د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن (أشهد أن) “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 52﴾ وَاشْهَدْ: وَ حرف استئنافية، اشْهَدْ فعل، بِأَنَّا: بِ حرف جر، أَنَّ حرف نصب، ا ضمير، أَنصَارِي: أَنصَارِ اسم، ى ضمير، الْحَوَارِيُّونَ: الْ اداة تعريف، حَوَارِيُّونَ اسم، الحَواريُّونَ: أصفياؤه و أنصاره، الحواريون: أصحاب النبي عيسى، وتلاميذه المخلصون، وأنصاره الذين قاموا يبشرون بدعوته من بعده، فلما استشعر عيسى منهم التصميم على الكفر نادى في أصحابه الخُلَّص: مَن يكون معي في نصرة دين الله؟ قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه، صدَّقنا بالله واتبعناك، واشهد أنت يا عيسى بأنا مستسلمون لله بالتوحيد والطاعة، الحواريون كانوا مؤمنين بالله وكانوا مسلمين”وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” (ال عمران 52) ان مفهوم الاسلام عند مفسرين مسلمين هو الاستسلام لله ورسله.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 52﴾ “آمَنَّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”، حيث أتوا في الإيمان بالفعل وفي الإسلام بالصفة فأول مراتب الإسلام هو التسليم والشهادة على أصل الدين إجمالا، ويتلوه الإذعان القلبي بهذه الشهادة الصورية في الجملة، ويتلوه وهو المرتبة الثانية من الإسلام التسليم القلبي لمعنى الإيمان وينقطع عنده السخط والاعتراض الباطني بالنسبة إلى جميع ما يأمر به الله ورسوله وهو الاتباع العملي في الدين، ويتلوه وهو المرتبة الثانية من الإيمان خلوص العمل واستقرار وصف العبودية في جميع الأعمال والأفعال، ويتلوه وهو المرتبة الثالثة من الإسلام التسليم لمحبة الله وإرادته تعالى فلا يحب ولا يريد شيئا إلا بالله، ولا يقع هناك إلا ما أحبه الله وأراده ولا خبر عن محبة العبد وإرادته في نفسه، ويتلوه وهو المرتبة الثالثة من الإيمان شيوع هذا التسليم العبودي في جميع الأعمال.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 52﴾ وقولهم: “آمَنَّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 52﴾ دليل على ان دين اللَّه واحد منذ وجد إلى ما لا نهاية، وهو الإسلام، وقد جاء به جميع الأنبياء، دون استثناء، والاختلاف انما هو في بعض الأحكام وصور العبادة، وعلى هذا، فكل من آمن باللَّه وكتبه ورسله فهو مسلم، وان أسمى نفسه نصرانيا أو يهوديا.. وسبق الكلام عن ذلك مفصلا عند تفسير قوله تعالى: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ” ﴿آل عمران 19﴾ من هذه السورة. وقول الحواريين: “فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ” دعاء منهم للَّه سبحانه أن يجعلهم في زمرة المؤمنين الذين شهدوا للَّه بالوحدانية، ولأنبيائه بالصدق والأمانة، ليفوزوا بما فاز به المخلصون المرضيون، وينالوا ما نالوه من الكرامة عند اللَّه سبحانه.. قوله سبحانه “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 64﴾ “فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 64﴾. أي فإن لم يقبلوا، حتى هذه البديهة، وأبوا الا الشرك والعناد فأعرض عنهم، وقل لهم أنت ومن آمن بك: “اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 64﴾. وفي إشهاد الكافرين على اسلام المسلمين فائدتان: الأولى: اشعار الكافرين بعدم المبالاة بهم وبكفرهم، وان محمدا ومن معه يؤمنون بالحق، وبه يعملون، حتى ولو كفر أهل الشرق والغرب. الفائدة الثانية: الإشارة إلى أن المسلمين يتميزون عن غيرهم بعبادة اللَّه الواحد الأحد، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون اللَّه، ولا لأحد منهم كائنا من كان سلطة التحليل والتحريم، وغفران الذنوب، كما هي الحال عند غيرهم. قوله عز وجل “كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” ﴿آل عمران 86﴾.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قال الله تبارك وتعالى “قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ” (آل عمران 52) و ساروا في هذا الدرب حاملين لواء الخير و الهداية، و متصدّين لحرب أعداء الحقّ و الرسالة، حيث يقول سبحانه: “فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَة ” (آل عمران 52) و هنا يأتي العون و النصر و الإغاثة و المدد الإلهي للطائفة المؤمنة حيث يقول سبحانه: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ” (الصف 14). و أنتم أيضا يا حواريي محمّد، يشملكم هذا الفخر و تحيطكم هذه العناية و اللطف الإلهي، لأنّكم أنصار اللّه، و إنّ النصر على أعداء اللّه سيكون حليفكم أيضا، كما انتصر الحواريون عليهم، و سوف تكون العزّة و السمو من نصيبكم في هذه الدنيا و في عالم الآخرة. و هذا الأمر غير منحصر أو مختّص بأصحاب و أعوان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فحسب، بل جميع أتباع الحقّ الذين هم في صراع دائم ضدّ الباطل و أهله، إنّ هؤلاء جميعا هم أنصار اللّه، و ممّا لا شكّ فيه فإنّ النصر سيكون نصيبهم و حليفهم لا محالة. وتعليقا على تفسير الشيخ الشيرازي حفظه الله فان المنتفضين حملوا لواء الخير متصدين لحرب أعداء الحق البعثيين الصداميين فكان العون والمد الالهي لهم ولو بعد حين لتكون العزّة و السمو من نصيبهم.
جاء في كتاب لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة للكاتب علي الشيخ: واما القلة المخلصة المؤمنة التي اتبعته على دعوته، فقد صدّقوه ونصروه بكل اخلاص واجتهاد. وقد أطلق عليهم صفة الحواري لخلوصهم من العيب والذنب،اخلاصهم للمسيح عليه السلام ونقاء قلوبهم وصفاء بواطنهم. و قد ذكر هم سبحانه وتعالى في كتابه المنزل مرات عدة، منها قول تعالى: “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إَلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” (ال عمران 52). و قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ” (الصف 14). و غيرها من الآيات القرآنية. و قد اختلفوا في عددهم، والمشهور انهم كانوا: (اثني عشر) وهو ما ذكر في بعض الروايات، عن أهل بيت النبوة عليهم السلام.
بما أن الأنبياء شهداء وشفعاء على الخلق يوم القيامة فان أئمة أهل البيت عليهم السلام شهداء وشفعاء كذلك ومنهم امام المتقين علي عليه السلام. جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” ﴿آل عمران 52﴾ “وَاشْهَدْ” يا عيسى “بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” أي: كن لنا شهيدا عند الله. أشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة، كما قال تعالى “وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا” (النحل 84) “رَبَّنَا” أي: يا ربنا “آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ” على عيسى “وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ” أي: اتبعناه. “فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ” أي: في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت، لنفوز بما فازوا به، وننال ما نالوا من كرامتك. وقيل: معناه واجعلنا مع محمد صلَّ الله عليه وآله وسلم وأمته، عن ابن عباس. وقد سماهم الله شهداء بقوله “لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ” (البقرة 143) أي: من الشاهدين بالحق من عندك.