قفل الروح

رياض سعد

قفل الروح

كان حميد جالسًا في غرفته الصغيرة , في الطابق العلوي من المنزل .. ,  تحيط به الكتب من كل جانب؛ فلسفة وتاريخ وأدب وعلم نفس.. ,  وكان غارقًا في قراءة كتاب عن معنى الحرية، حين دوّى طرقٌ عنيف على الباب.

ـ بابا!.. بابا!.. افتح الباب!

ابتسم حميد وهو ينهض ببطء.

ـ نعم يا حسوني، قادم يا حبيبي.

فتح الباب، فاندفع حسين إلى الداخل.. ,  كان وجهه الصغير مكفهرًّا على غير عادته، وعيناه تحملان تلك المرارة التي لا يعرفها إلا الأطفال حين تصطدم رغباتهم الأولى بجدار الواقع.

قال وهو يكاد يبكي:

ـ بابا، قلت لك أكثر من مرة إنني أريد جهاز ألعاب (  بلاي ستيشن ) .. ؛  كل أصدقائي يملكون واحدًا.. ,  أنت دائمًا تطلب مني أن أبقى في البيت وألا أخرج إلى الشارع، وألعب مع الأطفال المشاغبين ,  فلماذا لا تشتريه لي؟

ربت حميد على رأسه.

ـ يا روح أبيه، والله لو كان الأمر بيدي لفعلت.. ,  لكن المال الذي استلمته -الراتب التقاعدي – أمس يكفي بالكاد لمصاريف البيت.

رفع الصبي حاجبيه مستغربًا:

ـ ألسْتُ أنا من البيت؟

ارتجف شيءٌ في صدر حميد.

ـ بل أنت البيت كله يا بني.

لكن الكلمات لم تُقنع حسين.

استدار الصبي وغادر وهو يجرّ خيبته خلفه كظلٍّ طويل.

أغلق حميد الباب وعاد إلى كرسيه.. ,  إلا أن الكتاب بقي مفتوحًا دون أن يقرأ منه حرفًا واحدًا.

كان هناك بابٌ آخر قد انفتح داخله.

بابٌ قديم.

بابٌ يقود إلى طفلٍ نسيه الجميع.

حتى هو.

تذكر فجأة تمثيلية شاهدها في ثمانينيات القرن الماضي… ؛  كان بطلها طفلًا فقيرًا يقف خلف واجهات محلات الألعاب، يراقب الأطفال الآخرين وهم يضحكون، بينما يقف هو خارج الفرح كمتسوّلٍ على أبواب مدينةٍ لا يدخلها.

ثم كبر ذلك الطفل.

وصار رجلًا ناجحًا.

امتلك بيتًا وسيارةً فاخرة ومالًا وفيرًا.

لكن جرحه بقي صغيرًا كما هو.

وفي إحدى الليالي، أوقف سيارته أمام محل ألعاب.

كسر الباب.

دخل.

وأخذ عشرات الألعاب.

وحين جاءت الشرطة وجدت صندوق النقود ممتلئًا كما هو.

لم يسرق المال.

لقد سرق طفولته.

أو حاول أن يستعيدها متأخرًا.

ابتسم حميد بمرارة.

كان يومها قد استغرب القصة.

أما الآن فقد فهمها.

فبعض الفقراء لا يكبرون.

إنهم يغيّرون أحجام أجسادهم فقط.

وتذكر حديث زميله غسان.

اذ كان يروي بحزن وأسى ؛  كيف عاد جارهم الحاج عمر من الحج محمّلًا بالألعاب النادرة لأطفاله.

كانت ألعابًا لا يراها أطفال العراق آنذاك إلا في الأحلام.

ضحك الرجال يومها.

أما الأطفال فظلوا يتذكرونها سنوات طويلة.

فالأشياء الصغيرة التي ينساها الكبار تصبح عند الصغار أحداثًا مؤسسة للحياة.

أغمض حميد عينيه.

وغاص أعمق.

أعمق بكثير.

رأى نفسه طفلًا.

لم يكن يطلب الألعاب.

لم يكن يبكي.

لم يكن يحسد أحدًا علنًا.

بل كان يقف متعاليًا.

يقنع نفسه بأنه أكبر من اللعب.

وأذكى من الأطفال.

وأعمق منهم.

كان يحتقر رغباته كي لا يشعر بعجزه عن تحقيقها.

وكان يسمي الحرمان زهدًا.

ويسمي العجز حكمة.

ويسمي الخسارة استغناءً.

