رياض سعد
في زاوية بعيدة عن النوافذ التي تفصل المقهى عن الشارع ؛ من مقهى شعبي في شارع المتنبي، كانت رائحة الكتب القديمة تتصارع مع دخان النرجيلة وعبق الهيل المطحون طازجًا بأقداح الشاي .. , المساء يرخي سدوله على بغداد، وظل النخيل يتمايل خلف النوافذ كأشباح متعبة.
التقى كاظم بصديقه القديم عمر بعد سنوات طويلة من التخرج … .
جلس كاظم وعمر وجهاً لوجه، تفصلهما طاولة خشبية محفورة بذكريات رواد المقهى.. ؛ كاظم، الأسمر القادم من عمق الأهوار، الذي ساقته الأقدار ليسكن في أزقة مدينة الصدر الشعبية.. ؛ وعمر، الأبيض ابن الأعظمية، الذي تربى بين فلل المنصور وأسوارها العالية، حيث للرفاهية رائحة مختلفة.
فرقت بينهما السنون بعد الجامعة، لكن شيئاً من ماضي الكلية ما زال يربطهما، خيطاً رفيعاً من الألفة والذكريات.
وصارا يستعيدان أسماء الأساتذة والرفاق، ويضحكان على مواقف ظنا أنها اندثرت مع الزمن.
ومع امتداد الجلسة، انتقل الحديث من الذكريات إلى شؤون الحياة، ثم إلى العلاقات العاطفية وتقلبات الرغبة الإنسانية.
“أتعلم يا كاظم؟” قال عمر وهو يحرك الملعقة في فنجان قهوته، “لقد تأثرت بموجة غريبة… موجة المثلية التي تجتاح العراق، بل والعالم كله.”
انتفض كاظم وكاد أن يحرق لسانه برشفة القهوة الساخنة: “أنت؟ عمر؟ زير النساء الذي لا يشبع من النساء ؟ عالم المثليين ليس عالمك يا رجل! من أغواك؟!”
تنهد عمر.. , نظر إلى سقف المقهى المعتق، ثم عاد ببصره إلى عيني صديقه.. , كان يعرف أن هذه القصة ستخرج، وكان يعرف أنها لن تخرج بسهولة.
“سرمد… اسمه سرمد.. , شاب في العشرين من عمره.. , يسكن على بعد ثلاثة كيلومترات فقط من بيتي.. , ثلاثة كيلومترات… ؛ مسافة لا شيء في مدينة مثل بغداد.”
وصف عمر كيف بدأت العلاقة بصداقة عابرة، تطورت إلى رسائل، ثم إلى مكالمات في منتصف الليل، ثم إلى صور.. ؛ صورٌ جعلت قلب عمر يخفق بعنف.. ؛ صورٌ لجسد شاب ممشوق، عارٍ تماماً.
“كان جسده…” توقف عمر وكأنه يستعيد الصورة أمام عينيه، “كان جسده أجمل من أجساد نساء كثيرات قابلتهن في حياتي… ؛ بشرة صافية، وعضلات مشدودة، وتقاطيع كأنها منحوتة.. ؛ هذا ما أغراني.. , هذا ما جعلني أضعف.. , وليس هذا فقط… ؛ كان الكثير من الشباب يخوضون هذه التجارب.. , فقلت في نفسي: لمَ لا؟”
في إحدى الليالي، تلقى عمر دعوة إلى العشاء في بيت سرمد.
كان البيت تحفة معمارية حديثة، تفوح منه روائح البخور والعود، والأثاث فخم كأنه من صفحات مجلات الديكور.. ؛ الإضاءة خافتة، والأريج يملأ الأرجاء.
جلسا على طاولة الطعام وجهاً لوجه.. , كان سرمد يتصرف بعذوبة أنثوية، يضع الطعام في طبق عمر بيديه، ويمسح فمه بالمنديل، وينظر إليه بنظرات امرأة عاشقة.. , كان يعامله كما تعامل الزوجة زوجها… كما تدلل الحبيبة عاشقها.
لكن عمر، رغم الإغراء، لم يكن مستعداً.. , أراد أن يفهم هذه العلاقة أولاً.. , أراد أن يتعرف على المكان.. , أراد أن يتريث.
