رياض سعد
ليست مأساة العراق في قلة موارده، ولا في ضعف شعبه، ولا في افتقاره إلى الكفاءات… ؛ فهذه الأرض التي أنجبت أولى الحضارات، وقدمت عبر تاريخها الطويل علماء ومفكرين وقادة ورجال دولة، لم تكن يومًا عاجزة عن إنتاج الرجال… ؛ إنما تكمن المأساة في ظاهرة رافقت الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها، وتجلت بأشكال مختلفة عبر الأنظمة المتعاقبة، وهي *أزمة القيادة*؛ أزمة النخب التي تصدرت المشهد السياسي والديني والاجتماعي ، لكنها أخفقت في بناء دولة عادلة ومستقلة، وقدمت مصالحها الخاصة أو ارتباطاتها الخارجية على المصلحة الوطنية.
إن الدول لا تسقط عادة بسبب قوة خصومها وحدها، وإنما تسقط عندما تصبح قياداتها عاجزة عن قراءة الواقع، أو أسيرة للأوهام، أو رهينة لإرادات واجندات خارجية… ؛ وحين تفقد القيادة استقلال قرارها، تتحول الدولة من فاعل يصنع الأحداث إلى ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية.
لقد عرف العراق، منذ قيام الدولة الحديثة عام 1921، أنماطًا متعددة من الحكم؛ ملكية وجمهورية، عسكرية ومدنية، قومية وحزبية، ثم نظامًا سياسيًا تعدديًا بعد عام 2003… ؛ وعلى الرغم من اختلاف الشعارات والأيديولوجيات، فإن قاسمًا مشتركًا ظل يتكرر في معظم هذه المراحل، وهو غياب المشروع الوطني الجامع، وضعف المؤسسات، وتغليب الولاءات الضيقة على مفهوم الدولة.
وقد دفعت الأغلبية العراقية، ولا سيما أبناء الوسط والجنوب، أثمانًا باهظة في مختلف المراحل التاريخية؛ فمنهم من تعرض للإقصاء والتهميش والاعتقال والإعدام في عهود سابقة، ومنهم من تحمل عبء الحروب والحصار والإرهاب بعد ذلك… ؛ وكانت هذه الأغلبية تتطلع، بعد كل تحول سياسي، إلى أن تجد قيادات تنصفها، وتحمي حقوقها، وتبني دولة المواطنة والعدالة، لكنها كثيرًا ما اصطدمت بواقع مختلف.
فبدل أن تتحول التضحيات إلى مشروع لبناء الدولة، تحولت السياسة إلى صراع على السلطة، وتحول كثير من القادة إلى ممثلين لأحزابهم أو لمصالحهم أو لمحاور إقليمية، أكثر من كونهم ممثلين للعراق.
ولا يمكن إنكار أن التدخلات الخارجية لعبت دورًا كبيرًا في تعقيد المشهد العراقي، لكن تلك التدخلات ما كانت لتبلغ هذا المستوى لولا وجود نخب سياسية ودينية واجتماعية وعشائرية فتحت لها الأبواب، وربطت مستقبلها السياسي بدعم الخارج، حتى غدا الولاء الوطني، في بعض الأحيان، متأخرًا عن الولاءات الحزبية أو المذهبية أو الإقليمية.
والقيادة التي تستمد قوتها من الخارج أكثر مما تستمدها من شعبها، لا تستطيع أن تبني دولة مستقلة، لأن استقلال القرار يبدأ من استقلال الإرادة.
ومن أخطر مظاهر الأزمة أن جزءًا من النخبة الدينية والسياسية التي تصدت لتمثيل الأغلبية العراقية لم تنجح في بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل مع جمهورها… ؛ ففي مناسبات مختلفة، تداول العراقيون تصريحات ومواقف منسوبة إلى شخصيات عامة حملت قدرًا من الاستخفاف بشرائح اجتماعية واسعة، أو اختزلت الجماهير في كونها أدوات انتخابية يمكن تحريكها بالعاطفة الدينية أو بالشعارات، بدل مخاطبتها بوصفها مواطنين يمتلكون الوعي والحق في المحاسبة والاختيار.
