شروط قبول العمل في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

يشترط لقبول العمل في القرآن الكريم شرطان أساسيان لا غنى عنهما: الإخلاص (أن يكون العمل لله وحده) والمتابعة (أن يكون موافقاً لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد رُبط قبولهما بصلاح النية. شروط قبول العمل في القرآن الكريم: الإخلاص (ابتغاء وجه الله) يجب أن يكون القصد من العمل هو التقرب إلى الله تعالى وحده وطلب رضاه والدار الآخرة، وتنزيه العمل عن الشرك أو الرياء أو طلب ثناء الناس.الدليل من القرآن قوله تعالى “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ” (البينة 5).العمل الصالح (موافقة الشرع) أن يكون العمل مشروعاً في ذاته، وصواباً في كيفيته وهيئته، وموافقاً للسنة النبوية الصحيحة التي تبين كيف يُعبد الله.الدليل من القرآن قوله تعالى “فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا” (الكهف 110). الإيمان والتوحيدالأعمال الصالحة لا تُقبل من الكافر أو المشرك، فالإيمان هو الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال لتُقبل عند الله. الدليل من القرآن قوله تعالى “وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (المائدة 5).النية الصادقة واليقين: العمل مرتبط بصدق الإرادة والتوجه؛ فالله لا ينظر إلى الصور والأشكال الظاهرة فقط، بل ينظر إلى القلوب ومقاصدها. الدليل من القرآن قوله تعالى “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (الملك 2)، وقد فسرها العلماء بأن “أحسن عمل” هو أخلصه وأصوبه.

شروط قبول العمل الصالح في القرآن الكريم عند الإمامية ترتكز على أصول أساسية لا يُقبل العمل بدونها، وتتمثل في ثلاثة شروط رئيسية، وهي:الإيمان والولاية (الشرط الأساسي): الاعتقاد بالله ورسوله، والإقرار بولاية أهل البيت عليهم السلام.الإخلاص (قصد القربة): أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته دون رياء أو سمعة.التقوى: أن يصدر العمل من قلب تقي ومؤمن.يُستدل على هذه الشروط من عدة آيات قرآنية، منها:الإيمان والإخلاص: قال تعالى: “فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا” (الكهف 110).الولاية والعمل الصالح: بيّنت مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن العمل لا يُرفع إلى الله دون الإيمان والولاية، استناداً لقوله تعالى: “وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى” (طه 82).التقوى: وهي شرط صريح لقبول العمل في قوله تعالى: “إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ” (المائدة 27).

عن شبكة المعارف الاسلامية الثقافية ما هي الطرق لقبُول الأعمال؟ لا يوجد دين أو معتقد أولى العلم والمعرفة اهتماماً كبيراً كما فعل الإسلام. فبالرّجوع إلى القرآن الكريم نجد سوَرَهُ مشحونةً بالآيات التي تبيّن أهمّيّة العلم، والّتي تدعو إلى التفكّر والتعقّل، وعدم الانجرار وراء التّقليد الأعمى الذي يوصل الإنسان إلى الهلاك. العلم شرط لقبول الأعمال: لا يوجد دين أو معتقد أولى العلم والمعرفة اهتماماً كبيراً كما فعل الإسلام. فبالرّجوع إلى القرآن الكريم نجد سوَرَهُ مشحونةً بالآيات التي تبيّن أهمّيّة العلم، والّتي تدعو إلى التفكّر والتعقّل، وعدم الانجرار وراء التّقليد الأعمى الذي يوصل الإنسان إلى الهلاك. فمثلاً تأمّل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون” (الزمر 9)، وفي قوله تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا” (الحج 46) ، وقوله تعالى: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم” (العلق 1-5). وبالرّجوع إلى الرّوايات يكفيك قول الرّسول الأكرم: “طلب العلم فريضة على كلّ مسلم. ألا إنّ الله يحبّ بغاة العلم”. وأهمّ الأسباب التي تجعل الإسلام يولي العلم هذا الاهتمام ويرفعه الى هذا المقام ارتباط العلم الوثيق بالإيمان. فالإيمان يُعتبر ثمرة من ثمرات العلم والمعرفة، ولذلك ورد عن رسول الله: “أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة”. والسّؤال الذي يُطرح هنا: أيّ علم له هذه العلاقة الوثيقة بالإيمان؟ قال الإمام الكاظم: “قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود”. والجواب: العلم بدين الله وبشريعته وأحكامه، وقبل ذلك العلم بالله وبصفاته وبرسوله وبالأوصياء من بعده والعلم بالمعاد والآخرة. هذا العلم هو الذي يمهّد الطريق نحو الاطمئنان والإيمان القلبي. ومن هنا يجب أن يعي المكلّف أنّ التّقصير في تعلّم أحكام الدّين كأحكام الصّلاة والصّوم والزّكاة يستلزم نقصان الإيمان، لأنّ عدم ضبط هذه الأحكام يعني أداء صلاة ناقصة أو غير صحيحة، وكذا الحال في الصّيام وباقي فروع الدّين. ومن المعلوم أنّ الصّلاة والصّيام والزّكاة هي من أوائل ما يُسأل عنه الإنسان عند وضعه في قبره. ومن هنا نعلم كيف أنّ العلم طريق لقبول العمل. فالذي يعلم يستطيع أن يعمل ويؤدّي واجباته بشكل صحيح، وبالتالي تكون أعماله مقبولة عند الله عزّ وجلّ. ومن هنا أيضاً نفهم قول الامام الكاظم: “قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود”. إستنتاج: – هنالك ارتباط وثيق بين العلم والإيمان، لأنّ الإيمان ثمرة من ثمرات العلم والمعرفة. – العلم الذي يُثمر الإيمان هو العلم بالله وبدين الله.