نهض واقفاً بعد العشاء.. , شكر مضيفه.. , عيناه تتجنبان عيني سرمد.. , مشى نحو الباب وهو يشعر بنظرات سرمد تحرق ظهره، تلاحقه كما يلاحق الظمآن الماء في الصحراء.
ركب سيارته، أدار المحرك، وانطلق في شوارع بغداد الليلية.. , كان قلبه ينبض بعنف، وأفكاره مشوشة.
وما إن دخل بيته حتى رن هاتفه.. , رقم غريب.
“افتح الواتساب… مكالمة فيديو.”
الصوت كان أنثوياً، ناعماً، مخملياً.. , ضغط عمر على زر الفيديو بيد مرتجفة.
وما إن ظهرت الصورة على الشاشة حتى تجمد في مكانه.
وجهٌ كالبدر في ليلة اكتماله.. , عينان سوداوان واسعتان كأنهما بحيرتان في عمق الوديان .. , شعر أسود طويل ينسدل على كتفين عاجيتين.. , شفاه ممتلئة حمراء كأنها بتلات ورد جوري.. , كانت جميلة جمالا يفتن العين ويسلب اللب.
“من أنتِ؟” سأل عمر بصوت مبحوح.. , “وكيف حصلتِ على رقمي؟”
“أنا سهاد… زوجة صديقك سرمد.”
شعر عمر وكأن الأرض انشقت تحت قدميه.. , زوجة سرمد؟!
“ماذا تريدين مني؟”
ابتسمت سهاد ابتسامة بطيئة، ماكرة: “كنت أنظر إليك من خلف الشباك.. , طوال المساء كنت أراك… , وأنت جالس معه على طاولة الطعام.. , أنا معجبة بك يا عمر.. , معجبة جداً.. , أتمنى أن تكون حبيبي.”
تردد عمر.. , فكر ملياً.. , كان ضميره يصرخ: “لا تفعلها… هذه خيانة مضاعفة!” لكن شيئاً آخر كان يصرخ في داخله بصوت أعلى.. ؛ صوت الشهوة.. , صوت الرغبة.. , صوت الجسد الذي اشتعل فجأة.. , صوت حب المغامرة والتجربة والاستطلاع … .
“عمر… تعال الآن.. , فوراً.. ؛ سرمد خرج في مشوار ولن يعود قبل ثلاث ساعات.. , ثلاث ساعات كاملة… ؛ تكفي لكل شيء.”
قاد عمر سيارته بسرعة جنونية في شوارع بغداد.. , كان قلبه يخفق بعنف.. , يداه ترتجفان على المقود.. , كان خائفاً.. , كان حذراً.. , كان يشعر بأنه يسير نحو هاوية.
وصل إلى البيت.. , دخل.. , كانت سهاد في انتظاره عند الباب.. , في ثوب حريري أسود شفاف، يظهر من تحته جسدها المكتنز باللحم الطري.
“تعال…” قالت وهي تمسك بيده لتقوده إلى الداخل.
“إلى أين؟” سأل وهو يشعر بالعرق يتفصد من جبينه.
“إلى غرفة النوم.”
“لا!” قال عمر بحزم ارتجف في نهايته.. , “لا أستطيع.. , لنمارس الجنس هنا… في المطبخ.”
“لماذا يا عمر؟ لا يوجد أحد هنا.. , البيت خالٍ.”
“أريد أن أضاجعك هنا.. في المطبخ.”
كان هناك شيء في داخله يرفض أن تصل الخيانة إلى غرفة النوم.. , غرفة النوم مقدسة.. ؛ أما المطبخ… ؛ فربما كان الخطيئة فيه أقل وطأة... ؛ الاقرب للواقع انه كان خائفا متوجسا حذرا … .
ولم ينتظر جوابها.
انهال عليها تقبيلاً.. , شفتاه تلتهمان شفتيها.. , يداه تجولان على جسدها كمسافر تائه.. , صدرها، خصرها، فخذاها.. , كان يفرك كل منطقة، يعصر، يلمس، يشم.
ثم أدارها بخشونة.
أمسك بأردافها بكلتا يديه.. , كان يضرب عليها بكفيه المفتوحتين، وهي تهتز تحت ضرباته.. , أردافها كانت تتراقص، ترتج، ترتفع وتهبط كأنها أمواج في بحر هائج.. , كانت مكتنزة باللحم الطري، بيضاء كالقشطة، تهتز من شدة الرهز والضرب.
