رياض سعد
نشأ عباس في بلاد الرافدين، تلك الأرض التي علمت البشرية الكتابة بالقلم والقراءة.. ؛ فمنذ نعومة أظفاره، تعلق قلبُه بتصفح المجلات وقراءة الصحف والإعلانات، أغلفة الدفاتر، وحتى الأوراق المتطايرة في الأزقة… ؛ كانت الكلمات بالنسبة إليه كائنات حيّة، تهمس له بأسرارها كلما اقترب منها.
حتى اشتدّ عوده في الصف الخامس الابتدائي.. ؛ وهنا بلغ مرحلة مفصليّة في حياته، فقد أولته الأستاذة ساجدة رعاية خاصة دون أترابه، لكونه أكثرهم نجاحاً في كتابة الإنشاء.
فقد انتبهت إليه المعلمة ساجدة… ؛ اذ رأت في دفاتر الإنشاء ما لم تره في دفاتر الآخرين؛ طفلاً يكتب كأنه يتذكر شيئاً نسيه العالم.
فكانت تأتيه بين الحين والآخر بمجلة “المزمار” أو “مجَلتي”، اللتين كانتا تصدران في العراق في عقد الثمانينات من القرن المنصرم.. , ثم تطور الأمر، فأخذت تحضر له الكتيّبات الصغيرة.. , وما إن اجتاز الصف السادس الابتدائي حتى أتقن القراءة إتقاناً فائقاً.
ولم تحط قدماه أرض المدرسة المتوسطة حتى أبصرته عينا الأستاذ شاكر، مدرّس اللغة العربية.. , فقد اهتم به اهتماماً خاصاً نظراً لتميزه في الإنشاء وإتقانه اللغة العربية.. ؛ كان الأستاذ شاكر يرعاه ويقدم له النصائح حول قراءة الكتب، ويجلب له بعضها، ثم نصحه في الأيام التالية بالذهاب إلى المكتبة العامة في المدينة.
ذهب عباس إلى المكتبة العامة، فوجدها تعجّ بالشباب المستعدين للامتحانات النهائية … ؛ إلا أن المكان، رغم نظافته وسعته، كان يضيق الخناق على الأحرار والوطنيين … ؛ فالرفاق البعثيون القساة وجواسيس الأمن في كل مكان، يراقبون الداخل والخارج، ويعدّون أنفاس القراء، ويركزون على عناوين الكتب الموجودة أصلاً في هذه المكتبة الحكومية!
وبينما كان يتجول بين الرفوف، رأى رجلاً غليظ الملامح يراقب القراء … ؛ شعر عباس يومها أن الكتب نفسها كانت خائفة …!!
لم ترُق لعباس أجواء المكتبة الخانقة، لا سيما بعدما شاهد أحد الرفاق البعثيين، وكان ضخم الجثة، مفتول الشوارب، قاسي الملامح، صلف النظرات، يصرخ بوجه شابين كانا يتحدثان همساً، آمراً إياهما بالصمت… ؛ وبينما هم بالخروج، اقترب من شابين يتحدثان، إذ قال أحدهما للآخر: “أمران لا تقترب منهما وأنت تبني مستقبلك: النساء والسياسة”.
خرج عباس، ولم تطأ قدماه أرض المكتبة العامة إلا بعد ثلاثة عشر عاماً، حين سقط النظام البعثي عام 2003… ؛ إذ تحولت المكتبة تحولاً جذرياً، فقد امتلأت بالكتب الممنوعة والحقيقية .
نعم , حين عاد إليها، وجد الرفوف قد امتلأت بكتب كانت بالأمس محرمة، وأسماء كان مجرد ذكرها يثير الشبهات.
لكن شيئاً آخر كان قد تغير داخله.
ففي تلك السنوات العجاف ، صار يتردد على المساجد، ويقرأ الكتب الدينية بنهم العطشان… , كان يظن أن الحقيقة واحدة، وأنه يقترب منها مع كل صفحة يطويها.
