منظمة عراقيون ضد الفساد
بغداد / المنطقة الخضراء / دهاليز المكاتب العامة لأمانة رئاسة الوزراء …
مقدمة
في القضايا الكبرى التي تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، لا تصبح سلامة المتهمين أو الموقوفين مسألة إنسانية أو قانونية فحسب، بل تتحول إلى جزء أساسي من معركة الوصول إلى الحقيقة. فكلما اتسعت دائرة التحقيقات وارتفعت قيمة المعلومات التي قد يمتلكها الأشخاص الخاضعون للاستجواب، تزداد أهمية توفير الضمانات اللازمة لحمايتهم الشخصية وحماية مسار العدالة من أي مؤثرات أو ضغوط أو أحداث قد تؤدي إلى طمس الحقائق أو إعاقة كشفها أمام الرأي العام. وفي خضم الجدل المتصاعد حول ملف مصفى بيجي والتحقيقات الجارية المرتبطة به، برزت لدى “المنظمة” خلال الأيام الأخيرة موجة من التساؤلات والمخاوف والتحذيرات وعلى نطاق واسع بشأن سلامة بعض الموقوفين وإمكانية تعرض التحقيقات لمؤثرات خارجية مفتعلة قد تؤثر في سير العدالة ونتائجها النهائية. وبين الوقائع التي تعلنها الجهات الرسمية والتسريبات التي قد تتناقلها المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع المؤسسات الرقابية والقضائية حماية مسار التحقيقات وضمان وصولها إلى نهايتها بعيداً عن الضغوط والسيناريوهات المثيرة للجدل؟ لان الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بمصير شخص أو مجموعة أشخاص فقط متهمين والمتهم بريء إلى أن يثبت القضاء العادل النزيه اتهامه بالأدلة القطعية وليست الضنية والمستندات والوثائق التي لا تقبل الشك أو التأويل ، بل تتعلق بثقة المواطنين بقدرة الدولة على كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة جميع المسؤولين وفق القانون، وحماية كل من يمتلك معلومات قد تسهم في إظهار الوقائع أمام القضاء والرأي العام.
لذا ترى “المنظمة” بدورها ولدينا تخوف حقيقي لغرض عدم طمس الحقيقية وأخراج سيناريوهات الانتحار والحالة النفسية كما حدث سابقا مع المتحولة جنسياً العراقية “عبد الله عبد الأمير”، المعروفة إعلامياً باسم “جوجو دعارة” في ايار 2024 داخل أحد السجون ببغداد (سجن العدالة/التاجي) حيث سارعت وأعلنت وزارة العدل العراقية أن المعلومات الأولية تشير إلى سقوطها مغشياً عليها ونقلها للمركز الصحي لتفارق الحياة، وأن الوفاة ناتجة عن سكتة قلبية مفاجئة و تدهور حاد في حالتها الصحية والنفسية مما أدى إلى وفاتها في الحال في 12 أيار 2024 داخل سجن تسفيرات الرصافة (أو مراكز الإصلاح التابعة لوزارة العدل) في بغداد حيث كشفت التسريبات ومن خلال سرية التحقيقات التي أُحيطت أسماء الضحايا والمتواطئين بسرية تامة نظراً لـحساسية مناصبهم، حيث شملت القائمة قادة سياسيين، مسؤولين، وإعلاميين بارزين وقادة فصائل مسلحة عقائدية وقيادات رئيسية في الحشد الشعبي؟
ولذا فننا نرى أن مثل هذه الوقائع السابقة تعزز المطالبة باتخاذ إجراءات استثنائية لضمان سلامة جميع الموقوفين المرتبطين بالتحقيقات الحالية، وتوفير أعلى درجات الرقابة والشفافية بشأن أوضاعهم الصحية والأمنية، منعاً لظهور أي شكوك أو تساؤلات مستقبلية قد تؤثر على ثقة الرأي العام بنتائج التحقيقات. ومن هذا المنطلق، نؤكد بدورنا أن الهدف ليس إطلاق الأحكام المسبقة أو تبني روايات غير مثبتة، وإنما التشديد على ضرورة الحفاظ على جميع خيوط القضية حية ومحمية حتى انتهاء التحقيقات والإجراءات القضائية بشكل كامل، بما يضمن الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن أي التباس أو جدل قد يثار لاحقاً حول مصير الأشخاص الذين يمتلكون معلومات مرتبطة بهذا الملف.