ثم رفع ثوبها من الخلف.
أدخل عضوه فيها وهي واقفة، تسند يديها على حافة (الكاونتر) .. , أحس بحضنه يمتلئ بدبرها المغري ، يضغط عليه بقوة، يدفع ويسحب.. , كانت أنفاسهما تعلو وتهبط معاً.. ؛ العرق يسيل من جبينه على ظهرها..؛ والملح يمتزج بالعطر.
“آه… آه… ادخله أعمق… ادخله أعمق!”
كانت سهاد تتأوه، جسدها يرتجف تحت ضرباته.. , استمر عمر في النكاح عشرين دقيقة كاملة، يدفع بقوة، يسحب ببطء، يعود فيندفع بعنف.. , كانت سهاد تكاد تسقط من شدة الحركة، من شدة الاضطراب، من شدة الرعشة التي هزت جسدها كله.
وعند لحظة الذروة، قذف عمر بغزارة، وهي أيضاً قذفت في اللحظة نفسها.. , اختلط منيهما على أفخاذها، يسيل بغزارة، يقطر على البلاط.. ؛ كان كأنه ميزاب يقطر ماء.
وقفا للحظة يلهثان.. , ثم ارتدى عمر بنطاله مسرعاً.. , رفع سحابه بأصابع مرتجفة.. , رمقها بنظرة أخيرة… ؛ وخرج من البيت كاللص.
ركض إلى سيارته.. , أدار المحرك.. , انطلق.
كانت الدنيا تدور به.
بعد ساعتين، رن هاتفه.. , كانت ساعة متأخرة من الليل.. , نظر إلى الشاشة: سرمد.
رفع السماعة بيد مرتجفة.. , كان يعرف أن شيئاً ما سينفجر.
“لماذا فعلت هذا بي يا عمر؟” صوت سرمد كان حزيناً، مبحوحاً، متحسراً.. ؛ “لماذا؟ عرضت نفسي عليك… توسلت إليك… وبدلاً من أن ترغب بي، تعود بعد ساعة لتمارس الجنس مع زوجتي؟ كيف فعلتها؟ كيف؟”
أحس عمر بأن العالم يدور.. , أمسك بالحائط ليسند نفسه.. , لم يمر بهذا الموقف طوال حياته.. , لم يجد كلمة واحدة تخرج من فمه.. , كان عاجزاً عن الكلام.
ثم تابع سرمد، وصوته يتغير، يصبح أكثر هدوءاً، أكثر غرابة: “يا عمر… أرجوك.. ؛ هذه المرة الأخيرة.. , أرجوك أن تصحح خطأك.. , تعال إلى بيتي.. , تعال ومارس الجنس معي ومع زوجتي.. , بكل حرية وأمان .. ؛ لا تخف.. كلانا نريدك. ؟!”
صمت عمر طويلاً.. , ثم قال بصوت مبحوح: “حسناً… سآتي.”
ركب سيارته للمرة الثالثة في تلك الليلة.. , كانت الشوارع خالية.. , بغداد نائمة.. , فقط مصابيح الشوارع تشهد على سيره المسرع.
ثم اكمل عمر حديثه مع كاظم قائلا : لم أكن أتصور أنني ذاهب إلى شخصين يعيشان علاقة مختلفة تمامًا عما اعتدنا فهمه.. , كان لكل منهما تصور خاص للحب والرغبة والحرية.. , أما أنا فكنت مجرد شخص تقوده الحيرة أكثر مما تقوده القناعة… الخ .
في البداية ظن عمر أن الأمر مجرد تجربة عابرة، وأنه قادر على مغادرتها متى شاء… ؛ لكن الأيام اللاحقة كشفت له أن الإنسان قد يستهين ببعض الخطوات الصغيرة، ثم يكتشف أنها تقوده إلى أماكن لم يكن يتخيل الوصول إليها.
وصل.. , دخل.. , كان سرمد وسهاد في انتظاره.
وفي غرفة النوم، على نفس السرير، حدث ما لم يتوقعه عمر في أسوأ كوابيسه أو أعذب أحلامه.