كان عباس يتردد على الحسينيات ويلتقي بشباب أكبر منه سناً، وقدموا له الكتب الدينية يقرؤها ثم يعيدها إليهم… ؛ حتى نشأ ملتزماً دينياً، لا يعرف من الحياة شيئاً سوى قراءة الكتب الدينية والنقاشات الحادة.
مرت الأيام وانتقل عباس إلى المرحلة الإعدادية، وتعرف على خالد ذي الجذور الشيوعية.
قال خالد: “لماذا لا تخرج من سردابك الديني يا عباس؟”
قال عباس: “ولماذا يا خالد؟”
قال خالد: “لكي تشاهد العالم برؤية أوسع وتفكر لمديات بعيدة.”
قال عباس: “وكيف ذلك؟”
قال خالد: “تعال اليوم إلى بيتنا مساءً لأعيرك بعض الكتب الفلسفية.”
جاء المساء، وذهب عباس بلهفة العاشق الولهان… ؛ فلما دخل إلى خالد في غرفته، وجده يشاهد فيلماً رومانسياً فيه بعض المشاهد الخادشة للحياء… ؛ جلس عباس كأنه على جمر، من تأنيب الضمير.
وفي هذه الأثناء، دخل الحاج مزاحم والد خالد، وبيده سبحة حسينية، ولسانه يردد: “أستغفر الله ربي وأتوب إليه”… ؛ سلّم عليهما، وما إن رأى الفيلم حتى قال بصوت هادئ لكنه مليء بمشاعر العتاب: “هذا شأنكما؟ هكذا تقضيان أوقاتكما؟”
ثم خرج مسرعاً ولم ينبس ببنت شفة، مما زاد من الصراع الداخلي في شخصية عباس، تلك الشخصية الأقرب إلى الحاج مزاحم.
أخذ الكتب الفلسفية العشرة ومضى عباس.
ما إن قرأها حتى زلزلته زلزالاً عظيماً… ؛ فقد راودته الشكوك في كل المسلمات الدينية وغيرها… ؛ ثم توطدت علاقته بخالد، وبعد أشهر تأثر بالفلسفة الماركسية، ثم تأثر بالفلسفة الغربية لا سيما الألمانية ، وصار يؤمن بفلسفة القوة.
كانت تحدث بين عباس وعمه الكثير من المشاكل العائلية بسبب علاقة عمه صادق السيئة بوالده حسين، وقد انعكست هذه العلاقة السلبية على حياة عباس… ؛ وكان عباس يجنح للسلم والعفو والصفح رغم اعتداءات عمه وتجاوزاته… ؛ لكنه بعد الإيمان بفلسفة القوة… ؛ جاء في أحد الأيام والغضب يملأ داخله، والشرر يتطاير من عينيه، يحمل طبراً حاداً بيده، وهجم على عمه هجوماً مباغتاً كاد أن يؤدي بحياته لولا تدخل بعض الأقارب والجيران… ؛ ولما شعر عباس بأن عمه قد أفلت من قبضته، هرول إلى سيارة عمه وحطم زجاجها… ؛ ومنذ ذلك الوقت، التزم عم عباس الصمت، ولم يتشاجر مع عباس أو أبيه قط.
لم يكن يريد قتله بقدر ما كان يريد قتل ذلك الضعف القديم الذي عاش فيه طويلاً.
نجا العم.
لكن عباس لم ينجُ.
فقد اكتشف لأول مرة أن الأفكار لا تسكن الكتب فقط، بل يمكن أن تتحول إلى أيدٍ تضرب، وعيون تشتعل، وقلوب تحترق.
بعد أفول الدراسة الإعدادية، صار عباس يقسم وقته بين العمل والعلم والثقافة… ؛ يكدح طوال النهار، وقد يحرم نفسه من أبسط الأمور ليوفر المال من أجل شراء الكتب… ؛ وبمرور الأيام وانصرام السنين، اقتنى عباس مكتبة تضم عشرة آلاف كتاب بملايين الدنانير.
كانت الجدران تضيق بالرفوف، بينما كانت روحه تتسع بأسئلة لا تنتهي.