(*) بين التسريبات والتحقيقات الرسمية.. أسئلة كبرى تبحث عن إجابات
منذ الإعلان عن إلقاء القبض على وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التصفية والمدير السابق لمصافي الشمال ومصفى بيجي، عدنان الجميلي، لم تهدأ حالة الجدل التي اجتاحت الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في العراق. فالقضية التي بدأت باعتقال مسؤول رفيع المستوى سرعان ما تحولت إلى ملف تتداخل فيه التسريبات والشائعات والتكهنات مع الوقائع القضائية المعروفة، وسط مخاوف متزايدة من أن تكون التحقيقات الجارية قد فتحت باباً يقود إلى ملفات أكبر وأكثر تعقيداً مما يظهر للرأي العام حتى الآن والمتعلق بإدارة قطاع الموارد النفطية وعلى الرغم من أن الجهات الرسمية لم تكشف بصورة كاملة عن تفاصيل التحقيقات أو طبيعة الاتهامات أو أسماء جميع الأشخاص الذين يجرى التحقيق معهم، فإن منصات التواصل الاجتماعي ودوائر سياسية وإعلامية مختلفة ما تزال تتداول معلومات متسارعة تشير إلى أن القضية قد لا تتعلق بشخص واحد أو إجراء إداري منفرد، بل ربما ترتبط – في حال ثبوت تلك الادعاءات – بمنظومة واسعة من المصالح والعلاقات التي تشكلت خلال سنوات طويلة داخل أحد أهم المرافق الاقتصادية والاستراتيجية في العراق.
(*) مصفى بيجي.. العقدة التي لم تُحل منذ سنوات
لا يمكن فهم حجم الجدل المحيط بالقضية دون العودة إلى الأهمية الاستثنائية لمصفى بيجي، الذي ظل لعقود القلب النابض لصناعة التكرير النفطية العراقية وأحد أكبر المصافي في المنطقة. فبعد سنوات الحرب والدمار والمعارك التي شهدتها المنطقة خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق، تحول ملف إعادة تأهيل المصفى وتشغيله والعقود المرتبطة به إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، سواء من الناحية المالية أو الإدارية أو السياسية. ولهذا السبب نحن نرى بأن أي تحقيق يتناول مصفى بيجي لا يمكن أن يكون ملفاً عادياً، لأن حجم الأموال والعقود والمشاريع والجهات المتداخلة فيه يجعل من الصعب اختزال المسؤولية أو الاتهامات بشخص واحد فقط، مهما كان موقعه الوظيفي.
(*) تسريبات تتحدث عن ضغوط خلف الكواليس
وبينما تواصل الجهات المختصة عملها، بدأت تظهر على منصات التواصل الاجتماعي تسريبات تزعم وجود ضغوط تُمارس على جهات قضائية ورقابية بهدف التأثير على مسار القضية.وتشير هذه الروايات المتداولة إلى وجود محاولات لإطلاق سراح الجميلي أو تخفيف الإجراءات المتخذة بحقه، ولو من خلال ترتيبات قانونية مثل الإفراج بكفالة، وذلك بسبب مخاوف بعض الأطراف من أن يؤدي استمرار التحقيقات إلى كشف أسماء أو معلومات قد تمتد إلى شخصيات سياسية أو حزبية أو إدارية نافذة. إلا أن استمرار تداولها بكثافة يعكس مستوى القلق الشعبي من احتمال تعرض التحقيقات لضغوط سياسية أو نفوذ غير معلن، وهو أمر لطالما أثار الجدل في العديد من ملفات الفساد الكبرى داخل العراق.
