العام الدراسي الجديد.. الطالب ضحية تدهور التعليم وتزايد الأعباء
وفاء الكبسي
مع إشراقة عام دراسي جديد، تتجه أنظار الأسر اليمنية نحو المدارس أملاً في مستقبل أفضل لأبنائها، غير أن هذا الأمل يصطدم بواقع تعليمي يزداد تعقيدًا عامًا بعد آخر. فبين مدارس حكومية تعاني من التدهور والإهمال، ومدارس أهلية أصبحت رسومها فوق قدرة معظم الأسر، يقف الطالب اليمني ضحيةً لأزمة تتجاوز حدود التعليم لتلامس مستقبل الوطن بأكمله.
لقد كان التعليم الحكومي على مدى عقود الركيزة الأساسية لضمان حق التعليم لجميع أبناء المجتمع، إلا أن الظروف الاقتصادية والتحديات المتراكمة من عدوان وحصار ألقت بظلالها الثقيلة على هذا القطاع الحيوي. فالكثير من المدارس تعاني من تهالك البنية التحتية، ونقص التجهيزات والوسائل التعليمية، وازدحام الفصول الدراسية، وضعف الأنشطة التربوية، فضلاً عن التحديات التي يواجهها المعلمون في أداء رسالتهم التعليمية. وأمام هذا الواقع تتراجع جودة المخرجات التعليمية، وتتسع الفجوة بين ما يحتاجه الطالب وما تستطيع المدرسة الحكومية تقديمه.
وفي المقابل، أصبح التعليم الأهلي خيارًا يلجأ إليه كثير من أولياء الأمور بحثًا عن بيئة تعليمية أفضل، غير أن الرسوم الدراسية المرتفعة وما يرافقها من نفقات إضافية جعلت هذا الخيار فوق قدرة شريحة واسعة من المجتمع. وبين تعليم حكومي يعاني من أوجه قصور متعددة وتعليم أهلي يزداد كلفة عامًا بعد آخر، يجد ولي الأمر نفسه أمام خيارات محدودة، بينما يدفع الطالب الثمن من حقه في تعليم مستقر ومناسب.
ولعل من أخطر المؤشرات التي تستدعي وقفة جادة أن تنامي الإقبال على المدارس الخاصة لم يعد نابعًا من الرغبة في التميز فحسب، بل نتيجة تراجع الثقة في قدرة التعليم الحكومي على توفير الحد الأدنى من البيئة التعليمية المناسبة. فليس من المقبول أن يتحول التعليم الجيد إلى امتياز يرتبط بالقدرة المالية، بينما يعاني أبناء الأسر محدودة الدخل من واقع تعليمي متراجع. ومن حق المجتمع أن يتساءل: كيف يمكن استعادة الثقة بالمدرسة الحكومية إذا كان كثير من المسؤولين والتربويين يفضلون إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة؟ إن بناء الثقة يبدأ من القدوة، ويبدأ من شعور المسؤول بمعاناة المواطن وحرصه على تطوير المؤسسات التعليمية التي يشرف عليها لتكون محل ثقة الجميع.
وتبرز مع بداية كل عام دراسي قضية المشاركة المجتمعية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بين أولياء الأمور. فالمشاركة المجتمعية في أصلها تمثل قيمة إيجابية تهدف إلى دعم المدرسة وتعزيز الشراكة بين المجتمع والمؤسسة التعليمية، إلا أن التطبيق بالإجبار حولها إلى عبء مالي إضافي يثقل كاهل الأسر التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية متزايدة. ولذلك بات من الضروري إعادة تقييم هذا الملف بصورة شاملة، بما يضمن إلغاء أي إلزام مالي يفرض على الأسر تحت أي مسمى، وتعزيز الشفافية في أي مساهمات تقدم للمدارس، مع تحمل الدولة والجهات المختصة مسؤوليتها الأساسية في تمويل العملية التعليمية وتوفير احتياجاتها.
