إيهاب مقبل
أصبحت ظاهرة المؤثرين الذين يوزعون سيارات ومبالغ مالية ضخمة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في عالم السوشيال ميديا، خصوصًا مع ظهور أسماء مثل التيكتوكر العراقي عبد الرحمن محمد، المعروف بـ”أبو جنة”، واليوتيوبر الأمريكي الشهير “MrBeast”. هذا النوع من المحتوى يطرح سؤالًا مباشرًا: هل يمكن فعلًا لمؤثر أن يوزع هذا الحجم من الأموال والسيارات بشكل مستمر؟ أم أن وراء ذلك نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا عما يراه الجمهور؟
التحول من نشاط بسيط إلى شخصية مؤثرة
بحسب ما يتم تداوله في الإعلام، بدأ أبو جنة مسيرته المهنية في مجال بسيط نسبيًا، كبائع أسماك أو صاحب مشروع صغير، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى شخصية مشهورة على منصات التواصل الاجتماعي. ومع زيادة عدد المتابعين وانتشار مقاطع الفيديو الخاصة به، بدأ يعتمد على أسلوب المحتوى التفاعلي الذي يقوم على المسابقات وتوزيع الجوائز، وهو أسلوب يحقق انتشارًا واسعًا على منصات مثل تيك توك لأنه يعتمد على عنصر المفاجأة والإثارة وجذب المشاهدات.
هذا التحول السريع من نشاط تقليدي إلى ظهور إعلامي واسع هو ما جعل الجمهور يتساءل عن حجم الدخل الحقيقي الذي يمكن أن يمول هذا النوع من الإنفاق، خصوصًا عندما تبدو قيمة الجوائز أكبر من المتوقع مقارنة بالصورة الأولى لنشاطه.
اقتصاد الجوائز في السوشيال ميديا
في عالم المؤثرين، لم يعد توزيع الجوائز مجرد “خسارة مالية” كما قد يبدو للجمهور، بل أصبح جزءًا من نموذج اقتصادي قائم على تحويل الانتباه إلى أرباح. فالمؤثر الذي يقدّم جوائز كبيرة يحصل غالبًا على مشاهدات ضخمة، وهذه المشاهدات تتحول إلى دخل من الإعلانات، بالإضافة إلى زيادة قيمة الرعايات والعقود التجارية.
بمعنى آخر، الجائزة ليست الهدف النهائي، بل وسيلة لجذب الجمهور وبناء قاعدة متابعة كبيرة يمكن استثمارها لاحقًا ماليًا. هذا النموذج يعتمد على فكرة بسيطة: كلما زاد الانتشار، زادت القيمة التجارية للمؤثر.
نموذج MrBeast: الإنفاق الضخم كأداة ربح
يُعتبر اليوتيوبر الأمريكي الشهير MrBeast المثال الأوضح عالميًا على هذا النموذج. فقد بنى شهرته على محتوى يعتمد على التحديات الضخمة والجوائز المالية الكبيرة والمشاريع الإنسانية واسعة النطاق، مثل بناء 100 منزل بملايين الدولارات في دول مختلفة، بينها جامايكا، ضمن مشاريع تهدف إلى توفير مساكن جاهزة لعائلات محتاجة.
في هذا النوع من المشاريع، لا يتم التعامل مع الإنفاق على أنه خسارة، بل كجزء من منظومة إنتاج ضخمة تهدف إلى تحقيق مشاهدات هائلة. هذه المشاهدات تولّد إيرادات كبيرة من إعلانات يوتيوب، إضافة إلى عقود رعاية مع شركات عالمية، ومشاريع تجارية مرتبطة بعلامته التجارية مثل المنتجات الغذائية والمنصات الرقمية.
بهذا الشكل، يصبح كل مشروع ضخم جزءًا من دورة اقتصادية متكاملة: يتم الإنفاق على المحتوى، ثم يتم تحقيق أرباح أكبر من الانتشار، ثم إعادة استثمار الأرباح في محتوى أكبر وأكثر تكلفة.
نموذج أبو جنة بين الاحتمالات الاقتصادية
عند تحليل نموذج أبو جنة، لا يمكن الجزم بمصدر واحد للأموال دون أدلة مالية رسمية، لكن توجد عدة احتمالات اقتصادية منطقية قد تفسر هذا النموذج. أحد أبرز هذه الاحتمالات هو أن الجوائز ليست مجرد “إنفاق استهلاكي”، بل جزء من استراتيجية تسويق متكاملة تهدف إلى جذب المشاهدات وزيادة الشهرة، وبالتالي رفع قيمة الإعلانات والرعايات.