(*) الخوف الأكبر.. ماذا لو تكلم المتهمون؟
وفي قلب هذه التسريبات تبرز لنا مخاوف حقيقية وحسب ما تم تسريبه للمنظمة حصريا من قبل احد السادة المسؤولين الأفاضل قبل ساعات وما يتم تداوله حاليا داخل اورقة بعض مكاتب الأمانة العامة لرئاسة الوزراء مفادها : ” هناك نخوف حقيقي من جهات قيادية حزبية في الإطار التنسيقي ولها ارتباطات وثيقة الصلة عابرة لحدود بالحرس الثوري الإيراني لديهم تخوف حقيقي بان يقوم عدنان الجميلي ومن معه الإدلاء بمعلومات تفصيلية حول الجهات أو الأشخاص الذين تعاملوا معهم خلال السنوات الماضية؟ وهذا السؤال تحديداً هو ما يمنح القضية بعداً أكثر حساسية، لأن الملفات المرتبطة بالفساد المالي والإداري في المؤسسات الكبرى غالباً ما تكون مترابطة، وتتضمن سلاسل طويلة من الموافقات والعقود والتوقيعات والقرارات. ومن هنا ظهرت لنا مخاوف حقيقية وجدية من أن يكون بعض الموقوفين عرضة لضغوط مباشرة أو غير مباشرة تهدف إلى منعهم من الإدلاء بمعلومات قد توسع دائرة التحقيقات؟ حيث يرجح للمنظمة بعض السادة المسؤولين الأفاضل بان هناك سيناريوهات عديدة يتم الإعداد لها من قبل قيادات الدولة العميقة والقادة الحزبيين في الحكم وحتى رجال دين ومن أهمها تفعيل ملف الحالة النفسية والصحية ومن خلال أخراج تقارير طبية مفبركة ومزورة غير حقيقية في سبيل طمس الحقيقية عن الرأي العام ؟
ومن اهم سيناريوهات المقلقة التي تهدف إلى الاغتيال السياسي خلف القضبان ومنها الأتي :
(1) هناك مخاوف من إعداد تقارير طبية مثيرة للجدل قد تتحدث عن اضطرابات نفسية أو آثار صدمة نفسية أو ميول انتحارية بعد الاعتقال ونرى بعد ذلك في وسائل الإعلام انه قد انتحر وشنق نفسه باستخدام شرائف السرير ولعدم تحمله الفضيحة الفساد المالي والإداري .
(2) وضع الموقفين وعلى راسهم السيد الجميلي في زنزانات عامة مع السجناء وليس في زنزانات منفصلة وبعدها يقوم بعض السجناء بافتعال مشادة كلامية فيما بينهم ووقوع أحداث داخل أماكن الاحتجاز والتي سوف تؤدي إلى نتائج خطيرة واغتيال الجميلي بسلاح ابيض وبضربة تكون مميتة ومن معه ليصعب بعدها تحديد المسؤوليات بصورة واضحة.
(3) التسميم بعقار طبي لا يترك أي اثر له في حالة القيام بالتشريح الطبي ؟ وكما حدث سابقآ مع رئيس المؤتمر احمد الجلبي ؟
إن جوهر العدالة لا يتمثل فقط في القبض على المتهمين وإحالتهم إلى القضاء، بل أيضاً في ضمان بقائهم أحياء وآمنين وقادرين على الدفاع عن أنفسهم والإدلاء بما لديهم من معلومات حتى انتهاء جميع الإجراءات القانونية. ولهذا تؤكد المنظمة بدورها وتطالب الجهات القضائية والرقابية والأمنية باتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر تجاه جميع الموقوفين المرتبطين بالقضية. وتشمل هذه المطالب توفير حماية خاصة لهم، ومراقبة أماكن الاحتجاز بصورة دقيقة، وضمان الفصل بينهم عند الضرورة، ومنع أي ظروف قد تسمح بوقوع حوادث مفتعلة وعراك داخل الزنارين يمكن أن تؤثر في مسار التحقيق أو تؤدي إلى ضياع حقائق قد تكون مهمة لكشف الصورة الكاملة.
فما زالت العدالة في العراق تترنح بين الحقيقة والانتقائية ويتمثل في ما إذا كانت القضية ستصل إلى جميع المتورطين المحتملين، إن وجدوا، أم أنها ستتوقف عند حدود معينة ؟ ففي كل مرة يفتح فيها ملف فساد كبير في العراق، تعود إلى الواجهة اتهامات قديمة تتحدث عن وجود “أكباش فداء” يتحملون المسؤولية وحدهم، في حين تبقى شخصيات أخرى بعيدة عن المساءلة. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الاتهامات، فإن استمرارها يعكس حاجة ملحة إلى تحقيقات شفافة ونزيهة وشاملة وقابلة للتدقيق من قبل الرأي العام، بما يعزز الثقة بالمؤسسات القضائية والرقابية ويؤكد أن معيار المحاسبة هو القانون فقط.
