى إلى فجر يوم الأحد، حيث توقفوا في الطريق ومكثوا إلى المساء.وبعد أداء صلاة المغرب والعشاء واصلوا مسيرتهم حتى وصلوا صباح الغد إلى “عرق الظبية”. ثم واصلوا السير حتى توقفوا فترة قليلة في “الروحاء”، وتحركوا منها إلى “المنصرف” حيث نزلوا فيها لأداء صلاة العصر. ثم نزلوا في “المتعشى” فأدَّوا صلاة المغرب وتناولوا طعام العشاء هناك. ثم واصلوا السير إلى “الأثاية” فأدَّوا صلاة الصبح. وفي صباح يوم الثلثاء وصلوا إلى منطقة “العرج”; وفي يوم الأربعاء وصلوا إلى “السقيا”.وفي يوم الخميس وصلت القافلة النبوية إلى “الأبواء” وهو المكان الذي توفيت فيه “آمنة” أم النبي صلى الله عليه وآله، فقام بزيارة مرقدها الطاهر.وفي يوم الجمعة واصلوا سيرهم فمرّوا على منطقة “غدير خم” و”الجحفة”. ثم ساروا إلى منطقة “القُديد” فنزلوا هناك واستراحوا إلى يوم السبت. ثم رحلوا منها ووصلوا إلى “عُسفان” يوم الأحد. ثم ساروا حتى وصلـوا يوم الإثنين إلى “مرّ الظهـران” وبقوا هناك إلى الليـل.وفي أثناء الطريق شكا المشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله صعوبة الطريق ومشقة السفر، وطلبوا منه أن يحملهم على الإبل. وبما أن رسول الله صلى الله عليه وآلهلم يكن لديه ما يحملهم عليه فقد أوصاهم بأن يشدوا أرجلهم بما تيسر لهم، ويواصلوا سيرهم هرولةً عسى أن يخفف ذلك عنهم.ثم توجَّهوا ليلا فوصلوا إلى “سَيرَف” آخر منزل قرب مكة المكرمة. ثم ساروا حتى دخلوا مكة يوم الثلاثاء الخامس من ذي الحجة. فقطعوا تلك المسافة في عشرة أيام، وأناخ أول موكب مهيب للحج بمكة تحف به آيات الجلال والعظمة، بما لم يسبق له مثيل، وبما يقصر الوصف عن بيانه.وفد حجاج اليمن بقيادة أمير المؤمنين عليه السلام8كان أكثر أهل اليمن دخلوا في الإسلام على عهد النبي صلى الله عليه وآله، لكن بقيت منها مناطق قبائل همدان وغيرها. فبعث النبي صلى الله عليه وآله إليها جيشاً بقيادة خالد بن الوليد يدعوها إلى الإسلام. وبقي خالد ستة أشهر هناك حيث لم يستجيبوا له، ولم يجرأ هو وجيشه أن يقاتلوهم. فبعث النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علياً عليه السلام على رأس جيش وأمر خالد بن الوليد أن ينضم تحت إمرته.وسار علي عليه السلام إلى أداء مهمته في استكمال فتح اليمن، وأكمل مهمته بالمعجزة في بعض المناطق وبالحرب في مناطق أخرى في عمق اليمن; كل ذلك في مدة قياسية.