ولا تقف معاناة الأسر عند حدود الرسوم الدراسية ومتطلبات الدراسة المختلفة، بل تمتد إلى قضية الكتاب المدرسي الذي يفترض أن يكون متاحًا لكل طالب بوصفه حقًا تعليميًا مكفولًا. فمع بداية كل عام دراسي تتكرر شكاوى أولياء الأمور من عدم توفر الكتب المدرسية في المدارس بالقدر الكافي، في الوقت الذي يجدونها معروضة للبيع في بعض المكتبات والأرصفة، الأمر الذي يضاعف الأعباء المالية على الأسر ويطرح تساؤلات مشروعة حول آليات التوزيع والرقابة وضمان وصول الكتاب إلى مستحقيه. فالكتاب المدرسي ليس سلعة تجارية، بل أحد أهم مقومات العملية التعليمية التي ينبغي أن تتحمل الجهات المعنية مسؤولية توفيرها للطلاب دون مقابل.
وفي خضم هذه التحديات يبرز تساؤل لا يقل أهمية: أين دور الجهات المعنية في حماية العملية التعليمية ومعالجة الاختلالات القائمة؟ إن مسؤولية النهوض بالتعليم لا يمكن أن تُلقى على كاهل أولياء الأمور وحدهم، كما لا يجوز أن يبقى الطالب رهينة للأوضاع المتردية والقصور الإداري وضعف المتابعة. فوزارة التربية والتعليم والجهات المختصة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحمل مسؤولياتها الوطنية والتربوية بجدارة وأمانة، واتخاذ خطوات عملية وجادة لمعالجة المشكلات المتراكمة، وتعزيز الرقابة على المؤسسات التعليمية الحكومية والأهلية، وضمان وصول الكتاب المدرسي إلى كل طالب، وضبط الرسوم والمساهمات المالية، ومنع أي ممارسات تزيد من معاناة المواطنين.
إن الرقابة الفاعلة ليست إجراءً شكليًا، بل ضرورة لحماية حقوق الطلاب وأولياء الأمور، ومتابعة جودة التعليم، والتأكد من سلامة الإجراءات الإدارية والمالية داخل المدارس. كما أن غياب المتابعة الجادة يفتح المجال أمام استمرار الاختلالات وتفاقمها عامًا بعد آخر.
ولعل من أبرز المعالجات التي يمكن أن تسهم في تحسين الواقع التعليمي:
-إعادة تأهيل المدارس الحكومية وتوفير احتياجاتها الأساسية بما يضمن بيئة تعليمية مناسبة وآمنة.
-دعم المعلمين والارتقاء بأوضاعهم المهنية والمعيشية وتعزيز برامج التأهيل والتدريب، وتفعيل صندوق المعلم بصورة فاعلة وشفافة، باعتبار أن النهوض بالمعلم هو الخطوة الأولى للنهوض بالمدرسة والعملية التعليمية بأكمل.
-توفير الكتاب المدرسي لجميع الطلاب ومنع أي تلاعب أو قصور في عملية توزيعه.
-تفعيل الأجهزة الرقابية والتفتيشية لمتابعة المدارس الحكومية والأهلية ومعالجة أي تجاوزات أو اختلالات.
-مراجعة الرسوم الدراسية في المدارس الأهلية ووضع ضوابط عادلة تراعي الظروف الاقتصادية للمواطنين.
-إلغاء أي إلزام مالي تحت مسمى المشاركة المجتمعية وضمان طوعية أي مساهمات تقدم للمدارس.
-تعزيز الشفافية والإفصاح عن الموارد المالية التي يتم تحصيلها وأوجه إنفاقها.
-تشجيع رجال الأعمال والمؤسسات المجتمعية والخيرية على دعم التعليم الحكومي وتطوير بنيته التحتية.
-وضع خطط استراتيجية طويلة المدى للنهوض بالتعليم بوصفه أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
إن العام الدراسي الجديد يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة جادة وشجاعة لواقع التعليم، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وترحيل المشكلات. فالطالب اليمني لا يحتاج إلى مزيد من الرسوم والأعباء، بل يحتاج إلى مدرسة مؤهلة، ومعلم قادر، وكتاب متوفر، وإدارة مسؤولة، ورقابة فاعلة، وسياسات تعليمية تضع مصلحة الأجيال فوق أي اعتبارات أخرى. وعلى الجهات المعنية أن تتحمل مسؤولياتها بجدارة وأمانة، لأن مستقبل الوطن يبدأ من الفصل الدراسي، وأي تقصير في هذا الملف ينعكس على حاضر الأمة ومستقبلها.
#اتحاد_كاتبات_اليمن