إن مثل هذا الخطاب لا يسيء إلى الجمهور فحسب، بل يكشف أيضًا عن أزمة في مفهوم القيادة نفسها… ؛ فالقائد الحقيقي لا يرى في الناس وسيلة للوصول إلى السلطة، بل يرى في السلطة وسيلة لخدمة الناس.
وإذا كان الدين يمثل عند العراقيين مصدرًا للأخلاق والعدل والإصلاح، فإن الزج به في الصراعات الحزبية أضر بالدين والسياسة معًا… ؛ فحين يتحول المنبر إلى أداة للدعاية السياسية، أو يصبح رجل الدين طرفًا في الخصومات الحزبية، تتراجع مكانة الخطاب الديني الجامعة، وتتآكل ثقة الناس بالمؤسسات الدينية والسياسية على حد سواء.
لقد كان أبناء الأغلبية العراقية في مقدمة من واجه الإرهاب، وقدموا تضحيات جسيمة دفاعًا عن العراق بكل مكوناته، وأسهموا في حماية الدولة عندما تعرضت لخطر الانهيار… ؛ وكان المنتظر أن تقابل هذه التضحيات بإصلاح مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، وترسيخ العدالة، وبناء اقتصاد منتج، وتعزيز مكانة العراق الإقليمية والدولية… ؛ لكن الحصيلة جاءت أقل بكثير من حجم التضحيات، لأن الفساد ظل يتمدد، والخدمات بقيت متعثرة، والبطالة اتسعت، والهجرة استمرت، فيما انشغلت القوى السياسية بصراعاتها الداخلية.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله القيادة الفاشلة أنها تنقل مسؤولية إخفاقها إلى الشعب… ؛ فبدل أن تراجع سياساتها، تلقي باللوم على المواطنين، وتتهمهم بالجهل أو السلبية أو عدم الوعي، وكأن الشعوب هي التي تدير الدولة، لا الحكومات والنخب التي تمتلك القرار والإمكانات.
والحقيقة أن الشعوب قد تخطئ في اختيارها، لكنها لا تتحمل مسؤولية استمرار الخطأ بقدر ما يتحملها من يملك السلطة ويحتكر القرار.
إن إنصاف الأغلبية العراقية لا يعني منحها امتيازات على حساب بقية المكونات، فالعراق لا يبنى بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بمنطق المواطنة المتساوية… ؛ غير أن العدالة تقتضي الاعتراف بأن هذه الأغلبية قدمت تضحيات استثنائية، ومن حقها أن تجد قيادات تعبر عنها بصدق، وتحمي مصالحها، وتصون كرامتها، بعيدًا عن التبعية للخارج أو الارتهان للمحاصصة.
إن العراق اليوم أحوج ما يكون إلى إعادة تعريف معنى القيادة… ؛ فالقيادة ليست منصبًا، ولا لقبًا، ولا جماهير تهتف، ولا وسائل إعلام تمجد، وإنما هي مسؤولية أخلاقية ووطنية، تبدأ بالصدق مع الشعب، وتنتهي بالاستعداد لتحمل تبعات القرار.
وحين يمتلك العراق قيادات تجعل بغداد مرجعيتها الأولى، والدستور إطارها، والمصلحة الوطنية بوصلتها، سيكتشف العراقيون أن مشكلتهم لم تكن يومًا في الشعب، بل فيمن تصدى لقيادته… ؛ فالشعوب قد تتعثر، لكنها تنهض عندما تجد قيادة تمتلك الكفاءة، والاستقلال، والشجاعة، والنزاهة، والإيمان الحقيقي بأن العراق أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأسمى من كل الولاءات العابرة للحدود.