قرأ التاريخ والفلسفة والدين وعلم النفس والرواية والسياسة.
قرأ حتى صار الناس يلقبونه بالمكتبة المتنقلة.
لكن العالم حوله كان يتغير في اتجاه آخر.
تعرف على الكثير من الأساتذة والكتّاب والقراء والمثقفين، حتى راهن أحد أصدقائه يوماً أيهما يقرأ أكثر… ؛ إذ قام عباس بقراءة مجلدين كاملين في يوم واحد، بينما قرأ صديقه جاسم كتاباً يضم ستمائة صفحة في يوم واحد.
ثم دارت الأيام، وتحسنت الأوضاع المعيشية لأبناء الأمة والاغلبية العراقية، وتحول الناس من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش… ؛ فما إن سقط النظام البعثي عام 2003 حتى دخلت العراق الرساميل العملاقة والأموال الطائلة، بالطرق المشروعة والقذرة على حد سواء.
ازدادت الأموال.
كبرت الأسواق.
امتلأت المطاعم والمقاهي.
ارتفعت الشهادات الأكاديمية.
غير أن الكتب كانت تختفي بهدوء.
كان يرى الشباب يحملون أحدث الهواتف، لكنه نادراً ما يرى أحدهم يحمل كتاباً.
ويرى الساعات الطويلة تُهدر في متابعة التفاهات، بينما تعجز العقول عن تخصيص دقائق قليلة لقراءة فكرة جديدة.
وما آلمه أكثر أن الأمية لم تعد أمية الحروف.
بل صارت أمية الفكر.
كثيرون يعرفون كيف يكتبون، لكنهم لا يعرفون كيف يفكرون.
وكثيرون يتحدثون طوال الوقت، لكنهم لا يملكون شيئاً يقولونه.
أما هو، فبقي وفياً لعادته القديمة.
وحين بدأت عيناه تخونانه، لجأ إلى الكتب المسموعة.
استبدل إرهاق البصر بإرهاق السمع.
وظل يقرأ… بطريقة أخرى.
وفي إحدى الليالي، بعد ساعات طويلة من الاستماع إلى كتاب فلسفي، خلع سماعاته ونظر إلى مكتبته.
عشرة آلاف كتاب تحيط به من كل جانب.
عشرة آلاف صوت.
عشرة آلاف حياة.
وعشرة آلاف سؤال.
ساد الصمت.
شعر فجأة بغربة لم يعرفها من قبل.
وسأل نفسه:
ماذا لو كنت مخطئاً؟
ماذا لو كان هؤلاء جميعاً على حق؟
ماذا لو كانت الحياة أبسط من كل هذه الكتب؟
نهض ببطء.
اقترب من النافذة.
نظر إلى الشارع.
كان الناس يضحكون، يتسامرون، يتنزهون، يلتقطون الصور، ويعيشون أيامهم بلا حاجة إلى مكتبات ضخمة أو أسئلة معقدة.
أما هو، فكان محاصراً بين آلاف المؤلفين الأموات.
ظل واقفاً طويلاً.
ثم التفت نحو رفوفه الممتدة كغابة من الورق.
ابتسم ابتسامة شاحبة، وقال:
ربما كنتُ آخر القراء…
ثم صمت قليلاً وأضاف:
أو ربما كنتُ آخر من ظنَّ أن الكتب وحدها تكفي لفهم الحياة.
وأطفأ المصباح.
فغرقت المكتبة في الظلام.
لكن آلاف العيون الورقية بقيت مفتوحة.
في هذه المعمعة، بقي عباس أميناً لإلهه الأول: الكتاب.
كان يقف كل ليلة أمام عشرة آلاف كتاب، فيشعر أنه الرجل الأعور في مدينة العميان، أو ربما المبصر الوحيد في غرفة مظلمة… , ماتت الحكايات، وانزوت العزلة… , لم يعد ثمة من يقرأ.. , كان عباس هو القارئ الأخير، يحرس شعلةً صغيرة في مهبّ ريحٍ عاتية، متسائلاً إن كان الضوء للناس أم عليه.