والحقيقة : لم يكن حميد ذلك الطفل المكتفي بذاته، المتعالي عن اللعب.. ,  لم يكن ينظر إلى أقرانه نظرة استصغار لأنه أسمى منهم، بل لأنه كان يخاف.. ,  كان يخاف أن يطلب من والده لعبة فيسمع “لا”، كان يخاف أن يواجه عجز والده، أن يرى في عينيه ذلك البريق المنكسر الذي يراه الآن في عيني نفسه حين ينظر في المرآة.. ,  فاختار الصمت.. ,  اختار التعالي.. ,  اختار أن يقفل باب الرغبة جملة وتفصيلاً، ظناً منه أن إنكار الاحتياج هو القوة بعينها... .

وحين كبر اكتشف أن النفس لا تنسى.

إنها تدفن فقط.

وما يُدفن في الطفولة يعود يومًا بثياب أخرى.

قد يعود خوفًا.

أو بخلًا.

أو قسوةً.

أو شعورًا غامضًا بالنقص لا يعرف الإنسان مصدره.

وفجأة أدرك حميد حقيقةً أربكته:

لم يكن حسين هو الذي يطلب جهاز الألعاب.

كان الطفل المختبئ داخله هو من يطلبه.

ذلك الطفل الذي ظل نصف قرن جالسًا في زاوية الروح ينتظر أن يلتفت إليه أحد.

نهض حميد من كرسيه.

نزل الدرج مسرعًا.

كانت زوجته ترتب أوراق الراتب التقاعدي .

مد يده وأخذ المبلغ.

نظرت إليه باستغراب.

ـ إلى أين؟

ابتسم للمرة الأولى منذ أيام.

ـ سأصطحب ولدي إلى السوق.

ـ ولدي حسوني؟

قال وهو يتجه نحو الباب:

ـ نعم…

حسين…

وطفلًا آخر تأخر كثيرًا في الحصول على لعبته.

ثم نادى بصوتٍ عالٍ:

ـ حسوني!.. تعال يا بطل… هيا بنا.

خرج الطفل راكضًا.

نعم , خرج حسوني مذهولاً، لم يصدق.. ,  لكنه رأى في عيني أبيه شيئاً مختلفاً، شيئاً يشبه الدموع التي لا تسيل. شيئاً يشبه الاعتراف.

في الطريق إلى المحل، كان حميد صامتاً، لكنه كان يتكلم لأول مرة مع ذلك الطفل الصغير الساكن في أعماقه.. ,  كان يقول له بصمت: “سامحني لأني خفت وكبت الرغبات ودفنت الطلبات والاحتياجات .. ,  سامحني لأني ظننت أن القوة في ألا أحتاج.. ؛  سامحني لأني عشت عمري كله أحاول ألا أكون… ابناً.”

عندها شعر أن أحد الأقفال القديمة في روحه قد انفتح أخيرًا.

وعندما عادا إلى البيت، والجهاز بين يدي حسين، لم يجلس حميد ليشاهد ابنه يلعب فقط… ؛ بل جلس ليلعب معه.. ,  أمسك بيده وحدة التحكم، ومضت ساعات لم يشعر بها، حتى التفت إليه ابنه وقال بدهشة: “بابا، أنت تلعب لأول مرة!”

عندها فقط، بكى حميد.

لم تكن دموعه على الجهاز، ولا على الطفولة الضائعة، بل على الحقيقة المرة: أنه قضى ستين عاماً ليصل إلى هذه اللحظة، ليعرف أن من يحرم نفسه من أن يكون طفلاً، لا يمكنه أن يكون رجلاً… ولا أباً… ولا إنساناً…!!

نام حسين تلك الليلة سعيداً بجهازه، لكنه نام وهو يشعر، لأول مرة، أن أباه قريب منه حقاً، ليس كأب فقط، بل كروح تلامس روحه، كإنسان تحرر أخيراً من سجنه.

أما حميد، فقد جلس في مكتبه بعد أن نام الجميع، وفتح دفتر مذكراته القديم، وكتب في صفحة جديدة:

“ليس أعظم سجون الإنسان ما يُبنى حوله، بل ما يبنيه داخل نفسه… ؛ والألعاب التي طلبتها اليوم لم تكن لحسين… ؛ بل لذاك الطفل الذي سكنني ستين عاماً دون أن ينطق.. ,  اليوم فقط… تكلم.”

ثم أغلق الدفتر، وأطفأ النور، وخلد إلى نوم عميق، عميق كأنه أول نومة لطفل وُلد للتو.