عن معهد الخوئي: مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية لندن: نص كلمة مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية التي ألقاها السيد عبد المجيد الخوئي رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. السادة العلماء الأعلام ايها الاخوة والاخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). باسمي وباسم اخواني اعضاء الهيئة المركزية في مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية ارحب بكم واتقدم اليكم جميعاً بأسمى آيات التهنئة والتبريك بهذا العيد السعيد يوم الغدير الأغر سائلاً المولى عز وجل ان يجعله يوم يمن وخير وسعادة للمسلمين جميعاً، وانطلاقة خيّرة في سبيل اعلاء كلمة الحق وضمان الازدهار لامتنا الإسلامية المجيدة. وفي الوقت نفسه يغمرني السرور والابتهاج حيث اشارككم في افتتاح هذا المركز الإسلامي الذي نأمل له ان يكون مشعل هداية ونبراس فضيلة وتقدم في مجال خدمة وتنوير الجالية الإسلامية في هذه العاصمة الغربية، ان شاء الله تعالى. لقد حظي هذا المكان المبارك قبل عامين بحفل مبارك زاهر بمناسبة يوم عيد الغدير حين سعت المؤسسة بالتآزر مع مؤسسات دينية وعلمية اخرى لاقامة مهرجان الإمام علي عليه السلام بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً على يوم الغدير الاغر، وقد اوضح حينها فضيلة الاخ العلامة الحجة السيد محمد تقي الخوئي حفظه الله ورعاه ان هذا المكان كان معبداً لممارسة الشعائر الدينية حسب الشريعة اليهودية، وإذا به يتحول بعناية الله وبفضل الرعاية الخاصة للمرجع الديني الاعلى آية الله العظمى الإمام الخوئي دام ظله الى مركز اسلامي زاهر لخدمة ابناء الامة ولاقامة وتعظيم شعائر الله على حسب دينه الذي قال عنه تعالى: “إن الدين عند الله الإسلام”. أجل، وكما حولت القبلة الأولى من المسجد الاقصى الى بيت الله الحرام شاءت الارادة الربانية ان يتحول هذا المحراب على نفس المنوال باتجاه بيت الله الذي قال عنه تعالى “إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم ومن دخله كان آمناً). وانها لمناسبة سخية ان يقترن افتتاح المركز هذا بعيد الغدير، يوم اكمال الدين واتمام النعمة وقد اقترن افتتاح مدرستي الإمام الصادق والزهراء عليهما السلام بيوم المباهلة وافتتاح مركز الإمام الخوئي الإسلامي في نيويورك بيوم ميلاد منقذ البشرية الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه وافتتاح مركز الإمام الخوئي الإسلامي في سوانزي بيوم ميلاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يستلهم أعضاء الهيئة المركزية للمؤسسة من المباهلة والغدير وميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وميلاد الإمام الصادق عليه السلام ويوم النصف من شعبان وكل يوم عظيم الشأن عند الله نبراساً وحافزاً للبدء بالمشاريع المختلفة في شتى نقاط العالم في الهند وباكستان وفي تايلند وماليزيا وفي امريكا وكندا وغيرها والتي نأمل لها ان تكون كما تفاءل بها سماحة المرجع المؤسس نفسه مصداقاً للشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين باذن ربها. إن تقارن البدء في نشاطات هذه المراكز مع الذكريات العطرة التي تلهم كل واحدة منها آلاف العظات والعبر وتحيي في الاذهان آلاف الصور المشرقة عن الاسلام والايمان والفداء والنبل والكرامة، فهي تشير الى حقيقة تسترعي الانتباه وينبغي الالتفات إليها.

جاء في صفحة مشروع صحن فاطمة عليها السلام: مضيف الزائرين في العتبة العلوية المقدسة يُقيم مأدبة طعام لآلاف الزائرين في ذكرى رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بالتعاون مع مؤسسة (رسول الله محمد المصطفى). صحن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في العتبة العلوية المقدسة يحتضن زائري المرقد العلوي المُطهَّر. العتبة العلوية المقدسة توزع عشرات الآلاف من وجبات الطعام من بركات المولى أمير المؤمنين سلام الله عليه على الزائرين تيمناً بعيد الغدير الأغر.