الإخلاص شرط لقبول الأعمال: الإخلاص في العمل معناه تنقية هذا العمل من كلّ شائبة وجعله كلّه لله عزّ وجلّ. وعدم الإخلاص في العمل معناه أنّ الدّافع والمحرّك لهذا العمل أمر غير الله تعالى أو أمر شريك له تعالى. والإخلاص في العمل هو الطّريق إلى جعل الأعمال والعبادات مقبولة عند الله عزّ وجلّ. ولأهميّة الإخلاص لله عزّ وجلّ يأتي القرآن الكريم على ذكره في العبادة ويبيّن أنّه أمر واجب، وبالتالي لا قيمة لأيّ عبادة إذا لم تكن لله تعالى بشكل خالص. يقول تعالى: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ” (البينة 5). والإخلاص على مراتب، وعلى الإنسان المؤمن السّعي دائماً لتنقية أعماله من شوائب الشّرك مستعيناً بالله ومتوكّلاً عليه، حتّى يصل إلى تلك المرتبة التي يقول فيها النبّي: “وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يُحمد على شيء من عمله لله”. عن الإمام الصّادق: “قال الله تعالى: أنا خير شريك، من أشرك بي في عمله لن أقبله إلّا ما كان لي خالصاً”. إستنتاج: – الإخلاص معناه تنقية العمل من كلّ الشوائب وجعله كاملاً لله عزّ وجلّ. لا قيمة للعبادات والأعمال من دون الإخلاص. – على الإنسان أن يسأل الله التوفيق للإخلاص دائماً خاصّة وأنّ الإخلاص على مراتب. قال الإمام زين العابدين: “أربع من كنّ فيه كمل إسلامه، ومحّصت عنه ذنوبه، ولقي ربّه عزّ وجلّ وهو عنه راضٍ: من وفى لله عزّ وجلّ بما يجعل على نفسه للنّاس، وصدق لسانه مع النّاس، واستحيا من كلّ قبيح عند الله وعند النّاس، وحسن خلقه مع أهله”.

الصـّدق والأمانة والوفاء بالعهود شروط ضروريـّة لقبول الأعمال: الصّدق رأس الإيمان وباب من أبواب الجنّة، وهو شعار الأنبياء والأوصياء ، ألا ترى كيف أنّ بعض الأنبياء كان الصّدق هو لقبهم الذي يُعرفون به، وسلاحهم في هداية أقوامهم؟ ألم يُعرف الرّسول الأكرم بلقب الصّادق الأمين؟ ألم يطلق القرآن لقب “الصدّيق” على نبيّ الله يوسف؟ أليس من ألقاب أمير المؤمنين الصدّيق الأكبر؟ ولأهميّة الصّدق كانت عبادات الإنسان وأعماله لا قيمة لها إذا لم تكن مقرونة به. فقد ورد عن الرّسول الأكرم: “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحجّ والمعروف وطنطنتهم بالليّل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة”. أمّا الأمانة والوفاء بالعهود فهما من الواجبات الأكيدة في الإسلام، حتّى كان التّشديد على أدائهما للبرّ والفاجر. فعن الحسين بن مصعب الهمدانيّ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “ثلاث لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين”. بل في روايات أخرى ما هو أعظم من ذلك، حيث يقول أمير المؤمنين: “أدّوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء” ، ويقول النبيّ: “لا دين لمن لا عهد له”. وتشير بعض الرّوايات إلى أن أداء الأمانة من موجبات الغنى وحلول البركة، والخيانة توجب عكس ذلك. وفي النتيجة إذا أردت أن تتبيّن خطورة الخيانة وخلف الوعد والكذب تأمّل في الحديث التالي: عن أبي عبد الله الصّادق قال: “قال رسول الله: ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وإن صلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف”.

