لعنة الصيف والكهرباء : بقلم حسين شكران العقيلي

لعنة الصيف والكهرباء….. حين تتحول الخدمة إلى أزمة وجودية
​بقلم: حسين شكران العقيلي

​في كل عام، ومع أولى بشائر الصيف العراقي اللاهب، لا تستقبل الأرض حرارتها فحسب، بل تستقبل معها (اختباراً سنوياً) يتجدد بمرارة في بيوت العراقيين؛ إنه أزمة الكهرباء التي تحولت من مجرد نقص في الخدمة إلى ظاهرة اجتماعية معقدة تنهش استقرار المواطن وتستنزف موارده. إن المتأمل في هذا الملف يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة: كيف لبلد يمتلك من الثروات الطبيعية والموازنات المالية ما يكفي لبناء منظومات طاقة متطورة، أن يعجز عن توفير تيار مستقر في أكثر أوقات الحاجة إليه؟
​إن الحديث عن الكهرباء في العراق اليوم يتجاوز حدود الأعطال الفنية في المحطات أو تهالك شبكات النقل، ليدخل في دهاليز الإدارة المركزية وتضخم الميزانيات. فعندما تنفق الدولة تريليونات الدنانير سنوياً، يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: أين تذهب هذه الأموال؟
إن جزءاً كبيراً منها يتسرب في “ثقوب سوداء” إدارية، حيث تُصرف المبالغ على نفقات تشغيلية ورواتب هائلة، وعلى شراء وقود لمحطات تعاني من قدم التكنولوجيا، بينما يظل جوهر الإصلاح – المتمثل في تحديث البنية التحتية والاعتماد على الطاقات البديلة – حبيس الوعود المؤجلة.
​وما يزيد المشهد قتامة هو الأداء الإداري للمدراء العامين في مفاصل وزارة الكهرباء. لقد تحول الكثير من هؤلاء إلى مجرد “موظفي أزمات”؛ يظهرون في فترات الانطفاءات ليقدموا مبررات تقنية، غالباً ما تكون بعيدة عن الواقع، بينما تعاني دوائرهم من ضعف التنسيق الداخلي والبيروقراطية القاتلة. إن الفشل الذريع في إدارة هذا الملف لا يعود لنقص الكوادر الفنية الوطنية، بل لغياب الرؤية الاستراتيجية والمحاسبة الصارمة. ففي أي مؤسسة إدارية ناجحة، يُقاس نجاح المدير العام بقدرته على تجاوز الأزمات قبل وقوعها، لا بامتصاص غضب الناس بعد انقطاع التيار.
​لا يمكن عزل أزمة الكهرباء عن السياق الاجتماعي؛ فهي التي تفرض على الأسرة العراقية عبء المولدات الأهلية، التي صارت تشكل “اقتصاداً موازياً” يقتطع جزءاً من دخل المواطن المحدود. هذا العبء لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد للأثر البيئي والصحي الخطير، في ظل غياب المعايير الرقابية على انبعاثات المولدات المنتشرة وسط الأحياء السكنية. إننا أمام حالة من “الاعتياد القسري” على الفشل، حيث أصبح المواطن هو من يبحث عن بدائل لمؤسسات الدولة التي تُدفع لها أمواله.
​إن الخروج من هذا النفق لا يتطلب مجرد شراء توربينات جديدة أو بناء محطات أخرى تعاني من نفس سوء الإدارة، بل يتطلب (ثورة إدارية) حقيقية. إن الإصلاح يبدأ بفرض الشفافية الكاملة في عقود الطاقة، وإبعاد الملف عن التجاذبات والمحاصصة التي أفرغت الوزارة من كفاءاتها، والتحول الجاد نحو اللامركزية في التوزيع لتعزيز الرقابة المباشرة.
​إن الطاقة في عالمنا المعاصر ليست مجرد سلعة، بل هي عصب التنمية وكرامة الإنسان. وبقاء العراق رهين هذه الأزمة المزمنة رغم كل ما يمتلكه، هو برهان على أن الخلل ليس في الموارد، بل في الإرادة الإدارية والضمير المهني. آن الأوان لننتقل من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة (بناء الحلول) فالمواطن الذي صبر طويلاً يستحق أن يعيش في وطنه بكرامة، لا أن يقضي صيفه في صراع دائم مع حرارة الجو وانطفاءات الكهرباء.