ضاجع عمر سرمداً وزوجته سهاداً معاً… ؛ على سرير واحد.. , تحت غطاء واحد.. , صار يتنقل بينهما، يركب هذه ويمسك بذلك.. , يقبل هذه ويضرب على أرداف ذاك...!!
صار ينكحهما طوال الليل… ؛ يدفع في هذا، ثم ينسحب ليدخل في تلك.. , الجسدان تحت جسده كآلتين موسيقيتين تعزفان ألحاناً مختلفة، وهو المايسترو الذي يتحكم في الإيقاع.
حتى أشرق الفجر البغدادي من خلف شبابيك المنصور، كان ما يزال يمارس الجنس معهما… ؛ ثلاثتهم غارقون في العرق، في الإفرازات، في الروائح الممزوجة بالعطر والمني والجنس.
شعر عمر بشعور غريب لم يشعره من قبل.. , شعر وكأنه هارون الرشيد في ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة.. , شعور عزز رجولته… ؛ بل فجرها.
صار يمعن في إذلال سرمد أمام زوجته.. ؛ يأمره فيمتثل.. , يأمرها فتمتثل.. , وسرمد كان يستمتع بهذا الدور.. , كان يتلوى تحت جسد عمر، يتوسل، يتأوه.. , وزوجته تنظر إليهما، وإلى عمر خصوصاً، كبطل أسطوري، كفحل لا مثيل له، كشاب رجولي فريد من نوعه.
خرج عمر من البيت مع شروق الشمس.. , جسده منهك.. , عيناه غائرتان.. , ساقاه بالكاد تحملانه.
دخل بيته فوجد زوجته وأطفاله نياماً.. , انهار على فراشه.. , نام نوماً عميقاً ثقيلاً.. , لم يستيقظ حتى غروب الشمس.
وفتح عينيه على رنين الهاتف.. ؛ سرمد.. , وبدون تفكير، وبدون إرادة، ركب سيارته وذهب إليهما مسرعاً.
وتكرر المشهد.
واستمر الحال أسبوعاً كاملاً.
سبع ليالٍ.. , في كل ليلة، كان عمر يضاجع سرمداً وسهاداً… ؛ صاروا يتبادلون الأدوار.. , صاروا يضحكون معاً أثناء الجنس.. , صارت لديهم حركات خاصة، أسرار لا يفهمها غيرهم.. , صاروا ثلاثتهم في عالم واحد.
وكان سرمد وسهاد يستقبلانه بترحاب بالغ، حتى بدا له أحيانًا وكأنه جزء من حياتهما اليومية... .
لكن جسد عمر بدأ ينهار.. , نحل جسده.. , خارت قواه.. , صار شاحباً كأن الدم قد نزف منه.
وبدأت زوجته تلاحظ.. , نظراتها صارت تثقب روحه.. , أسئلتها صارت أكثر إلحاحاً: “أين كنت الليلة الماضية؟ لماذا تعود مع الفجر؟ لماذا تبدو متعباً هكذا؟”
هنا، جلس عمر مع نفسه جلسة حساب طويلة.
أدرك أنه يقف على حافة الهاوية… ؛ أدرك أن بيته مهدد بالانهيار.. , أدرك أن مستقبل أطفاله في خطر.. , أدرك أنه لو استمر أسبوعاً آخر، فلن يستطيع الإقلاع أبداً.. , سيدمن.. ؛ سيتحول إلى عبد لهذه العلاقة الغريبة .
لكن هناك خوفاً آخر.. خوفاً أعمق.. , خوفاً دفيناً.
قال عمر:
أخطر ما في الأمر أن كل شيء كان يبدو طبيعيًا.. , لا صراخ، ولا نزاعات، ولا مشكلات ظاهرة.. , كنت أظن أنني أسيطر على الوضع، لكنني كنت في الحقيقة أفقد السيطرة شيئًا فشيئًا.
سأله كاظم:
وكيف عرفت ذلك؟
أجاب:
حين بدأت أشعر بأنني مشتت داخل بيتي.
أطرق برأسه قليلًا ثم أكمل:
كنت أعود إلى زوجتي وأطفالي، فأشعر أن جزءًا من ذهني ما زال هناك.. , أدركت يومها أن المشكلة لم تعد في الفعل نفسه، بل في الأثر الذي يتركه داخلي.