تحدث خطيب جمعة مسجد الامام الحسين عليه السلام الشيخ حسن العامري في خطبة ارتجالية عن (الشروط المطلوبة لقبول الاعمال عند الله): ابتدأ بالاية البينة 5 “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ” وقال هنالك مجموعة من الشروط فيما يتعلق بقبول الاعمال والاثار المترتبة على ذلك اولها النية “قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ” (الاسراء 84) ثم التقوى “إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ” (المائدة 27) وكذلك طاعة الاوامر الالهية “وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا” (الاحزاب 71) بشرط التسليم وعدم الممانعة “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء 65) وشرط الاستقامة طول الحياة “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا” (الاحقاف 13). من اهم كل شروط الاخلاص في الاعمال الذي يسمى ام الشروط “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ” (البينة 5). ونحن نعمل باخلاص لنتقرب من خلاله الى الله. ولكن درجات الاخلاص في العمل تختلف من شخص لاخر لان الشيطان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ” (الاعراف 16). والاخلاص بتعبير اخر هو الرد على شرور الشيطان “إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ” (الحجر 40) فالشيطان ليس له سلطان على المخلصين. والان ما معنى الاخلاص لله؟ انه المحرك للعمل لدفعه الى رضا الله، اي بتعبير اخر الشعور بوجود الله في العمل المخلص لدين الله في الافراح والاتراح “هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ” (يونس 22) وهنالك امثلة عديدة لهذا المعنى فالمريض بمرض عضال يدعو الله بالشفاء والمطلوب ان يحصل هذا في كل صغيرة وكبيرة. ايضا تذهب الى المسجد او تأكل طعام عليك ان تضع الله امامك هل ذهابك للمسجد رياء او طعامك حلال ام حرام. فعندما يكون عملك فيه رضا الله هو نوع من انواع الاخلاص لله، وجاء في الحديث القدسي: اخف عملك وعلي اظهاره. فالعفو هو لابتغاء رضا الله “وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” (البقرة 237) وهكذا اي نسك وصلاة وحتى الموت في سبيل الله “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (الانعام 162) وعمل الخير “وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ” (البقرة 110) وعدم المنة على الله “قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ” (الحجرات 17) والعمل الصالح “حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا” (المؤمنون 99-100) والانفاق “وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ” (المنافقون 10). والله يظهر الاعمال الصالحة حتى بعد الموت وما الشيخ بهجت العالم الجليل الا مثال على ذلك حيث عرف اكثر بعد وفاته. يقول امير المؤمنين عليه السلام (الاخلاص ثمرة العبادة) و (اخلص نيتك في علمك وعملك، وفي محبتك وبغضك، وفي كلامك وصمتك). الله يظهر نعمته على عبده عندما تذكر الله حتى في ابسط الامور كذكرك الله حال شرب الماء.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” ﴿البقرة 113﴾ تعصّب وتناقض: فيما مرّ بنا من آيات رأينا جانباً من الإِدعاءات الفارغة التي أطلقها جمع من اليهود والنصارى، ورأينا أن هذه الإِدعاءات الفارغة تستتبعها روح احتكارية ضيقة، ثم وقوع في التناقضات. تقول الآية: “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارى عَلى شَيْء وَقَالَتِ النَّصَارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْء” ﴿البقرة 113﴾. عبارة “لَيْسَتْ عَلى شَيْء” ﴿البقرة 113﴾ تعني أن أفراد هذا الدين لا مكانة لهم ولا منزلة لدى الله سبحانه، أو تعني أن هذا الدين لا وزن له ولا قيمة. ثم تضيف الآية: “وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ”. أي إنّ هؤلاء لديهم الكتاب الذي يستطيع أن ينير لهم الطريق في هذه المسائل، ومع ذلك ينطلقون في أحكامهم من التعصب واللجاج والعناد. ثم تقول الآية: “كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ”. وهذه الآية الكريمة تجعل أقوال هذه المجموعة من أهل الكتاب المتعصبين شبيهة بأقوال الجهلة من الوثنيين. بعبارة اُخرى: هذه الآية تقرر أن المصدر الأساس للتعصب هو الجهل والبعد عن العلم، لأن الجاهل مطوّق بمحيطه المحدود، لا يقبل غيره، بل هو ملتصق بما ملأ ذهنه منذ صغره وإن كان خرافياً، ويرفض ما سواه. ثم اختتمت الآية بالتأكيد على أن الحقائق إن خفيت في هذه الدنيا، فهي لا تخفى في الآخرة حيث تنكشف كل الأوراق: “فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيَما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” ﴿البقرة 113﴾. وهذه الآية فيها أيضاً تثبيت للقلوب وطمأنة للنفوس، فهي تؤكد للمسلمين أن الطوائف التي تجهزت لمحاربتهم لا تتميز بالإِنسجام والوحدة، بل إن مجاميعها يكفّر بعضهم بعضاً، والذي يجمع بينهم على الظاهر هو الجهل، وبالتالي التعصب الناشيء عن هذا الجهل.