وعن اليوم المذكور في الآية المائدة 3 يبين الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل: لقد قال المفسرون الكثير في هذا المجال، ومما لا شك فيه ولا ريب أن يوما عظيما في تاريخ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كهذا اليوم لا يمكن أن يكون يوما عاديا كسائر الأيام، ولو قلنا بأنه يوم عادي لما بقي مبرر لإضفاء مثل هذه الأهمية العظيمة عليه كما ورد في الآية. وقيل أن بعضا من اليهود والنصارى قالوا في شأن هذا اليوم بأنه لو كان قد ورد في كتبهم مثله لاتخذوه عيدا لأنفسهم ولاهتموا به اهتماما عظيما. ولنبحث الآن في القرائن والدلائل وفي تاريخ نزول هذه الآية وتاريخ حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والروايات المختلفة المستفادة من مصادر إسلامية عديدة، لنرى أي يوم هو هذا اليوم العظيم؟ ترى هل هو اليوم الذي أنزل فيه الله الأحكام المذكورة في نفس الآية والخاصة بالحلال والحرام من اللحوم؟ بديهي أنه ليس ذلك لأن نزول هذه الأحكام لا يوجب إعطاء تلك الأهمية العظيمة، ولا يمكن أن يكون سببا لإكمال الدين، لأنها لم تكن آخر الأحكام التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والدليل على هذا القول ما نراه من أحكام تلت الأحكام السابقة في نزولها، كما لا يمكن القول بأن الأحكام المذكورة هي السبب في يأس الكفار، بل إن ما يثير اليأس لدى الكفار هو إيجاد دعامة راسخة قوية لمستقبل الإسلام، وبعبارة أخرى فإن نزول أحكام الحلال والحرام من اللحوم لا يترك أثرا في نفوس الكفار، فماذا يضيرهم لو كان بعض اللحوم حلالا وبعضها الآخر حراما؟ فهل المراد من ذلك “اليوم” هو يوم عرفة من حجة الوداع، آخر حجة قام بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما احتمله بعض المفسرين؟ وجواب هذا السؤال هو النفي أيضا، لأن الدلائل المذكورة لا تتطابق مع هذا التفسير، حيث لم تقع أي حادثة مهمة في مثل ذلك اليوم لتكون سببا ليأس الكفار ولو كان المراد هو حشود المسلمين الذين شاركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم عرفة، فقد كانت هذه الحشود تحيط بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل هذا اليوم أيضا، ولو كان المقصود هو نزول الأحكام المذكورة في ذلك اليوم، فلم تكن الأحكام تلك شيئا مهما مخيفا بالنسبة للكفار. ثم هل المقصود بذلك “اليوم” هو يوم فتح مكة (كما احتمله البعض)؟ ومن المعلوم أن سورة المائدة نزلت بعد فترة طويلة من فتح مكة. أو أن المراد هو يوم نزول آيات سورة البراءة، ولكنها نزلت قبل فترة طويلة من سورة المائدة. والأعجب من كل ما ذكر هو قول البعض بأن هذا اليوم هو يوم ظهور الإسلام وبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أن هذين الحدثين لا علاقة زمنية بينهما وبين يوم نزول هذه الآية مطلقا وبينهما فارق زمني بعيد جدا. وهكذا يتضح لنا أن أيا من الاحتمالات الستة المذكورة لا تتلاءم مع محتوى الآية موضوع البحث. ويبقى لدينا احتمال أخير ذكره جميع مفسري الشيعة في تفاسيرهم وأيدوه كما دعمته روايات كثيرة، وهذا الاحتمال يتناسب تماما مع محتوى الآية حيث يعتبر “يوم عذير خم” أي اليوم الذي نصب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا أمير المؤمنين عليه السلام بصورة رسمية وعلنية خليفة له، حيث غشى الكفار في هذا اليوم سيل من اليأس، وقد كانوا يتوهمون أن دين الإسلام سينتهي بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن الأوضاع ستعود إلى سابق عهد الجاهلية، لكنهم حين شاهدوا أن النبي أوصى بالخلافة بعده لرجل كان فريدا بين المسلمين في علمه وتقواه وقوته وعدالته، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام، ورأوا النبي وهو يأخذ البيعة لعلي عليه السلام أحاط بهم اليأس من كل جانب، وفقدوا الأمل فيما توقعوه من شر لمستقبل الإسلام وأدركوا أن هذا الدين باق راسخ. ففي يوم غدير خم أصبح الدين كاملا، إذ لو لم يتم تعيين خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو لم يتم تعيين وضع مستقبل الأمة الإسلامية، لم تكن لتكتمل الشريعة بدون ذلك ولم يكن ليكتمل الدين. نعم في يوم غدير خم أكمل الله وأتم نعمته بتعيين علي عليه السلام، هذا الشخصية اللائقة الكفؤ، قائدا وزعيما للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا اليوم أيضا رضي الله بالإسلام دينا، بل خاتما للأديان، بعد أن اكتملت مشاريع هذا الدين، واجتمعت فيه الجهات الأربع.