في تلك الليلة، حظر رقمي سرمد وسهاد.. , حذف حسابه على الفيسبوك.. , قطع كل صلة بهما.
وفي مقهى شارع المتنبي، بعد أن أنهى عمر قصته، نظر إلى عيني كاظم.. ؛ كان صديقه صامتاً، يدخن سيجارته بعمق.
“ما الذي دعاك إلى هجر العلاقة حقاً؟” سأل كاظم أخيراً.
“خفت يا كاظم… خفت أن أدمن عليهما فلا أستطيع فراقهما… ؛ خفت أن يتهدم بيتي.. , خفت أن تتدمر حياة عائلتي.”
“لهذا فقط تركتهما؟” سأل كاظم وهو ينظر إليه بنظرة ثاقبة.. “أم أن هنالك سبباً آخر؟”
سكت عمر طويلاً.. , ثم قال بصوت خافت: “بلى يا كاظم… هناك سبب آخر.. ؛ خفت على نفسي.. , خفت أن يبتليني الله بما ابتلى به سرمد … ؛ مجرد التفكير في هذا الأمر… ؛ يثير غضبي وأسفي واستهجاني.”
فهم كاظم.
ثم ضحك كاظم ضحكة عالية، كانت المرارة والمزاح يمتزجان فيها: “ليتك استمريت بهذا الدور يا عمر… حتى تسمح لي فيما بعد بمضاجعة زوجتك أمام عينيك!”
كانت بينهما “ميانة” في المزاح الفاحش، ألفاظ لا يقدر عليها إلا أبناء بغداد.
“اسكت أيها الوغد الكلب!” صاح عمر وقد احمر وجهه… ؛ “نجوم السماء أقرب إليك مما تتفوه به! أنكحك أنت! بل أنكح العشرات مثلك أيها الحقير!”
ضحك كاظم وهو يضرب على الطاولة بيده: “الحمد لله أني زير نساء.. ؛ الحمد لله أني لا شأن لي بعالم المثلية ونكاح الرجال… ؛ أيها القرام.”
“لست قراماً!” قال عمر بحدة.. , “ولست مولعاً بنكاح الشباب.. , مجرد تجربة… وقد أقلعت عنها.. , وإلى الأبد.”
نهضا من الطاولة.. , كان الليل قد أرخى سدوله على شارع المتنبي.. , باعة الكتب طووا بسطاتهم.. , المقاهي أطفأت فوانيسها.
تبادلا الأرقام. تصافحا بقوة.
“انتبه على نفسك يا عمر”، قال كاظم وهو يربت على كتفه.
“وأنت… لا تقترب من زوجتي!” رد عمر بابتسامة مرهقة.
انفجر كلاهما ضاحكين.
قال كاظم ممازحًا:
على الأقل خرجت من القصة سالمًا.
ضحك عمر وقال:
لا أحد يخرج من مثل هذه القصص سالمًا تمامًا.. , نحن نحمل معنا دائمًا شيئًا منها؛ ذكرى، أو ندبة، أو درسًا لا يُنسى.
افترقا.
ثم مشى كل منهما في طريقه.. , كاظم إلى شرق بغداد، حيث أزقة الصدر الضيقة ورائحة الشاي الثقيل.. , وعمر إلى غربها، حيث فلل المنصور وهدوء الليل الراقي.
وبين الجهة الشرقية للعاصمة وغربها والغرب، كانت بغداد تحتضن أسرارها، كما تحتضن دجلة مياهها، وكما يحرس القمر سماءها.
أسرار تدفن في الصدور.. , وأسرار تنسج على ألسنة المقاهي.. , وأسرار تموت… أو تولد من جديد.
بينما بقيت في ذهن عمر حقيقة واحدة:
أن بعض التجارب لا تغيّر حياتنا لأنها جميلة أو قبيحة، بل لأنها تكشف لنا وجوهًا من أنفسنا لم نكن نعرف أنها موجودة أصلًا.
ويبقى السؤال معلقًا في الهواء:
هل كان الإنسان حرًا في اختياراته حقًا، أم أن بعض الطرق تبدأ بفضول صغير أو دوافع غامضة وتنتهي بمصير لم يكن يتوقعه أحد ؟