ولذا تدعو المنظمة بدورها وتؤكد على جميع الجهات الرقابية كافة والقضائية بان مصفى بيجي.. الملف الذي نطالب بإعادة فتحه بالكامل ومنذ مرحلة اليوم الأول ما بعد تحريره من تنظيم داعش وحتى اليوم. وتشمل هذه الدعوات مراجعة العقود، والإحالات، وأعمال التأهيل، والإنفاق المالي، وآليات التعاقد، والجهات المستفيدة، والقرارات الإدارية التي اتخذت خلال السنوات الماضية. ونرى بان هذا التوجه الغرض منه وقبل كل شيئ الوصول إلى الحقيقة الكاملة ويتطلب تتبع كل حلقة من حلقات القرار المالي والإداري، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الأحداث الحالية بمعزل عن سياقها التاريخي والمؤسسي.
فنجن في المنظمة ومعنا العراقيون الذين ينتظرون أن تكون حقيقية التحقيق في ملف مصفى بيجي بان لا يكون من خلال العدالة الانتقائية وأنما العدالة والقانون الذي يطبق على الجميع ومهما كانت قوتهم الحزبية ومراكزهم الحكومية ؟
ما ينتظره العراقيون اليوم ليس مجرد خبر جديد عن اعتقال مسؤول أو استجواب موظف أو إصدار مذكرة قبض إضافية.
ما ينتظره العراقيون هو معرفة الحقيقة كاملة.
من اتخذ القرارات؟
من وقع العقود؟
من استفاد من الأموال؟
من أشرف على التنفيذ؟
ومن يجب أن يتحمل المسؤولية القانونية إذا ثبت وقوع مخالفات أو جرائم فساد؟
هذه الأسئلة لا تزال معلقة بانتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية.
غير أن المؤكد هو أن ملف مصفى بيجي تجاوز منذ زمن طويل كونه مجرد قضية إدارية أو مالية، وأصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الوصول إلى الحقيقة كاملة، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها وفق القانون، وحماية جميع الأطراف المرتبطة بالتحقيقات، وضمان ألا تضيع الحقائق بين النفوذ السياسي والصراعات الخفية والضغوط المتشابكة. فإذا كانت هذه القضية بداية لكشف منظومة أوسع، فإن الرأي العام ينتظر أن تكون العدالة شاملة لا انتقائية، وأن تمتد التحقيقات إلى كل من يثبت تورطه مهما كان موقعه أو نفوذه، وأن تكون الحقيقة هي المنتصر الوحيد في نهاية المطاف. لان أخطر ما يمكن أن يواجه أي قضية فساد كبرى ليس حجم الأموال المهدورة أو عدد المتورطين المحتملين فيها، بل ضياع الحقيقة قبل أن تصل إلى قاعة المحكمة. فحين تتحول الشكوك والتسريبات والمخاوف إلى عنصر حاضر في المشهد العام، تصبح مسؤولية الجهات الرقابية والقضائية والأمنية مضاعفة في طمأنة الرأي العام وإثبات أن العدالة قادرة على حماية نفسها وحماية الشهود والموقوفين والمتهمين على حد سواء. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوات المطالبة بضمان سلامة جميع الأشخاص المرتبطين بالتحقيقات الجارية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها دفاعاً عن أفراد أو تبنياً لروايات غير مثبتة، بل باعتبارها مطالبة مشروعة بحماية مسار العدالة ومنع ضياع أي خيط يمكن أن يقود إلى كشف الحقيقة كاملة. فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الغموض، بل يحتاج إلى تحقيقات شفافة ومستقلة وقادرة على الوصول إلى جميع الوقائع دون استثناء. ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على قدرة مؤسسات الدولة على إدارة هذا الملف بحياد كامل، وضمان أن تكون الكلمة الأخيرة للأدلة والقانون فقط، لأن الحقيقة إذا وصلت إلى نهايتها الطبيعية أمام القضاء، فإنها ستكون المكسب الأكبر للدولة والمجتمع معاً، أما إذا ضاعت أو تعرضت للتشويه أو الإخفاء، فإن الخاسر لن يكون طرفاً واحداً، بل الثقة العامة بمنظومة العدالة بأكملها.