في هذا النموذج، قد يقوم المؤثر بصرف مبالغ على الجوائز، لكنه في المقابل يحقق أرباحًا أكبر من خلال زيادة عدد المتابعين وارتفاع سعر الإعلان لديه. بمعنى آخر، تتحول الجوائز إلى أداة استثمار وليست خسارة مباشرة.
هناك احتمال آخر يتمثل في وجود مصادر دخل تجارية خارج السوشيال ميديا، مثل مشاريع أو علامات تجارية أو استثمارات خاصة، وهو أمر شائع لدى بعض المؤثرين الذين لا يعتمدون فقط على المنصات الرقمية، بل يستخدمونها كوسيلة لتعزيز أعمالهم الواقعية.
كما أن بعض الحالات تعتمد على الشراكات التجارية، حيث تقوم شركات أو جهات راعية بتوفير الجوائز مقابل ظهورها في المحتوى أو الحصول على دعاية مباشرة، وهو ما يقلل من التكلفة الفعلية على المؤثر نفسه.
لماذا يبدو هذا النموذج غير منطقي من الخارج؟
من منظور الجمهور، قد يبدو هذا النوع من المحتوى غير منطقي، لأن ما يُرى هو السيارات والمبالغ المالية والمشاريع الكبيرة فقط، بينما لا يظهر خلفه الجانب الاقتصادي الكامل. لكن الواقع أن الشهرة أصبحت أصلًا اقتصاديًا يمكن تحويله إلى أرباح عبر الإعلانات والرعايات والعلامات التجارية.
هذا الانفصال بين ما يظهر على الشاشة وما يحدث خلف الكواليس هو ما يجعل بعض الظواهر تبدو مبالغًا فيها أو غير قابلة للتفسير، رغم أنها قد تكون مبنية على حسابات اقتصادية دقيقة.
بين أبو جنة وMrBeast: هل النموذج واحد؟
عند مقارنة حالة أبو جنة مع نموذج MrBeast، يمكن القول إن الفكرة العامة متشابهة من حيث استخدام الجوائز الكبيرة لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار. لكن الاختلاف يكمن في مستوى التنظيم والبنية الاقتصادية والشفافية حول مصادر التمويل.
في بعض الحالات، قد تعتمد هذه الأنشطة على أرباح السوشيال ميديا أو مشاريع تجارية أو رعايات من شركات. وفي حالات أخرى، تكون جزءًا من استراتيجية تسويقية لإعادة استثمار الشهرة في تحقيق أرباح أكبر. وفي المقابل، عندما يظهر تضخم كبير وسريع في حجم الإنفاق مقارنة بالمصادر الظاهرة، فإن ذلك يفتح باب التساؤلات ويستدعي عادة التدقيق لمعرفة الصورة المالية الحقيقية.
الخلاصة
في النهاية، تعكس ظاهرة المؤثرين الذين يوزعون سيارات ومبالغ ضخمة تحولًا كبيرًا في اقتصاد السوشيال ميديا، حيث أصبحت الشهرة نفسها مصدر دخل يمكن استثماره وتحويله إلى أرباح كبيرة. ويُظهر نموذج MrBeast أن هذا النوع من المحتوى يمكن أن يكون مربحًا جدًا عندما يكون مدعومًا ببنية إنتاجية وإعلانية قوية ومنظمة.
أما في الحالات الأخرى، فإن غياب الشفافية الكاملة يجعل الجمهور يتساءل بشكل طبيعي عن مصادر التمويل، ويبقى الحكم النهائي مرتبطًا دائمًا بالبيانات المالية والتحقيقات الرسمية، وليس فقط بما يظهر على منصات التواصل الاجتماعي.
فيديو مرتبط بالموضوع
يمكن مشاهدة الفيديو الكامل الذي يناقش أحد أشهر أمثلة هذا النموذج، حيث قام اليوتيوبر الأمريكي الشهير MrBeast ببناء وتوزيع 100 منزل على عائلات محتاجة في عدة دول، بينها جامايكا، وذلك ضمن مشروع ضخم اعتمد على الإنتاج الإعلامي والرعايات والإعلانات لتمويله:
انتهى